لطالما كانت العلاقة بين الرجُل والسيارة علاقة إعجاب من جانب واحد، لا محبة السيارة لمالكها، بل العكس - فالرجال ببساطة يعشقون السيّارات.

اسألوا أيّ رجل في الشارع ما الذي يثيره في السيارات تنالوا صورة شبه رومنطيقية حول عِشق الكتلة المعدنية التي تهدف إلى نقل الإنسان من نقطة ما إلى نقطة أخرى: "أحبّ التحكُّم في سيّارتي، تسريعها، والتباهي بها. الأثاث الجديد والفاخر في السيارة يؤدي كل شيء بالنسبة لي، فالنساء تحببنَ الرجال ذوي السيارات الجديدة والقويّة. أعشق سرعتها بجنون"، وهكذا دواليك... هذه نبذة فقط من الأوصاف "الرقيقة" التي يمكن أن تسمعوها من رجال يحاولون أن يصفوا عِشق حياتهم: السيّارة.

ولفهم ذلك إلى العُمق: منذ ابتكار الدولاب في القرن التاسع عشر، حاول الجنس القويّ (الرجال) إعادة اكتشاف نفسه. وبدأ ذلك بمركبة خيل، ليستمرّ إلى الدرّاجة الهوائيّة. ثمّ ظهرت أول سيّارة في العالم.

شهد تاريخ السيّارة تطويرات مختلفة، ابتكارات متنوّعة، وتجارب عديدة. اختفى قسمٌ من التطويرات، فيما حسّن القسم الآخر المركبة التجريبيّة. ليست السيّارة نتاج تصميم مبتكِر واحد، بل نتاج اختراعات روّاد كثيرين ساهموا في اتّخاذ السيّارة شكلَها النهائيّ.

منذ عام 1335، حاول عددٌ من الإيطاليين، كجزء من الاستعدادات للحملات الصليبيّة، تحريك عجلة خيل دون حيوانات عبر وَصل مراوِح (بشكل مشابه لأولئك الذين يشغّلون محطة رياح). رسم ليوناردو دا فينشي مخطّطات لعجلة ثلاثية ذات تقنيّة ميكانيكية تعتمد على مقبض توجيه. بقيت تلك الأفكار في إطار الأفكار النظرية لأنّ التقنيات لتطبيقها لم تكن متطوّرة كفاية.

يقدّر المؤرّخون أنّ براءة اختراع بناء المركبة الأولى ذات المحرّك تعود إلى الكاهن البلجيكيّ والفلكيّ فيرديناند فيربيست عام 1678، حين كان يُقيم في الصين ضمن إرساليّة تبشيريّة. ليس واضحًا للباحثين كيف بدت مركبته، لكنّهم يقدّرون، وفق المعلومات التي كانت سائدة في زمنه، أنّ الكاهن وصَل محرّكًا بخاريًّا بدائيًّا بمركبة خَيل.

السيارات الجميلة جذّابة أكثر (Thinkstock)

السيارات الجميلة جذّابة أكثر (Thinkstock)

بُنيت السيّارة الموثّقة الأولى عام 1769 من قِبل العسكريّ الفرنسي الكابتن نيكولا جوزيف كونيو.‎ ‎وصل كونيو بالمركبة الثلاثية العجلات حاوية بخار كبيرة. حملت المركبة أربعة أشخاص، وأُعدّت لنقل الذخيرة. كانت هذه الآلة بسُرعة 2 - 3 كم/ ساعة، وكلّ 20 دقيقة تقريبًا كانت تحتاج إلى رفع ضغط البخار. يمكن نسب الحادثة الأولى إلى هذه السيّارة أيضًا. فقد كانت سيّارة كونيو ثقيلة وغليظة، إذ بلغ وزنها نحو 3600 كيلوغرام، ومنذ رحلتها الأولى البطيئة في شوارع باريس، اصطدمت بحائطٍ وتفكّكت.

مذّاك، أتى مبدِعون ومفكِّرون آخرون، وحاولوا اختبار تقنيّات هندسية أكثر، حتّى اختراع السيّارة الحديثة التي نعرفها اليوم.

أنشأ مصنعَ السيارات الأول عام 1899 نجّاران فرنسيان: رينيه بانهارد وإميل ليفاسو. في السنوات التالية، بُنيت مصانع جديدة في أرجاء أوروبا من قِبل مصنِّعين جُدد، أمثال رينو وفيات، وأُضيفت تحسينات للنماذج الأساسية التي جرى تصميمها في تلك الفترة.

