في كل عام في عيد الفصح يكرر اليهود حكاية الضربات العشر التي لحقت بالشعب المصري والتحدث عن فرعون، لكونه قد رفض إطلاق سراح بني إسرائيل للحرية: الدم، الضفادع، القمل، الذباب، الطاعون، الدمامل، إنزال البرد والنار، الجراد، الظلام، وموت الأطفال البكور. التفسير المقبول هو بطبيعة الحال أنّ إله شعب إسرائيل قد عاقب فرعون على عناده وقلبه الشرير، ورقّق قلبه حتى وافق على طلب موسى في إطلاق حرية الإسرائيليين.

ولكن يحاول العلماء في السنوات الأخيرة البحث في قصة الضربات العشر من الجانب العلمي، وتقديم تفسيرات تُظهر أنّ تلك الضربات العشر لم تكن فقط معجزات إلهية، وإنما أيضًا ظواهر طبيعية منطقية، والتي يمكن تفسيرها من خلال العلوم الطبيعية الحديثة.

قبل بضع سنوات نشرت الصحيفة البريطانيّة "التليغراف" بحثا حول الجانب العلمي للضربات العشر. بحسب العلماء الذين ذُكروا في المقال، فإنّ عهد رمسيس الثاني جاء تماما في فترة من التبدّلات المناخية المتطرّفة التي ضربت دلتا النيل؛ من طقس رطب وحار تحوّل إلى طقس جاف.

وفقا لتقديرات بعض الباحثين، فإنّ هذا التغيير الحادّ كان هو الخلفية لتفشّي الضربات العشر.

 

تحويل مياه النيل إلى دم (James Tissot)

تحويل مياه النيل إلى دم (James Tissot)

الدم: وفقا للتقاليد اليهودية، حدثت الضربة الأولى عندما تحوّلت كل مياه النيل إلى دم. ولكن وفقا للتفسير العلمي، يبدو أنّها كانت ظاهرة من الطحالب الحمراء، لوّنت مياه النيل بالأحمر، وأذهلت المصريين كثيرا. هناك عدّة أحداث معروفة في التاريخ ظهرت فيها هذه الظاهرة في مصادر مياه طبيعية.

الضفادع: ظهور موجة الضفادع في جميع أنحاء مصر يمكن تفسيرها بواسطة الظاهرة السابقة؛ الطحالب الحمراء غيّرت التوازن البيئي في النيل، وقتلت الأسماك التي سبحت فيه. سمح موت الأسماك بالتكاثر السريع للضفادع، والتي تكاثرت دون حدود.

القمل: القمل هو ظاهرة شائعة حتى اليوم، وليس فقط في مصر. يبدو أنّ وباء الضفادع جلب وراءه وباءً من القمل، الذي تغذّى على جثث الضفادع التي طفت على نهر النيل. ولكن على أية حال، لا يبدو أن القمل كان ظاهرة نادرة في مصر في ذلك العهد.

الذباب: تكونت ضربة الذباب من حشرات عديدة، والتي كما يبدو تغذّت على جثث الضفادع الميتة والأسماك، والطحالب التي ملأت النيل.

الطاعون: كان وباء الطاعون هو أيضًا شائعًا، وكان يتفشّى بواسطة الجرذان، وخصوصا في أوروبا. ومن المحتمل جدّا أن تكون الحشرات الكثيرة التي جاءت إلى مصر في تلك المرحلة، هي التي نقلت مرض الطاعون الذي أدى إلى الموت الجماعي لحيوانات المزارع. أيضًا الضربة السادسة، الدمامل، وهي مرض جلدي مقترن بالجذام، نُقل كما يبدو عن طريق حشرات حملت هذا المرض.

أما الضربات التالية فيمكن تفسيرها، وفقا للباحثين، من خلال حدث واحد، وهو انفجار جبل بركاني حدث في إحدى المناطق المجاورة لمصر، كما يبدو في إحدى جزر اليونان.

إنزال البرد والنار: أثبت العلماء أنّ المناطق التي حدث فيها انفجار بركاني شديد تكون عرضة لتشكّل عواصف رعدية شديدة. وهكذا، فيبدو أنّ الانفجار البركاني قد أدى إلى ظروف جوّية قاسية، والتي انعكست - من بين أمور أخرى - في الهطول البرد الكثيف الذي دمّر حقول الحبوب في مصر. أما بالنسبة إلى إنزال النار فهو لا يزال غامض.

إنزال البرد والنار (Martin John)

إنزال البرد والنار (Martin John)

الجراد: لا تزال ضربة الجراد شائعة في العالم، وفي الشرق الأوسط أيضًا. في شهر آذار عام 2013، حطّت أسراب من الجراد في السودان، مصر وإسرائيل. وقد تكون ضربة الجراد أيضًا نتيجة للتغييرات المناخية المتطرّفة التي حدثت جرّاء الانفجار البركاني، أو نتيجة هطول البرَد؛ فإنّ الهطول الكثيف للأمطار يمكن أن يؤدي بدوره إلى نموّ أسراب الجراد.

الظلام: الهبوط التامّ للظلام على وجه المنطقة لفترة مستمرّة هو ظاهرة من الصعب تفسيرها، ولكن يمكن ربطها هي أيضًا بالانفجار البركاني، حيث من المعروف أنّ تراكم الرماد البركاني في الهواء قد يتسبّب بالظلام، كما حدث بالفعل أيضًا في السنوات الماضية. هناك تفسير آخر كثيرًا ما يُطرح في هذا السياق وهو كسوف شمسي طويل حدث في مصر.

موت الأطفال البكور: وهذه هي الضربة الأكثر صعوبة للتفسير من بين جميع ضربات مصر. وفقا للقصة، فإنّ جميع الأبناء البكور لأسر مصر ماتوا في ليلة واحدة، بينما نجا أبناء اليهود. تحكي التوراة أنّ الله بنفسه انتقل من باب إلى باب، وذبح أبناء المصريين. وقد نجا اليهود لأنّهم حفظوا وصايا الله بأن يضعوا علامة على أبواب بيوتهم بدماء حمَل ضحّوا به لله.

موت الأطفال البكور (Charles Sprague Pearce)

موت الأطفال البكور (Charles Sprague Pearce)

ولكن ما تفسير هذه الضربة؟ يقول العلماء إنّه من الممكن أن أطفال مصر قد ماتوا لأنّهم تناولوا حبوبا ملوّثة، والتي امتلأت بالعفن بعد ضربة الطاعون والجراد. ويقول آخرون إنّ المصريين أنفسهم كانوا هم من قتل أبناءهم البكور وضحّوا بهم لإلههم، لأنّهم اعتقدوا بأنّه هكذا فقط سينجون من الشرور التي حلّت بهم.

ولكن للتلخيص، علينا أن نسأل إذا ما كانت هناك جدوى أصلا لمحاولة الشرح وإيجاد تفسير علمي لهذه القصة القديمة. فإنّ أحد المبادئ المهمّة في عيد الفصح هو الاحتفال بالمعجزة الإلهية في تحرير بني إسرائيل من العبودية. بيت القصيد من هذا العيد هو التأكيد على الحجم الكبير للمعجزة الإلهية التي حدثت لشعب إسرائيل، وتظهر هذه المعجزة مرارا وتكرارا في الكتاب المقدّس عندما يقدّم الله نفسه بالكلمات "أَنَا ٱللهُ رَبُّكَ الَّذِي أَخْرَجْتُكَ مِنْ بَلَدِ مِصْرَ مِنْ بِيتِ عُبُودِيَّةِ لاَ يَكُنْ لَكَ مَعْبُود آخْر مِن دُونِي".