الصّلات السعودية بإسرائيل - بين الحقيقة والشائعات

منذ ثمانينات القرن الماضي، أبدت النخبة السعودية موقفًا استرضائيًّا نسبيًّا تجاه إسرائيل.‎ ‎مبادرة الأمير فهد عام 1981، خطة فاس عام 1982، ومبادرة الأمير عبد الله، التي أصبحت المبادرة العربية للسلام عام 2002، عرضت جميعها الاعتراف بإسرائيل مقابل دولة فلسطينية وانسحاب تامّ من الأراضي المحتلّة عام 1967.‎ ‎طالما أبدى القادة الإسرائيليون بعض الاهتمام علنًا، وأخبر الإعلام عن لقاءات سرية بين مسؤولين إسرائيليين وسعوديين عامَي 2006 و2007، بهدف جعل المبادرة أكثر قبولًا على إسرائيل.‎ ‎عام 2008، اقترح أولمرت شمل السعوديين في لجنة للقادة الدينيين تُدير المواقع المقدّسة في القدس.

كانت صانداي تايمز مصدرًا لعدّة روايات عن تعاوُن دفاعيّ سعودي - إسرائيلي، كلّها تقتبس عن مسؤولين إسرائيليين مجهولين، منذ تعاظَمَ التهديد الإيرانيّ.‎ ‎فقد أخبرت أنّ السعوديين وافقوا على السماح لإسرائيل بمهاجمة إيران عبر مجالهم الجوي، وأنهم كانوا يتدربون على سحب دفاعاتهم الجويّة.‎ ‎وتأكّد الجَزم أكثر بملاحظات قدّمها للكاتب أكاديميٌّ أمريكي التقى بمسؤول دفاعيّ سعودي كبير.

في أيار 2013، نُقل أنّ اتفاقية دفاعية كان يجري العمل عليها بين إسرائيل، المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، تشمل مشاركة محطات رادار ومعلومات عن الدفاع المتعلّق بالقذائف.‎ ‎في تشرين الأول، أخبرت القناة الإسرائيليّة الثانية أنّ رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو كان يُشرِف على "اجتماعات مكثّفة" مع رسميين خليجيّين بارزين، قام أحدُهم بزيارة إسرائيل.‎ ‎في تشرين الثاني، أثارت صانداي تايمز ضجّةً من جديد، متحدثة عن أنّ المملكة العربية السعودية ستتعاون في تزويد الطائرات بالوقود، وإنقاذ المروحيّات والطائرات.‎ ‎وأخبر وزيرٌ إسرائيلي بَزفيد (Buzzfeed) أنّ السعودية هي من أعلمت إسرائيل بمحادثات الولايات المتحدة السرية مع إيران قبل اتّفاق جنيف.‎ ‎لكنّ السعوديين نفَوا هذه الاتّصالات.

تفوّهت القيادة الإسرائيلية مؤخّرًا بالكثير من التصريحات التي تعبّر عن المصالح المشتركة بين إسرائيل والدّول السنيّة في المنطقة.‎ ‎وبين هؤلاء عاموس جلعاد، رئيس القسم السياسي - الأمني في وزارة الدفاع، وعدّة متحدّثين آخرين.‎ ‎أمّا المؤشّر الأهمّ في التقارُب مع السعودية فكان بضعة أسطر في خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة في أوائل تشرين الأول، حين عبّر عن أمله في أن تقيم إسرائيل علاقات مع دول عربيّة تعاني من نفس التهديد الإيراني.

وفيما تنبع التسريبات على الأرجح من مصادر إسرائيلية تسعى إلى تهديد إيران، فإنّ السعوديين حائرون حيال العلاقات مع إسرائيل.‎ ‎فمن جهة، يُستمدّ جزء كبير من شرعيّة الأسرة المالكة داخليًّا وإقليميًّا من النظر إليها كداعمة للقضايا العربية والإسلاميّة.‎ ‎فلسطين هي قضية وطنية من هذا النوع، ومشاهدة السعودية تناقش أيّ شيء مع إسرائيل أمر إشكاليّ.‎ ‎ومن جهة أخرى، قال السعوديون إنّ لديهم الحقّ في القيام بأيّ أمر لحماية أمنهم، في إشارةٍ إلى أنه لا يجب استبعاد المُحادثات مع إسرائيل.‎ ‎لذلك، على إيران أن تتظاهر بالاهتمام.

