من وجهة نظر بيئية وجغرافية، فإنّ جذور المشاكل في سوريا كامنة في أزمة المياه. وبناء على ذلك، فإنّ كل محاولة لحل الأزمة في سوريا يجب أن تبدأ بإقامة مصانع لتحلية المياه. لن يجلب المزيد من الدبابات دواءً للمنطقة، وإنما الماء. ببساطة، الماء.

إن ظاهرة تيار اللاجئين السوريين التي تجتاح أوروبا تنبع، بحسب محلّلين، من صراعات دينية، اجتماعية وطائفية - ولكن في الواقع فإنّ جذورها كامنة في نقص المياه، والذي أدى إلى الهجرة الجماعية للمزارعين الفقراء إلى المدن. أدّت هذه الهجرة إلى ضغوط ديمغرافية واقتصادية على المدن، وزاد النظام، الذي أهمل حل المشكلة منذ البداية، من حدة الوضع عندما ردّ بوحشية على الاحتجاجات الجماعية التي اندلعت في مدينة درعا. دمّرت الموجات الصادمة للاحتجاجات الدموية سوريا من الداخل ووصلت إلى أوروبا وما ورائها، ويقف العالم متعجّبا ومندهشا.

كانت بداية أزمة المياه في سوريا في خطة حافظ الأسد، في الستينيات، والتي تهدف إلى توسيع حقول القمح في البلاد، لتلبي المحاصيل جميع متطلّبات السكان، بل لتتيح التصدير. بدءًا من السبعينيات انتشرت حقول القمح في سوريا ووصلت إلى المناطق الحدودية مع تربة اللوس بل وإلى المناطق الصحراوية. تم ريّ نحو نصف الحقول بواسطة نهر الفرات، والآبار التي وافقت الحكومة على حفرها. خلال فترة قصيرة، وفرت سوريا احتياجاتها الذاتية للقمح، بل وبقي لديها احتياطي. وسوى القمح، بدأوا بزراعة القطن المتعطّش للمياه أيضا. ولكن أعاقت المشاكل التي أنشأها الإنسان، بالإضافة إلى العقبات التي فرضتها الطبيعة، هذه الخطط بشدّة.

في حزيران عام 1990، التقيتُ في ورشة ببرلين بخبيرة مياه من سوريا. أخبرتني أنّه منذ ذلك الحين، بعد أقل من عشرين عاما منذ بداية الخطة، انخفض منسوب المياه الجوفية إلى مستوى أدى إلى زيادة ملوحة المياه في الآبار وغالبا إلى تلوّثها أيضًا، من ثم لم تعد مناسبة للاستخدام. عانت سوريا من أزمة مياه شديدة، ولم تنجح الحكومة في معالجة المشكلة، وتم إهمال الحقول لذلك هاجر المزارعون وأسرهم إلى المدن، والتي انخفض منسوب المياه الجوفية فيها أيضًا إلى مستوى يشكل خطورة على استخدامها. بدت تلك الخبيرة قلقة جدا، ولا سيما، بسبب عجز الحكومة. ومنذ ذلك الحين اشتدت الأزمة، وواجهتها حكومة الأسد الابن بلا حول ولا قوة.

إنّ مشكلة المياه في الشرق الأوسط معروفة. في البلاد التي بُوركت بالأنهار العظيمة أقيمت السدود العملاقة التي مجّدت أسماء كبار شخصيات الشعب، من أجل تجميع كميات كبيرة من المياه لأغراض توليد الطاقة والريّ. في السبعينيات أقيم في سوريا سدّ على الفرات وخزان مياه على اسم الأسد إلى جانبه، وفي الثمانينيات، بدأت تركيا بإقامة سدّ على اسم أتاتورك، وهو واحد من 22 سدّا على الفرات ودجلة، واللذين ينبعان من تركيا ويمرّان من خلال سوريا والعراق في طريقهما إلى الخليج العربي. وسرعان ما خزّنت تركيا نحو نصف كمية المياه التي تدفقت في الفرات والتي كانت تصل حتى ذلك الحين إلى سوريا. كلما قلّت نسبة المياه في الفرات السوري، ازداد حفر الآبار غير القانونية، مما أدى إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية، والذي أدى إلى تلوثها وإخراجها عن الاستخدام.

