ما الذي يمكن أن يدفع صحافياً لبنانياً إلى أن يكتب باسم مستعار عندما يناقش أهمية ارتباط إسرائيل مع جيرانها العرب بعلاقات طبيعية؟ ربما يبدو السؤال غريباً من حيث طبيعته، خصوصاً أن لبنان دولة عُرفت بتاريخها العريق في حرية الصحافة والرأي، إلا أن ما عُرف عن لبنان سابقاً قد لا يبدو حقيقياً اليوم في ظل الهيمنة الأمنية الإستخبارية لحزب الله على الساحة المحلية.

الجواب الطبيعي هو أن الخوف الذي يفرضه الحزب، وهو أبرز أذرعة الحرس الثوري الإيراني في المنطقة، يجعل الأصوات الراغبة في المناداة بالانفتاح على إسرائيل تعيد حساباتها أكثر من مرة خصوصاً في ظل ما تعرّض له صحافيون لبنانيون وقادة رأي من عمليات اغتيال وخطف نجح بعضها وفشل بعضها الآخر، لمجرد انتقادهم الدور السوري في الساحة اللبنانية، فسيكون مصير أي صحافي يريد المطالبة بالإنفتاح على إسرائيل أسوأ.

وانطلاقاً من نص مقدمة الدستور الذي يؤكد أن لبنان عربي الهوية والإنتماء، لا بد من البحث عن مصلحة لبنان وشعبه ضمن المصلحة العربية العليا، خصوصاً في ظل التطورات والمتغيرات التي فُرضت على الساحة الدولية بطريقة أو بأخرى من خلال تمرير الاتفاق النووي الإيراني الغربي.

وبغض النظر عن البيانات الدبلوماسية الصادرة عن دول عربية والمرحّبة بالاتفاق إلا أن المناخ العام السائد في أروقة السياسة وخصوصاً الخليجية منها ينطوي على قلق كبير ليس لناحية إمكان حصول إيران على سلاح نووي يهدد أمن المنطقة برمتها، بل من حيث أن هذا الاتفاق قد يفتح، من حيث التفاهمات التي أنتجته وهي بطبيعة الحال غير مكتوبة، الباب أمام إيران لتعزيز نفوذها في المنطقة أكثر فأكثر، ليس عبر الميليشيات المسلّحة هذه المرة إنما عبر استنادها إلى تفاهمات مع الغرب.

وبطبيعة الحال فإن آخر ما يطمح إليه العرب عموماً ودول الخليج خصوصاً هو رؤية ترسيخ للنفوذ الإيراني بمباركة غربية خفيّة. قبل أسابيع حاولت السعودية إرسال رسالة سمّتها "عاصفة الحزم" ومفادها أن المملكة لن تسكت على وصول التهديد الإيراني المباشر إلى حديقتها الخلفية في اليمن، وأنها مستعدة لاستعمال القوة حيث يتطلب الأمر. الواضح أن الغرب والولايات المتحدة أهملا الرسالة ولم يتعاملا معها باهتمام كبير، سوى من باب ضمان استقرار أمن إمدادات النفط، ولذلك يبدو أن الرياض غرقت في المستنقع اليمني، الذي لن يكون الخروج منه سهلاً.

كان مثيرا لاهتمام المراقبين السياسيين اللقاء الذي نظمه "معهد العلاقات الخارجية" (Council Of Foreign Relations ) في واشنطن بين الجنرال السعودي المتقاعد أنور عشقي و دوري غولد، مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي. البعض قرأ هذا اللقاء بأنه رسالة جديدة وإن كانت غير رسمية، لكن الأرجح أن لقاءات من هذا النوع لا تُجريها شخصيات سعودية من دون مباركة خفية من مكان ما في النظام.

وانطلاقاً من هنا، تبدو كل الظروف ملائمة لفتح صفحة جديدة بين الدول العربية السنية المعتدلة وإسرائيل لمواجهة خطرين استراتيجيين يهددان الاعتدال السني العربي والوجود الإسرائيلي بالدرجة ذاتها، وهما إيران والتطرف الإسلامي.

في الماضي وقف نظام صدّام حسين سداً منيعاً في وجه تمدد الطموح الإيراني، ونجح في إرهاق النظام الناشئ في إيران قبل أن تنتهي الأمور في العراق إلى ما انتهت إليه ما فتح مسرح المنطقة على مصراعيه أمام التمدد الإيراني المستفيد من وجود إمتداداته الميليشياوية في المنطقة وأبرزها حزب الله في لبنان.

أغلب الظن أن عرب الاعتدال السني، الذين لا يجيدون مواجهة المخططات الميليشياوية بأنفسهم، لن يجدوا في هذه الأيام نظاماً كنظام صدام يدافع عن مصالحهم في وجه إيران وأطماعها، أو يقضي على التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" والنماذج المنبثقة عنها.

والأكيد أيضاً أن إسرائيل التي تستشعر الخطر ذاته من وجود حزب الله الذي تزيد قوته يوماً بعد يوم سواء من حيث زيادة حجم ترسانته، أو من حيث اكتساب عناصره الخبرات القتالية من مشاركتهم في المعارك في سوريا، تجمعها بالعرب مصالح لا تقف عند حدود مواجهة مشروع إيران والتطرف في المنطقة بل تتعداها إلى فتح أسواق تجارية وسياحية ومصرفية تحتاجها لتحسين وضعها الاقتصادي، كما أن العرب أنفسهم يحتاجون إلى استقطاب التقدم التكنولوجي الإسرائيلي والإفادة منه في ظل تأخرهم في أكثر من مجال.

يستطيع عرب الاعتدال السني وإسرائيل شبك مصالحهم للانطلاق إلى مستقبل تنتهي فيه هيمنة إيران وقوى التطرف على دول المنطقة. ومن شأن طرح حل عادل ونهائي للملف الفلسطيني أن يكون مدخلاً لهذه الشراكة العربية ـ الإسرائيلية، التي ستحصل عاجلاً أم آجلاً.

يمكن للطرفين تحويل كل الظروف القائمة إلى فرصة تولّد في هذا الجزء من العالم قوة كبيرة اقتصاديا وعسكرياً، والأهم أنها توجه رسالة إلى كل القوى العالمية بأن هذا التحالف قادر ببنيته الذاتية أن يقف ليواجه من دون الحاجة إلى السند الأميركي الذي فقده العرب وإسرائيل، على حدٍ سواء، في عهد الرئيس باراك أوباما.

فقط عند حصول هذه الشراكة العربية الإسرائيلية سأستطيع كصحافي لبناني أن أكسر طوق الخوف وأن أعبّر عن وجهة نظري بإسمي الحقيقي لأني حينها سأحيا في بلد يتمتع بالحرية فعلاً لا قولاً، ومن دون أن أخاف من سيارة مفخخة أو طلقات رصاص تنهي حياتي، أو من شر يهدد مستقبل أولادي.

نشر هذا المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة