إنّ نجاحات تنظيم الدولة الإسلامية ضدّ الجيش العراقي، وقوات الجيش السوري بل وبعض الوحدات من البشماركة الكردية أدت إلى اختراقه السريع للوعي العالمي. ويتمحور الاهتمام بشكل خاص حول آلاف المقاتلين في التنظيم الذين جاؤوا من أنحاء أوروبا، الولايات المتحدة وتركيا. تم تخصيص اهتمام أقلّ لتحالف التنظيم مع قبائل سنية في العراق وجنوب سوريا. هذه التحالفات هي المفتاح لنجاح التنظيم، لكونها وضعت تحت تصرفه مقاتلين وقادة ذوي خبرة خدموا في جيش صدام حسين العراقي بالإضافة إلى سبيل للحصول على التمويل، التسليح والمتطوّعين من المملكة العربية السعودية. وسندرس أدناه العلاقة بين السعودية والتنظيم، والتي في رأيي هناك شكّ في وصول التنظيم لإنجازاته الأخيرة دونها.

إنّ الإعدامات الجماعية للشيعة، والتدمير الواسع لمساجدهم من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، تتفق تمامًا مع الموقف السعودي

ترتكز الاستراتيجية السعودية لتحقيق الهيمنة في الشرق الأوسط على اعتقادين، الأول: القناعة الراسخة بأنّ الإسلام الوهابي هو وحده الاعتقاد الحقيقي وينبغي أن يكون المذهب الوحيد لجميع المسلمين. الثاني: الشيعة هم أعداء الإسلام ولذلك لا يجوز المساومة معهم. إنّ الإعدامات الجماعية للشيعة، والتدمير الواسع لمساجدهم من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، تتفق تمامًا مع الموقف السعودي. وتعتبر مقولات أبي بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية الذي عيّن نفسه خليفة جديد للأمة الإسلامية، مأخوذة من كتابات المنظّر السعودي ابن القرن الثامن عشر ابن عبد الوهاب، والتي يرتكز عليها أيضًا المذهب الديني في المملكة السعودية. يتم نشر تلك الكتابات وتعليمها في أنحاء الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم. وقد عبّر الكثير من السعوديين مؤخرًا، بما في ذلك مسؤولون حكوميين، عن تأييدهم ودعمهم وفرحهم إزاء المذابح التي تنتهج بحق الشيعة وإزاء احتمال قيام دولة إسلامية سنية - وهابية في سوريا والعراق تقاتل حتى الموت المرتدين الشيعة الذين يسيطرون على دمشق وبغداد، العواصم التاريخية للخلافات الإسلامية الأولى.

قررت وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، عام 2009 أنّ المملكة السعودية بقيت هي المموّل والداعم الرئيسي للتنظيمات الإرهابية كالقاعدة، لشكر طيبة الباكستاني وتنظيمات إرهابية أخرى. وقد كشف ريتشارد ديرلاب، الرئيس السابق للاستخبارات البريطانية (MI6) أن الأمير السعودي بندر بن سلطان، الذي عمل سفيرًا للسعودية في الولايات المتحدة، وأحد رؤساء النظام الأمني السعودي، قال له إنّ "السنة تعبوا من الشيعة. فليساعدهم الله. نحن سنعتني بذلك".

بندر بن سلطان (HASSAN AMMAR / AFP)

بندر بن سلطان (HASSAN AMMAR / AFP)

 

لقد سحب عزل بن سلطان عن منصبه من تنظيم الدولة الراعي الأهم بالنسبة له، واليوم، تكافح السعودية بشكل رسمي التنظيم الذي ساهمت في إنشائه

عمل بن سلطان كثيرًا على تشكيل تحالف ضدّ الشيعة وضدّ إيران في أوساط القبائل السنية في العراق، وحرص خلال عدة سنوت على تمويلهم وتسليحهم كمعارضة مقاتلة للنظام الشيعي في بغداد وراعيه الإيراني. إلى جانب ذلك موّل وشغّل من مصر قناة تلفزيونية فضائية حرّضت تحريضًا كبيرًا ضدّ الشيعة. تمّ عزل بن سلطان من منصبه في بداية عام 2014 وتم إغلاق قناته التلفزيونية في نهاية شهر حزيران الأخير، ولكنه وضع خلال توليه لمنصبه أسس قيام تنظيم الدولة الإسلامية وقوته. وقد جاء عزله بناء على ضغوط أمريكية على النظام السعودي ولكن أيضًا كنتيجة لصراعات القوة الداخلية داخل العائلة السعودية المالكة حول سؤال الوريث المستقبلي للملك عبد الله. وقد خشي معارضو بن سلطان من أن تمنحه مركزيّته في الصراع ضدّ الشيعة دعمًا كبيرًا في أوساط المؤسسة الدينية والنخبة السعودية.

ويبدو أنّ القبائل السنية في العراق ارتبطت بتنظيم الدولة الإسلامية بتعليمات من بن سلطان، وهكذا أصبح التنظيم التهديد الأكبر اليوم على العراق، سوريا والدول التي تحدّها. لقد سحب عزل بن سلطان عن منصبه من تنظيم الدولة الراعي الأهم بالنسبة له، واليوم، تكافح السعودية بشكل رسمي التنظيم الذي ساهمت في إنشائه.

تنظيم الدولة الإسلامية يخدم بشكل جيّد الإرادة السعودية في نشر الإسلام الوهابي، قتال الشيعة وإضعاف مكانة إيران في الشرق الأوسط

ومع ذلك، يقع النظام السعودي في معضلة حقيقية؛ تنظيم الدولة الإسلامية هو الأكثر "نجاعة" من بين جميع التنظيمات الجهادية السنية في الحرب ضد الشيعة وراعيهم الإيراني. وهو بذلك يخدم بشكل جيّد الإرادة السعودية في نشر الإسلام الوهابي، قتال الشيعة وإضعاف مكانة إيران في الشرق الأوسط. ولكن فقدان السيطرة عليه والتأييد الهائل الذي يحظى به زعيم التنظيم في أنحاء الدول العربية والإسلامية يقوّض مطالب العائلة المالكة السعودية في قيادة العالم السني.

بطريقة أو بأخرى، فإنّ انضمام السعودية للتحالف ضدّ التنظيم لا يتناقض مع استمرار دعمها لتنظيمات الجهاد السنية، ما دامت الأخيرة تفهم مصالح الراعي. وكالعادة في الشرق الأوسط، فإنّ الواقعية السياسية تنال الأسبقية على الأيديولوجية والمذهب الديني.

نُشر المقال للمرة الأولى في موقع ‏Can Think