السعوديون، الخليج، وسياسة الانضمام

ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز يستقبل وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل (AFP)

ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبد العزيز يستقبل وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل (AFP)

لطالما عزف السعوديون عن مواجهة إيران.‎ ‎فرغم أنّ تاريخًا من العداوة السياسية والدينية يفصلهما، حاولت الرياض دائمًا تدبّر أمرها مع طهران.‎ ‎منذ إعلان الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1979، آثرت الرياض عدم - أو ثُنيت عن - القيام بخطوة ضدّ إيران، حتّى حين حرّضت طهران الشيعة في المملكة العربية السعودية وأحدثت اضطرابات في الحجّ.‎ ‎حتّى يد طهران في الانفجار في أبراج الخُبَر في الظهران عام 1996 لم تحثّ الرياض على العمل.‎ ‎في الواقع، تحسّنت العلاقات بإيران بعد الانفجار.‎ ‎بدأ السعوديون يخافون، ولا يزالون خائفين.‎ ‎هذا هو سبب كون الردّ السعودي الرسمي أهدأ من المتوقع: "إذا توفر حسن النوايا، يمكن أن يشكل هذا الاتفاق خطوة أولية في اتجاه التوصل لحل شامل للبرنامج النووي الإيراني".

وفيما تبدو الولايات المتحدة متذبذبة في شأن إيران وتبدو أنها لا تفهم التهديد، يبدو أنّ الرياض تمدّ يدها نحو إسرائيل، محاولةً تقوية مجلس التعاون الخليجيّ المحتضر، وتحسين علاقاتها بإيران.‎ ‎يقوم السعوديون بتطبيق جزء من "سياسة الانضمام" (bandwagoning)، والتي تستند إلى فكرة التحالُف مع الطرف الأقوى الذي يُشكّل تهديدًا، بدل مواجهته.‎ ‎في مواجهة الانقلاب الدبلوماسي الإيراني، تحاول السعودية تهدئة التوتّر مع إيران وسبر مياه إقامة علاقات ودية في المستقبَل.‎ ‎وفيما لم تنضمّ فعليًّا إلى إيران، فإنّها تحاول تطويق رهاناتها بمجرّد تدبُّر أمرها.

لم تصِل السعودية إلى درجة "الانضمام" التي وصلت إليها الإمارات العربية المتحدة، التي كان ردّ فعلها أوضح.‎ ‎كانت الإمارات العربية المتحدة أوّل دولة خليجية تعرب عن دعمها للاتّفاق، وكان وزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد أوّل من يزور إيران.‎ ‎ويبدو أنّ الإمارات قد كوفئت على ردّ فعلها السريع. ففي الأسبوع الثاني من كانون الأول، أزالت إيران الطائرات النفاثة من أبو موسى، إحدى الجزر الثلاث المتنازَع عليها بين البلدَين.‎ ‎وتأكد لاحقًا أنهما كانتا تعقدان محادثات من أجل حلّ النزاع.

الملك السعودي عبد الله  (AFP)

الملك السعودي عبد الله (AFP)

مجلس التعاون الخليجي الذي تقوده السعودية مُتداعٍ، ومكانة المملكة الإقليمية قد ضعفت.‎ ‎حين اقترح السعوديون في 7 كانون الأول أن يشكّل مجلس التعاون الخليجي اتّحادًا سياسيًّا، اعترضت عُمان علنًا.‎ ‎بعد بضعة أيّام، أعلن مجلس التعاون الخليجي عن تشكيل قيادة عسكريّة موحّدة وقوّة شُرطة موحّدة، لا اتّحاد سياسيّ.‎ ‎ولم يكن مرجَّحًا نشوء القيادة والشرطة الموحّدتَين، شأنهما شأن الاتّحاد السياسيّ.

