في بداية شهر أيلول عام 2007 أقلعت باتجاه المفاعل النووي في سوريا عشر طائرات F-15 تابعة لسلاح الجوّ الإسرائيلي وهي مزوّدة بقنابل ثقيلة. أشارت الصحيفة الألمانية "دير شبيغل" التي وصفت العملية باسم "بستان" إلى أنّ الطائرات حيّدتْ محطّة رادار سورية ووصلت إلى الهدف بعد 18 دقيقة. تم تفجير الموقع وتدميره بقنابل كانت قويّة جدًّا بحيث دمّرت أكثر ممّا هو ضروريّ". من غير المعروف كم تتّصل هذه المقالة بالواقع، ولكن ما هو واضح حقّا أنّه قد سبق الهجمة نشاط استخباراتي واسع أجريَ في ممرّات الوحدة 9900 المسؤولة عن أقمار التجسّس الصناعية التابعة لدولة إسرائيل.

لم تكن "عملية بستان" هي الوحيدة، وتقريبًا ليست هناك عملية عسكرية، قريبة أو بعيدة، دون أن يكون فيها تعاون كامل مع وحدة الأقمار الصناعية. إنّ حقيقة أنّ حجم عمليات وحدة الأقمار الصناعية قد زاد مؤخرًا بما لا يقلّ عن 200% تشير إلى المشاركة الكبيرة لوحدة الأقمار الصناعية في عمليات جميع قوات سلاح الجيش الإسرائيلي، البحرية والجوّية والبرّية. قوات سلاح الجيش هي المسؤولة في الواقع عن بناء بنك أهداف وعن مجموعة متنوعة من النشاطات الأخرى الممنوعة من النشر.

القوى العظمى الفضائية تتشكّل

تعتبر دولة إسرائيل قوة عظمى في مجال الأقمار الصناعية. وهي تشغّل اليوم على الأقلّ ستّة أقمار تجسّس صناعية، وهذا إضافة إلى سرب دوريات جوّية أخرى والعديد من الوسائل الأخرى. في بداية الشهر (نيسان 2014) انضمّ للمجموعة القمر الصناعي "أوفيك 10". فقد أجري الإطلاق باستخدام قاذفة أقمار صناعية من نوع "شافيت"، من قاعدة سلاح الجوّ في مركز البلاد.

ووفقًا لرسالة الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي: "القمر الصناعي "أوفيك 10" هو قمر صناعي للمراقبة يستند إلى رادارية الأقمار الصناعية (‏SAR‏)، مع قدرات متقدّمة للتصوير نهارًا وليلا، وفي جميع الأحوال الجوّية.
كان القمران الصناعيَان اللذان أطلقتهما إسرائيل في الواقع منصّات تجريبية وآباء لطابور طويل من الأقمار الصناعية التي أطلقتها دولة إسرائيل إلى الفضاء الخارجي. بدأ مجال الأقمار الصناعية في دولة إسرائيل خلال السبعينات، وتأسست في بداية الثمانينات وكالة الفضاء الإسرائيلية. حينها بدأ أيضًا تطوير شافيت، وهو الصاروخ الذي يتم بواسطته إطلاق الأقمار الصناعية الإسرائيلية للفضاء. إنّه الصاروخ الوحيد الذي يطلق الأقمار الصناعية نحو الغرب من أجل تجنّب سقوط الحطام على أماكن مأهولة بالسكان أو سقوطه في دول معادية في حالة الفشل. الصاروخ قادر على حمل أقمار صناعية بوزن 290 حتى 350 كيلوغرامًا، وقد تمّ إطلاق جميع أقمار أوفيك بواسطته.

