لطالما قيل إن الإسرائيليين، كما الفلسطينيين، لا تؤثر بهم روايات بعضهم البعض، وإنه لا يمكن التوصل إلى عملية سلام حقيقية من دون استعداد كل جانب لتقدير تاريخ الجانب الآخر وألمه ومعاناته وآماله وأحلامه.

وبعبارة أخرى، تتطلب المفاوضات أساساً من الحقيقة معترف به من قبل الطرفين من أجل المضي قدماً. وللأسف، دائماً ما كانت الحقيقة المشتركة إحدى المكونات المفقودة بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني. والمؤسف أيضاً أن محاولات الولايات المتحدة التوسّط بين وجهتي النظر المختلفتين لم تؤتِ ثمارها.

ومن الأمثلة الأخيرة على عدم فعالية الولايات المتحدة، قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي يؤكد على أنه للرئيس أن يقرر ما إذا كانت إسرائيل تتمتع بسيادة على القدس أم لا. شخصياً، لا أعارض دستورية الحكم، لأنه على كل رئيس أمريكي أن يؤكد على حقه في اتخاذ قرارات السياسة الخارجية من دون تدخل الكونغرس. بيد أن الموقف الأمريكي الحالي القائل بأن إسرائيل لا تتمتع بسيادة على القدس تفوه منه رائحة اللياقة السياسية ورفض الاعتراف بالحقائق الأساسية. وبموجب اتفاق الوضع النهائي، أياً كان، سيبقى جزء من القدس على الأقل عاصمة إسرائيل، حتى إذا أصبحت القدس الشرقية يوماً ما عاصمة للدولة الفلسطينية الجديدة. إن عدم رغبة الولايات المتحدة بالاعتراف بهذه الحقيقة تعكس مساندة الفلسطينيين فقط، وتناهض جيراننا الإسرائيليين من غير ضرورة، وتدل على قصور الوساطة الأمريكية.

نتنياهو وأوباما خلال زيارة الرئيس ألمريكي في إسرائيل (Kobi Gideon/Flash90)

نتنياهو وأوباما خلال زيارة الرئيس ألمريكي في إسرائيل (Kobi Gideon/Flash90)

وبطبيعة الحال، إن الولايات المتحدة ليست في الواقع على وشك تغيير سياستها العامة تجاه إسرائيل وفلسطين. لذلك فإن سياسة الحكومة المعلنة حول القدس هي عبارة عن مزيج كريه من التهرب والأكاذيب التي تضر بمصداقية الولايات المتحدة. ومع ذلك، هناك العديد من الخطوات الصعبة، بل الضرورية، التي يتوجب على الأطراف الرئيسية الثلاثة في هذا الصراع اتخاذها من أجل تعزيز مصداقيتها والعمل على التوصل إلى استنتاج حقيقي يقوم على الاعتراف المشترك بالحقائق التاريخية.

من جهته، اعترف الرئيس الفلسطيني محمود عباس علناً بأن الرفض الفلسطيني لقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة كان رفضاً خاطئاً. ومع ذلك، تساءل حول سبب معاقبة إسرائيل للفلسطينيين منذ ذلك الحين. وبدلاً من توجيه أصابع الاتهام إلى الجانب الآخر حول أخطاء الماضي، يجدر بعباس الاعتراف بالحسابات الفلسطينية الخاطئة أيضاً، مثل فشل الفلسطينيين في مطالبة الأردن بتسليم أراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية عندما كانت هذه الأراضي تحت سيطرة عمّان بين عامي 1949 و1967. إلى جانب ذلك، يجب على عباس أن يعترف بأن حرب الأيام الستة عام 1967 كانت عبارة عن خطأ كبير لفلسطين والعالم العربي، تماماً كما اعترف بذلك العاهل الأردني (السابق) الملك حسين عام 1997. يتعين على عباس أيضاً مواصلة التأكيد على أن الانتفاضتين القاتلتين والطويلتين اللتين قتل فيهما الآلاف من الفلسطينيين والإسرائيليين كانتا أيضاً عبارة عن تحركات خاطئة. وعلى نطاق أوسع، لا بد لعباس من التأكيد على أنه كان يجب على الفلسطينيين أن يأخذوا عروض السلام الإسرائيلية المختلفة على مر السنين على محمل الجد. فهذه الاعترافات قد تساعد على منع إهدار المزيد من خطط السلام، مثل تلك التي قدمها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود اولمرت وتم رفضها [من قبل الفلسطينيين] لكن عباس يعتبرها الآن حقيقية.

