ليس هناك ما هو مقدّس أكثر بالنسبة لإيران في حربها من أجل الهيمنة على الشرق الأوسط، وأصبح الآن موضوع الشهداء أيضا مجال تحاول من خلاله إرسال أذرعها الطويلة إلى فلسطين. يستخدم الإيرانيون هذا الموضوع كما لو كان بضاعة في السوق، ويسعون إلى تقديم عرض أكثر ربحا للأسر من أجل أسر قلوبهم وتقويض حكم السلطة الفلسطينية.

وبموازاة لقاء رئيس حكومة السلطة الفلسطينية، رامي الحمد الله، مع "تجمع أسر الشهداء"، والذي احتجّت فيه الأسر على معالجة موضوعها وطالبت برفع المخصصات التي تبلغ الآن 1,400 شاقل للأسرة، وضع الإيرانيون على الطاولة عرضا أعلى بكثير، 7,000 دولار لكل أسرة، و 30,000 دولار للأسرة التي هُدم منزلها.

وفي حين أنّ الحمدالله لا يستطيع أن يعد بشيء سوى إقامة لجنة مشتركة بين مكتب رئيس الحكومة وبين وزارة المالية وتجمع أسر الشهداء، والتي ستجلس لمدة ثلاثة أشهر وتدرس الموضوع، يغري الإيرانيون الأسر بأموالهم والتي سيتم نقلها بطرق خفية. هكذا تلمّح الجمهورية الإسلامية للفلسطينيين: اتبعونا واتركوا السلطة غير القادرة على الوفاء بوعودها.

وقد سخر الكاتب عبد الباري عطوان من السلطة الفلسطينية على جهودها في إدانة إيران في هذا السياق قائلا: "المال الإيراني "الحرام".. والمال الأمريكي "الحلال".. الأول "مرفوض" لأنه يدعم أسر الشهداء وهم ضحايا "انتفاضة القدس".. والثاني "مقدس" لأنه يثبت التنسيق الأمني وحماية المستوطنين وإذلال الشعب الفلسطيني".

وعلى خلفية ذلك ألقى الوزير الإسرائيلي زئيف إلكين أمس خطابا قال فيه إنّ انهيار السلطة الفلسطينية هو بمثابة "مسألة وقت ليس إلا"، مما يعزز فقط اهتمام الإعلامي بضعف السلطة الفلسطينية الشديد. وبينما يبدو أنّ إسرائيل تقف جانبا وتنتظر أن ترى كيف ستنهار السلطة الفلسطينية بعد وفاة محمود عباس، يساهم الإيرانيون في ذلك ويؤذون السلطة في الأمور الأكثر حساسية - في أسطورة "الشهيد".

وانقسمت الردود في مواقع التواصل الاجتماعي بين الفرحين بالمال، بغض النظر عن مصدره، وبين الذين يصرّحون أنّهم لن يوافقوا على أن يتلقّوا من إيران ولو حتى قرشًا واحدًا. وحذّر بعض المعلّقين الفلسطينيين من أنّ كل ما تريده إيران هو نشر التشيع، وأنّها لا تعمل اعترافا بالشهداء بل حرصا على مصالحها الدينية. وكان هناك من شكر إيران، واتهم العالم العربي بالتخلّي عن الشعب الفلسطيني. يبدو إذن أن مؤامرة إيران لتوسيع الانقسام بين فصائل الشعب الفلسطيني قد نجحت.