انضمّت إسرائيل بشكلٍ رسمي إلى نادي الفضاء مع إطلاقها للقمر الصناعي "أوفيك 1" في أيلول عام 1988 (Flash90)

انضمّت إسرائيل بشكلٍ رسمي إلى نادي الفضاء مع إطلاقها للقمر الصناعي "أوفيك 1" في أيلول عام 1988 (Flash90)

تعتبر إسرائيل واحدة من مجموعة مقلّصة من ثماني دول قامت بإطلاق أقمار صناعية للفضاء حتى الآن (من بينها: الاتحاد السوفياتي، الولايات المتحدة، فرنسا، اليابان والصين). وقد انضمّت بشكلٍ رسمي إلى نادي الفضاء مع إطلاقها للقمر الصناعي "أوفيك 1" في أيلول عام 1988، بعد أكثر من عقد من الأبحاث. لم يكن الاستثمار في المجال مفهومًا ضمنًا. واليوم، يدعو سلاح الجو الإسرائيلي نفسه رسميّا "فرع الطيران والفضاء"، رغم أنّ سلاح الجو عارض في الثمانينات من القرن الفائت تحويل ميزانيات لاقتناء الطائرات لصالح الحصول على الأقمار الصناعية.

تم تطوير الأقمار الصناعية "أوفيك 1" و"أوفيك 2"، الذي تم إطلاقه فيما بعد، بشكل أساسي لأغراض التجربة وإثبات قدرة إسرائيل في مجال الفضاء. ومنذ إطلاق الأقمار الصناعية الأولى، فقد واجهت إسرائيل مشكلة فريدة من نوعها: عليها تنفيذ الإطلاق إلى الجانب الغربي، عكس اتجاه حركة الكرة الأرضية، حيث توجد في الشرق دول عربية، وهناك خوف من إيذاء سكّانها في حالة فشل الإطلاق. تتمّ عمليات الإطلاق من قاعدة بالماخيم على ساحل البحر المتوسّط (جنوب مدينة ريشون لتسيون). أنهى "أوفيك 1" و"أوفيك 2" طريقهما من مدّة، ولكن تسبح في الفضاء الآن أقمار صناعية إسرائيلية أخرى. إن الأقمار الأكثر أهمية من بينها، من الناحية العسكرية، هي الأقمار من سلسلة "أوفيك"، المصمّمة للمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية.

في نيسان عام 1995 تمّ إطلاق القمر الصناعي أوفيك 3 للفضاء، وهو أول قمر بدأ بالتصوير وتوفير المعلومات الاستخباراتية للجيش الإسرائيلي ولسائر فروع المنظومة الأمنية الإسرائيلية. من المحتمل جدّا أنّه كان أحد أهم أهدافه هو البرنامج النووي الإيراني. وبشأن نجاح تجارب النماذج الأولى، فقد تم تركيب 3 وسائل تصوير وحواسيب متقدّمة جدّا، بالنسبة لتلك الفترة، على أوفيك 3. كان هناك تطوير كبير آخر وهو أجنحة طاقة شمسية وفّرت له مصدرًا للطاقة.

دار أوفيك 3 حول الكرة الأرضية كلّ 90 دقيقة على ارتفاع 450 كيلومترًا، وهو ارتفاع منخفض نسبيًّا. وقد طار بالتوازي مع خطّ الاستواء، وعلى الأرجح فوق الشرق الأوسط حيث يزور كلّ نقطة مرة كل ثلاثة أيام. بعد خمس سنوات من العمل، انقطع فجأة الاتصال مع أوفيك 3. مع فقدان الاتصال كان هناك خوف حقيقي من ضرب القدرة الاستراتيجية لإسرائيل والقدرة الاستخباراتية. لكن حقيقة أنّ إسرائيل بذلت الجهود الكبيرة وأطالت عمره من ثلاث سنوات إلى نحو ستّ تدلّ على مساهمته الكبيرة للاستخبارات العسكرية. حتى ذلك الحين، أوائل سنوات 2000، كان هناك استخدام كبير لصور القمر الصناعي وكنتيجة لفقدان الاتصال معه، اضطرّت إسرائيل إلى الاعتماد على بيانات واردة من شركات أجنبية والتي شغّلت أقمار صناعية تجارية.

