من يتأمل الصحف الإسرائيلية، بعد يوم من توقيع اتفاق النووي التاريخي الذي تم توقيعه بين الدول العُظمى وإيران، قد يعتقد أن اليوم هو يوم حداد وطني، أو أن مأساة، بحجم عملية إرهابية قد قعت وقتلت الكثيرين. عناوين ضخمة، سوداء، على خلفية ألوان تحذير مثل الأصفر والأسود، إلى جانب صور إيرانيين يحتفلون سعداء، كنوع من إظهار الكيد للإسرائيليين.

يبدو أن نهج التخويف، الذي يتبعه نتنياهو، نجح داخليًا، على الأقل، فقط، وتحول تكرار مانترا "الاتفاق سيء وخطير" إلى واقع في الوعي الإسرائيلي.

هاجم نتنياهو، من على صفحات صحيفته "إسرائيل اليوم"؛ التي يُمولها الملياردير الأمريكي الجمهوري شلدون أدلسون، الاتفاق من كل زاوية مُمكنة، وامتلأت الصحيفة بالانتقادات لأوباما، كيري ونظرائهما، وبالتصريحات كارثية، وكأن الاتفاق النووي الذي تم توقيعه البارحة في فيينا هو الذي سيؤدي لإبادة إسرائيل.

غير أنه من خلال مراجعة مُعمقة للتحليلات يظهر واقعٌ أكثر تعقيدًا. لعل العنوان الرئيسي في الصحيفة الأوسع انتشارًا في إسرائيل، "يديعوت أحرونوت"، المعروفة، غالبًا، بمواقفها المُعارضة لنتنياهو، كان "العالم خضع لإيران"، ولم تمتنع التحليلات الرئيسية للصحيفة عن توجيه الانتقادات ضد الأمريكيين؛ الذين لم يذكروا إسرائيل أبدًا في الاتفاق، على الرغم من التأثير المصيري للاتفاق عليها، إلا أنه وبشكل ضمني، يعود الذنب في هذا إلى نتنياهو.

لو أنه قام بالتواصل مع الأمريكيين من خلال توجهات عقلانية، من خلف الكواليس، وطالب بالحفاظ على مصالح إسرائيل في إطار الاتفاق، ولم يبذل كل جهوده لإفشال هذا الاتفاق - بداية من استثمار المليارات في مسألة ترك انطباع بأن إسرائيل مُستعدة لمهاجمة إيران، وصولاً إلى خطابه الدعائي المُستفز في الكونغرس الأمريكي - ربما كان هناك من يمكن أن يسمعه في أمريكا.

جاء أيضًا في التحليلات أن تصرفات نتنياهو قد تؤدي إلى ألا تحصل إسرائيل على "تعويض مناسب" على شكل تمويل وأسلحة من الأمريكيين، على الأقل ليس بالقدر الذي يمكنها الحصول عليه لو أن نتنياهو لم يتصرف وكأن الحديث هو عن صراع يتعلق "بوجود دولة إسرائيل". لم يكن الأمر كذلك، كما جاء في التحليلات. وبدل الاعتراف بفشله ومواجهة تداعيات ذلك باستخدام المنطق، جعل نتنياهو من نفسه ضحية، وبات يقول للإسرائيليين إن الكارثة باتت وشيكة.

بدأت التحليلات في صحيفة "هآرتس"، التي تنتمي إلى الخط اليساري الإسرائيلي والمعروفة بمواقفها المُعارضة لنتنياهو، بعنوان "ليس هناك اتفاق جيد مع إيران"، واتهمت الصحيفة نتنياهو، بشكل أساسي، أنه بسبب نحيبه الدائم بأن "هذا الاتفاق هو اتفاق سيء" خلق وهمًا بأن ذلك الاتفاق ربما يكون جيدًا. جاء في التحليل أنه لا يمكن وجود اتفاق كهذا، ولكن وجود اتفاق متوسط، يُعيق إنتاج إيران للقنبلة النووية، أفضل من عدم وجود اتفاق أبدًا.

"قد يكون التغيير للأسوأ، إنما أيضًا قد يكون إيجابيًا. إيران أقرب إلى الغرب، وهي مليئة بالشركات الأجنبية وتُحاور الولايات المُتحدة الأمر الذي قد يجعل تشكل أقل خطرًا على إسرائيل". في اليوم الذي تنتحب فيه إسرائيل الاتفاق، بقيادة رئيس الحكومة، من النادر والمُنعش إيجاد عبارة كهذه.