لو سألتم محمود عباس عن مواقفه تجاه إسرائيل قبل 40 عاما، وسألتموه السؤال ذاته اليوم، كنتم ستحصلون على إجابتين مختلفتين تماما. درس الباحث الإسرائيلي إلحانان ميلر من منتدى التفكير الإقليمي بشكل منهجي مواقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس تجاه الصهيونية. ودرس أيضا المراحل التي مرت بها مواقفه تجاه الحركة الصهيونية وتجاه دولة إسرائيل، من خلال كتاباته بين عامي 1977 و 2003. أجرينا معه مقابلة خاصة ليُطلعنا على نتائجه المُذهلة:

ما الذي وقف خلف شهادة الدكتوراه الشهيرة لعباس من الثمانينيات حيث ادّعى وجود تعاون بين الصهيونية والنازية؟

"في البداية رأى عباس أن الصهيونية كانت العدو رقم واحد... ولكنه كتب في التسعينيات أنّ الصهيونية هي حركة أيديولوجية يهودية أصيلة"

"في البداية رأى عباس أن الصهيونية هي العدو رقم واحد، ولكنه وصفها كعدوّ لليهود بشكل لا يقل عن كونها عدو للفلسطينيين. التصور الكامن خلف رسالته للدكتوراه، هو تصور عربي مقبول جدا، وهو أنّه 'إذا قللت من أبعاد الهولوكوست أو أشرت إلى تعاون بين الصهيونية والنازية، فتنجح في المس بشرعية دولة إسرائيل والرؤيا الصهيونية'.

هل يعرف عباس إسرائيل حقا ويفهم كيانها؟

"إنه يفهم إسرائيل أفضل مما كان يفهمها في السنوات الأولى، وأعتقد أن ذلك جاء في أعقاب تعرفه على يهود من خلال المفاوضات. في التسعينيات كتب عباس أنّ الصهيونية هي حركة أيديولوجية يهودية أصيلة، وأنّ الصراع على البلاد هو صراح بين قوميّتين، وليس صراعا بين الإمبريالية الأوروبية والفلسطينيين".

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (AFP)

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (AFP)

هل شكّلت كتابات عباس رأي حركة فتح حول إسرائيل أم عكست الرأي القائم فقط؟

"أعتقد أنه كانت أفكاره دائما في الجانب المعتدل من حركة فتح. لم يرفض عباس رؤية الكفاح المسلّح ضدّ إسرائيل - في حرب لبنان الأولى، بل كتب كيف يجب مهاجمة إسرائيل بشكل فعال داعيا إلى تفضيل مهاجمة المدنيين، ولكنه أكد دائما أنّ الكفاح المسلّح هو تكتيك وليس هدفا، وأنّ الهدف الأكبر هو الاستقلال الفلسطيني وإعادة الحقوق الفلسطينية".

لماذا لم يمرّ الشارع الفلسطيني بعملية مماثلة لتلك التي مر بها عباس من حيث تغيير المواقف تجاه إسرائيل؟

"لم يُعدّ النظام التعليمي الفلسطيني  خريجيه لعملية التغيير هذه. لم يعرض الادعاءات الشرعية لليهود وعلاقتهم التاريخية بهذه البلاد. ما زال يعتقد معظم الفلسطينيين أنّ اليهودية هي مجرّد دين، ولذا يصعب عليهم أن يقبلوا حقّ اليهود بتقرير مصيرهم كقومية".

"ومع ذلك، لا ينبغي تجاهل أنّ الشعب الفلسطيني يعيش في ظل احتلال إسرائيلي في معظم الأراضي. من الصعب جدا تغيير التصوّرات التربوية والفكرية عندما تُخيّم على الحياة اليومية الإهانة والاحتلال".

هل كانت المشاحنات بين عباس وعرفات أيديولوجية أم مجرد شخصية؟

"لم ينجح عرفات في الحقيقة بالانتقال من كونه مقاتلا ليصبح سياسيا"، صورتا محمود عباس وياسر عرفات (ABBAS MOMANI / AFP)

"لم ينجح عرفات في الحقيقة بالانتقال من كونه مقاتلا ليصبح سياسيا"، صورتا محمود عباس وياسر عرفات (ABBAS MOMANI / AFP)

"كانت بين عباس وعرفات أيضًا فروقات شخصية وأيديولوجية مهمة جدا. كان عباس مثقفا، أديبا، لم يشارك أبدا بفاعلية في الكفاح المسلّح بشكل شخصيّ، رغم أنّه آمن به أيديولوجيا. في المقابل كان عرفات متماهيا جدا مع الزي العسكري، السلاح، والكفاح. كان من الصعب جدا على عرفات أن ينتقل من المرحلة الثورية والقتالية إلى المرحلة السياسية، فلم ينجح في الحقيقة بالانتقال من كونه مقاتلا ليصبح سياسيا."

"أيديولوجيا - أعتقد أن عرفات لم يفرق بين العنف كوسيلة والعنف كهدف. كان عباس مختلفا جدا عن عرفات لأنه كان عمليا وبراغماتيا أكثر في التسوية مع إسرائيل".

هاجم عباس مؤخرا "العواصم" العربية لتدخّلها في الشؤون الفلسطينية الداخلية. هل هذا نقد جديد؟

"يعتبر عباس الانتفاضة الثالثة أمرا سيضرّ أولا بشعبه، وهذا ما يضرّ بشرعيّته في الشارع الفلسطيني، لأنّ قطاعات كبيرة من الشعب تختار خيار العنف"

"هذا ليس نقدا جديدا. كان عباس انتقاديا جدا تجاه القيادة العربية، من بين أسباب أخرى، بسبب تعاملها المُهين والمُتغطرس مع الفلسطينيين، وبسبب الفجوة بين غرورها وبين الواقع المرير، الذي لم تنجح فيه الدول العربيّة في تحرير فلسطين ومساعدة الفلسطينيين، واستخدمتهم ورقة دعائية فقط".

"يواجه عباس اليوم مأزقا، لأنّه باعتباره رئيسا للسلطة الفلسطينية فهو يحتاج جدا إلى دعم دبلوماسيّ واقتصادي من الدول العربيّة، ولا سيّما من الخليج. ولكن، عندما يشعر أنّ تدخل الدول العربيّة يتسلل إلى السياسة الفلسطينية الداخلية، وبشكل حصري في صراعه مع دحلان، عندها يقول - حتى هنا، لن تتدخلوا في هذه القضية".

هل تتوقع مرحلة أخرى في التطوّر الفكري لدى عباس، في حالة إخفاق توقعاته من إسرائيل، هل سيطرأ تغيير جديد في مواقفه؟

"سيحاول عباس متابعة استخدام الأدوات الدبلوماسية المتاحة له، ولكنه يعتبر الانتفاضة الثالثة أمرا سيضرّ أولا بشعبه، ولذا لا أعتقد أنّه سيتبنى هذا الخيار. وهذا ما يضرّ بشرعيّته في الشارع الفلسطيني، لأنّ قطاعات كبيرة من الشعب تختار خيار العنف، على الأقل، إلى جانب المفاوضات أو الوسائل الأخرى".