صاروخ الشافيت الإسرائيلي (Tsahi Ben-Ami / Flash 90)

صاروخ الشافيت الإسرائيلي (Tsahi Ben-Ami / Flash 90)

قبل عامين من فقدان الاتصال مع أوفيك 3، في كانون الثاني عام 1998، أطلقت إسرائيل أوفيك 4 للفضاء. وقد كان يهدف إلى تحسين القدرات التجسّسية لإسرائيل من الفضاء، واستكمال صورة أوفيك 3، ولكن هذه المرة لم يمض الأمر كما هو متوقّع وتلقّت صناعة الأقمار الصناعية الإسرائيلية ضربة مؤلمة، استخباراتيًّا واقتصاديًا.

بسبب ما يبدو حتى اليوم عطلا فنّيًّا، بدلا من أن يرتفع للفضاء، هوى أوفيك 4 إلى مياه البحر المتوسّط. ولسوء حظّ قادة برنامج الفضاء، فهذا ما حدث أيضًا للقمر الصناعي أوفيك 6 في أيلول عام 2004. بسبب عطل في الاشتعال في صاروخ شافيت، هوى أوفيك 6 هو أيضًا إلى مياه البحر.

كانت محاولة الإطلاق التالية لقمر صناعي للفضاء في أيار عام 2002، حيث أطلق للفضاء القمر الصناعي أوفيك 5، والذي أعاد وحدة الأقمار الصناعية التابعة للجيش لسابق عهدها. "أوفيك 5" هو قمر صناعي خفيف الوزن يدور حول الكرة الأرضية على ارتفاع منخفض يتحرّك بين 400 إلى 600 كيلومتر. المعدّات الرئيسية التي يحملها أوفيك 5 هي كاميرا تلسكوبية مصنّعة في الشركة الإسرائيلية لتطوير النظم العسكرية؛ إلبيت. بالإضافة إلى ذلك، فيه أجهزة استشعار متطوّرة يمكنها العمل أيضًا في حالة طقس إشكالية، وتسمح - مع الكاميرا - برصد التحرّكات العسكرية في المنطقة. لم تتم إتاحة نشر بيانات القمر الصناعي الذي تبلغ قيمته 60 مليون دولار إطلاقًا، ولكن يقدّر الخبراء أنّ لديه قدرة على أن يعكس صورة عالية الدقّة لأجسام بحجم نحو نصف متر.

أقمار صناعية (Thinkstock)

أقمار صناعية (Thinkstock)

كان الإطلاق الذي تلاه في حزيران عام 2007، حيث تم إطلاق أوفيك 7 بنجاح إلى الفضاء وانضمّ إلى أوفيك 5. وهو يكمّل الدوران حول الأرض كلّ 90 دقيقة على ارتفاع يتراوح بين 300 إلى 600 كيلومتر. وبالطبع هنا أيضًا ليس هناك الكثير من البيانات، ولكن تشير التقديرات إلى أنّه قادر على مراقبة أجسام يصل حجمها إلى 60 - 70 سنتيمترًا.

في كانون الثاني عام 2008 أطلقت دولة إسرائيل "أوفيك 8". مبدئيًّا، لا يعتبر أوفيك جزءًا من سلسلة الأقمار الصناعية بشكل أساسيّ لأنّ تكنولوجيا المراقبة فيه مختلفة. يبني هذا القمر الصناعي صورته بواسطة رادار. ميزته الكبيرة هي أنّه خفيف الوزن وقادر على إنتاج صور ثلاثية الأبعاد بدقّة عالية جدّا دون أن تؤثّر عليه حالة الطقس أو النهار والليل. في حزيران عام 2010 انضمّ إلى المجموعة في الفضاء أوفيك 9. تستطيع منظومته تمييز أجسام يصل حجمها إلى نحو نصف متر، وبالإضافة إلى ذلك، لديه القدرة على التقاط صور بوتيرة أسرع.