تميّزت صناعة السيارات في أوروبا في بداية طريقها بمصنِّعي سيّارات خصوصيين صنعوا سيّاراتهم التجريبيّة بتركيبٍ فرديّ من الأساس حتّى السقف. لكن وراء المحيط، في الولايات المتحدة، جرت الأمور بشكلٍ مختلف. فجوهر صناعة السيارات الأمريكية لا يكمن في التحديثات والابتكارات تحديدًا، بل بشكل أساسيّ في بدء الإنتاج الجماعي لصناعة السيارات وتحديد المقاييس للسيارات عامّةً.

هنا أيضًا يكمن سرّ علاقة المحبّة الخاصّة التي يكنّها الرجُل لسيّارته. فقد بدأت تنتشر الإعلانات على صفحات الصُّحف وعلى الشاشة الصغيرة في صالة كلّ أسرة أمريكية، رابطةً بين السيّارة والقدرات الجنسيّة للرجُل. لنفهم ما يعني ذلك: إذا كانت للرجل سيّارة في أربعينات أو خمسينات القرن الماضي، فقد كان في القمّة، حُلم كلّ فتاة.

هيفاء وهبي (AFP)

هيفاء وهبي (AFP)

أدركت صناعة الإعلان والتسويق رُوَيدًا رُوَيدًا أنّ السرّ يكمن هنا. فالعلاقة بين الجنسانية والسيّارات تزيد المبيعات وتُكثر الأرباح. "تراها هناك واقفةً، مع فخذَين غالبًا. تضغط على زرٍّ خفيّ، فتُطلق صوتًا فورًا، مستجيبةً لك. تجلس بكلّ ارتياح على الكرسيّ الوثير الذي تقدّمه لك وتقود. زئير يصمّ الأذنَين، ثم تنطلق في طريقك. تقلع حين تشاء، وتتوقف بقوّة حين تشاء. ستطيع دائمًا وتنفّذ أوامرك بحذافيرها، ملبيةً بإذعانٍ جميع شهواتك". ليس هذا وصفًا إباحيًّا، بل نصّ لإعلان سيّارة رياضيّة نُشر يومًا في مجلّة خاصّة بالسيّارات.

من ناحية التطوُّر، تتيح السيّارة للرجل تحقيق حلم الإنسان القديم بالصيد والتحرُّك أسرع. ومن ناحية أنثروبولوجية، حقّقت السيّارة جميع الشهوات الجنسية للرجُل.

قبل بضع سنوات، أُجريت دراسة هدفت إلى تحديد أية أنماط من السائقين يمكن تمييزها بين مالكي السيّارات. في الدراسة، تمّ بوضوح تحديد نمط رجل، بين الثانية والعشرين والخامسة والثلاثين من عُمره، يعتقد بوضوح أنّ السيارات المرغوب فيها تساعده في التعرُّف إلى رفيقات عديدات ومواعدتهنّ.

وإليكم مكوِّنًا آخَر يوضح العلاقة الخاصّة بين الرجُل وسيّارته: السيّارة هي رمز للنجاح وتحقيق الأهداف. فالرجال يتوقون جدًّا إلى السيطرة ووضع الأهداف. وإذا كانت الغاية مكافأة على شكل سيّارة فاخرة، فليس هناك أفضل من ذلك...

لافيراري (Flickr)

لافيراري (Flickr)

خلاصة القول في هذا التقرير هي التجربة المثيرة التي أجرتها شركة صناعة السيارات السويدية "فولفو". فقد كشفت التجربة أنّ تصميم السيارة يثير المشاعر الأعمق. وكانت التجربة دَرَسَت ردود الفعل العصبيّة لدى الرجال والنساء على صُوَر أطفال رقيقين وأفراد من الجنس الآخَر، بالمقارنة مع صُوَر سيّارات.

والاستنتاج: كان ردّ الفعل العاطفي للرجال حين عُرضت عليهم صورة سيّارة جميلة أقوى من ردّ فعلهم لدى عرض صورة طفل رضيع. أجرى الاختبارَ علماءُ استعانوا بمحاكاة مخطّط كهربية الدماغ - التي تزوّد تقييمًا للنشاط الكهربائي في مناطق مختلفة من الدماغ. تتيح هذه المحاكاة تقدير أي جزء في الدماغ يعمل - إذ إنّ لكل قسمٍ وظيفة مختلفة في منظومة مشاعرنا. تبيّن في الاختبار أنّ 74% من الرجال أكّدوا أنّ تصميم السيّارة الجيّد يجعلهم يشعرون جيّدًا، فيما قال 60% إنّ قيادة سيّارة جميلة تؤدي إلى الشعور بالثقة والقوّة. وذلك بتبايُنٍ واضحٍ مع النساء، اللواتي صنّفت 33% منهنّ فقط صورة سيّارة فوق صورة رجل وسيم.