ويضاف إلى جميع ذلك عملية الاحتباس الحراري والتصحّر. وقد زادت من حدّة مشكلة المياه سنوات من الجفاف، ولا سيما، في السنوات الثلاث منذ عام 2008. لقد اضطرت سوريا، التي وفّرت جميع احتياجاتها الذاتية من القمح، منذ ذلك العام، إلى استيراد القمح. ولأنّ النظام لم يساعد المزارعين، فقد اضطروا، كما ذُكر آنفًا، إلى النزوح للمدن. وإذا كان نحو ثلثي السكان في السبعينيات قد اشتغلوا في الزراعة، ففي سنوات الألفين انخفضت أعدادهم إلى أقل من الربع. هاجر الملايين - من بين مجموع سكان يصل إلى نحو 20 مليون مواطن - إلى المدن، التي لم تتحمل العبء.

اندلعت الاضطرابات في درعا، والتي عاش فيها نحو 100 ألف مواطن ويبدو أنّ نحو الثلث منهم مهاجرون، في آذار عام 2011. وبدلا من محاولة حلّ المشكلة، ردّ النظام العلوي بصرامة. لقد أدى قتل المتظاهرين إلى انتشار الغضب في جميع البلاد، والباقي هو تاريخ حرب ذات طابع ديني، طائفي، اجتماعي، وبشكل أساسي وحشي.

من الناحية الجيو-استراتيجية من المهم أن ندرك، أنّ الحرب في سوريا، مع جميع آثارها الوطنية والدولية، هي نتيجة أزمة معروفة مسبقا نضجت على نار هادئة على مدى عشرات السنين، ولم يحرص أحد على إيقافها. كانت تكنولوجيا تحلية المياه معروفة، بالإضافة إلى التكنولوجيا المطلوبة لنقل المياه من شاطئ البحر المتوسّط إلى الأراضي الزراعية الجرداء. إن عجز الإنسان، سواء وطنيا أو دوليا، هو الذي جلب هذه الكارثة، التي تجاوزت آثارها حدود البلاد التي اندلعت فيها. وينبغي أن تكون يد الإنسان هي التي تصحح هذا الوضع.

من المهم أن ندرك، أنّ الحرب والهجرة في أعقاب أزمة المياه في سوريا هي مجرد مقدمة لحروب وموجات هجرة متوقعة في أعقاب أزمات المياه بأحجام مروعة، والتي ستؤثر على البشرية في الأجيال القادمة، في حال استمرار الاحتباس الحراري وفق الوتيرة الحالية. إن ذوبان الثلوج والأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا، على سبيل المثال، قد يؤثر على تدفّق أنهار الغانج، البراهمابوترا والأراوادوي، والتي يعيش على طولها اليوم ما يقارب ملياري إنسان. ومن هنا تنبع الأهمية العاجلة للمعالجة الدولية الشاملة والطارئة لمشكلة الاحتباس الحراري. ومن الواضح أنّه بموجب ما هو متوقع، فإنّ مصانع تحلية المياه لن توفّر حلّا. ومن الواضح أيضًا أنه لا ينبغي علينا أن نصرف أوجهنا جانبا وأن نتصرف كما لو كانت المشكلة لا تقف على عتبة الإنسانية جميعها.

الكاتبة، الجغرافية وعالمة البيئة في تخصصها، أسست وحدة جودة البيئة في وزارة البنى التحتيّة الوطنية، وترأستها. وتملك اليوم مكتب استشارات في قضايا جودة البيئة

ظهر هذا المقال للمرة الأولى في صحيفة "هآرتس"