يتراوح العمر الافتراضي للقمر الصناعي بين أربع إلى خمس سنوات، حيث تعمل المنظومة الأمنية الإسرائيلية على إطالة عمر الأقمار بما لا يقلّ عن عامين. ولهذا السبب تعمل المنظومة الأمنية على إطلاق قمر صناعي كلّ عامين ونصف، كما يحدث في الواقع وذلك لتلبية الاحتياجات الاستخباراتية للجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية المختلفة.

وحدة 9900: ينظرون إلى غرف نوم العدوّ

سفينة التهريب "كوس سي"، هجمة سلاح الجوّ التي كانت أو التي لم تكن في سوريا والسودان وحتى هجمات الجيش الإسرائيلي في غزة؛ جميعها عمليات شهيرة للجيش الإسرائيلي، والتي تمّ تنفيذها جنبًا إلى جنب مع العمليات التي لم يتم نشرها بفضل معلومات استخباراتية هامة تم تلقّيها من مخبأ سرّي ومتطوّر. من نفس الثكنة التي تقع في مكان ما، يُشرف جنود شباب على أقمار التجسّس الصناعية التابعة لدولة إسرائيل، تلك التي تطوف حول الكرة الأرضية، توثّق كلّ الشرق الأوسط وتنظر إلى غرفة نوم العدوّ. ما يحدث وراء جدران الثكنات بعيد عن الأعيُن ويمكن فقط تخيّله، ولكن حقيقة أنّه في السنوات الأخيرة قد زاد نشاط وحدة الأقمار الصناعية بنسبة 200% تشير إلى المشاركة الكبيرة لها في نشاطات الجيش كافة بما فيها نشاطات القوّات الجوّية والبحرية والبرّية. هذه القوات هي المسؤولة في الواقع عن بناء بنك أهداف وعن مجموعة متنوعة من النشاطات الأخرى الممنوعة من النشر.

وحدة الأقمار الصناعية هي فرع في الوحدة 9900. وهي وحدة تسمّى "أعيُن دولة إسرائيل"، وتشمل إلى جانب المراقبين للفضاء دوريات الطيران واستخبارات سلاح الجوّ، من يفكّ تشفير الصور الجوّية، وحدات رسم الخرائط ومحلّلي الجغرافية البصرية، المنتمين إلى سلاح الاستخبارات، المسؤولين عن الأبحاث والمعلومات الجغرافية، ابتداء من وصول المعلومات، معالجتها، وإعداد الاستنتاجات الاستخباراتية.

وتسيّطر غرفة حربية سرّية تابعة للوحدة 9900 على الأقمار الصناعية وفيها عشرات الشاشات وأجهزة الكمبيوتر المتطوّرة. يشغلها جنود شباب (في سنّ 18) يتحكّمون بمنظومة تقدّر قيمتها بملايين الدولارات. يقومون بذلك بعد اجتياز دورة تستمر - وفقًا لموقع سلاح الاستخبارات - لأربعة شهور. وبطبيعة الحال هناك أيضًا دورات تكميلية أكثر تقدّمًا. ليس هذا أمرا مفهومًا ضمنًا حيث إنّ في دول الخارج يشغّل الأجهزة والأقمار الصناعية جنود أو وكلاء كبار وغالبًا ما يكون بحوزتهم لقب جامعي ذو صلة في مجال الهندسة.

لقد حقّقت الوحدة 9900 قفزة كبيرة في بداية سنوات 2000، ولكن على مرّ السنين تمّ التركيز على الأهداف الاستراتيجية، مثل البرنامج النووي الإيراني، وجاء ذلك على حساب الأهداف التكتيكية، على سبيل المثال: أين يقيم العدوّ ثكناته السرّية وكم عددها.

انفجرت هذه الفقاعة في حرب لبنان الثانية، حين دخل الجيش الإسرائيلي إلى أراضي تشكّل بالنسبة له حفرة استخباراتية مظلمة. وقد أدّى ذلك إلى مناقشة عميقة في وحدة الأقمار الصناعية. أدركت قيادات العمليات وجود الإهمال واستنتجت الدروس اللازمة.