الرئيس الأمريكي أوباما يلتقي برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في البيت الأبيض (The White House Flickr)

الرئيس الأمريكي أوباما يلتقي برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في البيت الأبيض (The White House Flickr)

وفي الوقت نفسه، يدّعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه يدعم حل الدولتين. إذا كان ذلك صحيحاً، يجب عليه إذاً أن يؤكد على عدم إقامة أي مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، وعلى أنه سيتم تقرير مصير المستوطنات القائمة في إطار المفاوضات. كما يتعيّن على نتنياهو أن يؤكد على أنه لا يريد أن تضطر إسرائيل إلى الاختيار ما بين الحفاظ على طابعها اليهودي وبين مثلها الديمقراطية من خلال تعزيز أساليب غير ديمقراطية. بالإضافة إلى ذلك، يجدر برئيس الوزراء الإسرائيلي أن يذهب أبعد من ذلك إذا كان يريد أن يصبح صانعاً للسلام، وذلك عبر التصريح بأنه يتفهم الحاجة إلى الكرامة والحرية الفلسطينية، والتي يجب تحقيقهما حتى في الوقت الذي تضمن فيه إسرائيل أمنها. وفي الواقع، لا بد لنتنياهو أن يُعلم الجمهور الإسرائيلي بأن قيام دولة فلسطينية يصب في مصلحة أمن إسرائيل.

وفي حين يتوجب على كل من القادة الفلسطينيين والإسرائيليين تغيير خطاباتهم، من الضروري بشكل خاص أن تقدم الولايات المتحدة نفسها كدولة منفتحة ونزيهة. فإذا أراد الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن تقتنع إسرائيل بأنه صادق في رسالته ذات "الحب القاسي" حول المستوطنات، يجب أن يُظهر بأنه يتوجه برسائل مماثلة إلى القادة الفلسطينيين. باستطاعته القيام بذلك عن طريق تحدي القادة الفلسطينيين على كلامهم الثابت الذي يحمل من الكراهية ما يسيء إلى الإسرائيليين واليهود، ويمجّد الإرهابيين والقتلة، ويرفض إعداد الفلسطينيين للسلام والمصالحة. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن يقول للرئيس عباس أنه لا بد لليهود أن يتمتعوا بكل الحق بالعيش في دولة فلسطينية في المستقبل، مَثَلهم مثل الـ 20 في المائة من الإسرائيليين الذين هم اليوم فلسطينيين. كما يجدر بأوباما تبديد الأوهام بأن الجزء الغربي من القدس على الأقل ليس عاصمة لإسرائيل، وذلك لكي لا يشكك الفلسطينيون بالمعايير التي يمكن لحل الدولتين تحقيقها.

ومن شأن هذه التصريحات الصريحة أن توفر بداية جيدة نحو الوصول إلى الحقيقة والسلام المشتركين. ولكن في أعقاب هذه الخطوات الأولى، هناك الكثير من الحقائق الأخرى التي يجب على أوباما ونتنياهو وعباس إخبار بعضهم البعض، وإخبار شعوبهم، بها بدلاً من الاعتماد على السرية التي يفضلها النشطاء السياسيين الخائفين. فقد يجد هؤلاء القادة السياسيين أن التحدث بصدق يؤدي إلى التحرر، وقد يدهشون من الفائدة التي قد تعود بها صراحتهم نحو إنجاز سلام حقيقي.

نشر هذا المقال على موقع منتدى فكرة