الدّفاع عن المملكة

لطالما كان الدفاع عن المملكة العربية السعودية يعتمد على مصادر خارجية، بريطانيا أوّلًا ثم الولايات المتحدة.‎ ‎بسبب خيبة أملهم من هجر الولايات المتحدة الرئيس المصريّ الأسبق محمّد حُسني مبارك ودعمها للإخوان المسلمين، عجزها في سوريا، وخضوعها للهجوم الإيراني الساحر، فإنّ عددًا من المسؤولين والأمراء السعوديين، يقودهم رئيس الاستخبارات العامّة الأسبق، الأمير تُركي الفيصل، صرّحوا بالحاجة إلى البحث عن ترتيبات دفاعيّة جديدة.‎ ‎لكن في نهاية المطاف، لا يسعهم سوى التطلّع إلى واشنطن.‎ ‎تعرف الولايات المتحدة ذلك، وقد تحرّكت لطمأنة السعوديين.‎ ‎فقد طرح وزير الدفاع تشاك هاغل مبادراتٍ جديدة تهدف إلى تقوية التعاوُن الدفاعي الذي تقوده الولايات المتحدة في الإقليم.

خلاصة

يجب عدم المبالغة في مؤشّرات التقاء المصالح بين السعودية وإسرائيل.‎ ‎فليست المملكة العربية السعودية على وشك التنازُل عن مكانتها في العالم الإسلامي بتشكيل حِلف مع إسرائيل، التي يُنظَر إليها كعدُوّ للإسلام.‎ ‎لكن لا يجب استبعاد التعاوُن الهادئ.‎ ‎في حالة هجوم إسرائيلي على إيران، بإمكان السعودية أن تسحب راداراتها.‎ ‎وفي وسعها أن تعرض دعمًا في مجالات تزويد وقود إضافي، البحث، والإنقاذ للطيّارين الإسرائيليين.‎ ‎وفوق هذا كلّه، بإمكانها مضاعفة التعاون الاستخباريّ مع إسرائيل.‎ ‎في المستقبل، يمكن أن تتوسط الولايات المتحدة لإنشاء تعاوُن في الدفاع الصاروخي بين إسرائيل، المملكة العربية السعودية، ودول أخرى في مجلس التعاون الخليجي.‎ ‎نظريًّا، ليس ثمّة سبب يمنع بطارية مضادّة للقذائف الباليستيّة موجودة في السعودية أو قطر من اعتراض قذيفة تُطلَق من إيران على إسرائيل.‎ ‎لكنّ تعاوُنًا كهذا يشكّل خطرًا شديدًا على النظام، ويتطلب من الرياض مستوى ثقة بإسرائيل أعلى ممّا لديها على الأرجح.

حين يتعلّق الأمر بإسرائيل، سيُواصِل السعوديون موازَنة اعتبارات الأمن القومي الخاصّ بهم بالمخاوف بشأن الشرعيّة الداخليّة والإقليميّة.‎ ‎إنّ الكلفة السياسيّة لتحسين العلاقات بإسرائيل باهظة أكثر بكثير من تحسين العلاقات بإيران.‎ ‎فرغم أنّ السعوديين الوهّابييّن لا يكنّون مودّة للإيرانيين الشيعة، يبقى أولئك مُسلمين على الأقلّ.‎ ‎لذلك، فإنّ نوعًا من "الانضمام" إلى إيران هو على الأرجح أمر الساعة.‎ ‎على أيّة حال، تدرك المملكة أنّ الولايات المتحدة، لأسبابها الخاصّة، ستكون في حمايتها.

بالنسبة للإسرائيليين، فإنّ قيمة الدبلوماسيّة العلنيّة والعمليّات النفسيّة لتسرُّب لقاءات مع السعوديين محدودة وذات تأثير عكسيّ.‎ ‎يُنصَح القادة الإسرائيليون بإبقاء هذه الترتيبات طيّ الكتمان الشديد، خشيةَ أن يتخلى عنها السعوديون كاملًا.

نُشرت المقالة للمرة الأولى في موقع مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية على الإنترنت