تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي البارحة، بصوت معتدل ومتفكر، بهدوء ولطف، بينما هو يجلس ويتحدث مُباشرة، إلى شعبه، خلال "الحديث الشهري"، الثالث من نوعه. كان يُتوقع من كُل زعيم مصري آخر أن يبدأ خطابه بالتوجه للأمة، في هذه الفترة، على خلفية الصراع الطائفي المُستعر في الشرق الأوسط، إنما ليس الرئيس السيسي.

تطرق السيسي إلى حروب تتعلق مباشرة بالمواطن المصري، في الوقت الذي تشتعل فيه في اليمن حربٌ إقليمية بين الائتلاف السني، الذي مصر جزء منه، وبين المتمردين الشيعة هناك، وفي الجارة سوريا تدور روحى الحرب الأهلية المُدمرة المستمرة منذ سنوات؛ والتي تتدخل فيها جهات لبنانية وإيرانية، وتطرق أيضًا إلى انجازات الجيش المصري في سيناء، في تقليص خلايا الإرهاب (وفق أقواله، تم القضاء على 150 إرهابيًّا في الشهر الأخير فقط)، اعتقال الإرهابيين (188 من العناصر الإرهابية المطلوبة) وتدمير 80% من الأنفاق في منطقة رفح، كل هذا بالإضافة إلى عمليات الاعتقال الكثيفة ومصادرة الأسلحة والمتفجرات في نطاق مصر بأكملها.

يُشير بدء السيسي لكلامه بالحديث عن مسألة اجتماعية تحديدًا، وشكره لكل العمال المصريين في شهر ذكرى عيد العمال، ليس فقط إلى أنه مُدرك لاحتياجات الشعب المصري فحسب، الذين تُضيق الأزمة الاقتصادية الحالية على حياتهم، بل أيضًا إلى أنه على تواصل مع ما يحدث وعلى دراية بالتفاعلات الاجتماعية الحاصلة. في الأسبوع الذي انشغلت فيه شبكات التواصل الاجتماعي بالحديث عن الكلام الفظ الذي صرّح به وزير العدل، بأن "ابن عامل النظافة لن يكون قاضيًا"، واستقالته التي جاءت بعد ضغط الرأي العام (تصرف ديمقراطي يستحق الذكر ويُشير إلى تقدم ملموس في الحكم في مصر)، يأتي تطرق السيسي للحديث عن العمال، ببداية خطابه، كشيء هام.

وأيضًا بهذا الخصوص شارك الرئيس الشعب بمحادثاته بخصوص متابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال مؤتمر مصر الاقتصادي، وما تم وضعه من آليات لمتابعة نتائج المؤتمر على مستوى الحكومة والرئاسة ، والعمل على جذب الاستثمارات بالأساس لخلق فرص عمل و تحسين الأحوال المعيشية لمتوسطي ومحدودي الدخل. تطرق الرئيس أيضًا إلى مواضيع تتعلق بالأمور الإدارية، ومسألة الإسكان، وحينها فقط انتقل للتحدث عن العلاقات الخارجية والانجازات الإقليمية.

قد يقول المتهكمون، الذين تابعوا الخطاب البارحة، إن ذلك "مجرد كلام وإن السيسي يقول فقط ما يريد الشعب سماعه". ولكن، هنا تكمن عظمته فعلاً. لا يهم المصري البسيط، الذي يناضل من أجل لقمة عيشه،  ما يحدث الآن في سيناء، بل يهمه كيف يوفر الخبز لبيته. وعندما يتحدث الرئيس إليه مُباشرة، ويقول له - نحن نفعل كل شيء من أجلك، هذا تمامًا ما يُريده، ويجب سماعه. أن هناك من يهتم به.

من سخر أو شكك بمبادرة "الحديث الشهري للشعب"، التي وعد بها السيسي، عليه أن يُراجع نفسه، لأنه كما يبدو الأمر الآن، هذه مبادرة عبقرية. تمامًا ما كان يُريده الشعب المصري. فهو لا يريد سماع شعارات رنانة، ولا استعراضات عسكرية إقليمية من شأنها فقط أن تورط المصريين أكثر بالوحل الموجودة فيه أساسًا. السيسي هو رجل أفعال قبل أن يكون رجل كلام، ويبدو أنه الآن يهتم بما هو هام بالفعل - محاولة إعادة إحياء الاقتصاد المصري والقضايا الداخلية.

من ندب مكانة مصر الضائعة كزعيمة في المنطقة عليه أن يفهم أن السيسي يقوم بالخطوات الأولى لاسترجاع تلك المكانة. يمكن للسيسي، من خلال الحصول على ثقة الجمهور ومؤيديه، وتحسين الاقتصاد المصري، أن يمضي بمصر قُدمًا وحتى أن يُعيدها إلى المسار الآمن بقيادة المنطقة. لو أن بقية زعماء المنطقة انشغلوا بتحسين ظروف مواطنيهم، وليس بحروب الكرامة، لكان الوضع في الشرق الأوسط، على ما يبدو، صار أفضل كثيرًا.