كان مشهد انسحاب مقاتلي البشمركة المتألقين في الأسبوع الماضي صعبًا على التحمل من قبل الأكراد في شمال العراق ومن قبل دول كثيرة في المنطقة أحسّت، حتى مدة قصيرة، أن مقاتلي البشمركة هؤلاء هم من سيمنع تقدم مقاتلي "الدولة الإسلامية" (داعش سابقًا). لقد كانت البشمركة لمدة عشرات السنوات القوة التي يمكن الاعتماد عليها لضمان سلامة الإقليم الكردي شمال العراق ولحفظ حلمهم في الحكم الذاتي.

في نهاية أسبوع مهين، تقهقرت القوات الكردية إلى أربيل على يد العدو الذي يركز انتباهه وسلاحه ضد كل ما يملكه الأكراد- ما نجحوا في بنائه خلال عشر السنوات من الحرب ضدّ صدام حسين، في غزو الولايات المتحدة للعراق، وفي ثماني سنوات من الخصومة مع الحكومة المركزية في العراق.

علم اقليم كردستان في العراق في منطقة بعشيقة بالقرب من الموصل (AFP)

علم اقليم كردستان في العراق في منطقة بعشيقة بالقرب من الموصل (AFP)

منذ أن بدأت قوات "الدولة الإسلامية" بمحاولات الهجوم على أربيل في 3 من آب هذه السنة، يُجري الأكراد محاسبة للنفس. تعتقد بعض الجهات أن بعضًا من وحدات البشمركة تعتمد على أكاليل الغار القديمة بدلا من قدراتها الحالية. يخاف بعضهم من أن القوة العسكرية الأكثر إثارة للإعجاب في العراق قد استنفذت أقصى ما بوسعها في محاولتها لقتال الجهاديين على طول الجبهة التي يصل طولها لألف كيلومتر. وهنالك من يدعي أن "الساعين وراء الموت"، وهو لقب مقاتلي البشمركة الأكراد، يقاتلون بطرق قتال قديمة، وغير مستجدة وبمعدّات عسكرية عتيقة.

أزالت إرسالية السلاح التي نُقلت إليهم هذا الأسبوع من الولايات المتحدة المخاوف الحالية من النقص في المعدّات الخفيفة، لكن البنادق والرصاص الجديد التي حصلوا عليها لم تستطع مجابهة السلاح الثقيل الذي يحمله المتمردون السنة المتطرفون. وهو سلاح زوّدته الولايات المتحدة للجيش العراقي الجديد على مدى تسع سنوات الاحتلال الأمريكي.

والآن، بعد أن رسمنا الصورة العامة سنحاول فهم من هم في الحقيقة مقاتلو البشمركة وهل هم حقا يقدرون على صد القوات الإسلامية السنية الجديدة التي تهدد وجود العراق كدولة موحّدة وتهدد منطقة الهلال الخصيب كلها:

1. لقوات البشمركة تاريخ ملطخ بالدماء في العراق في الطريق نحو الحصول على استقلال ذاتي حكومي وسياسي في إقليم كردستان شمال العراق. تشَكّل الجيش الكردي في سنوات العشرين من القرن الماضي، بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الكوجارية في المنطقة.

2. حسب تقديرات إجمالية، والتي تنشرها من حين لحين جهات استخبارية هنا وهناك، يتراوح عدد مقاتلي البشمركة بين 80000 و 240000 ألف مقاتل. هذا الرقم المقدّر، أكبر بكثير من عدد مقاتلي الدولة الإسلامية الذين يقاتلون لإعادة الحكم السني للعراق. المشكلة حسب تقديرات الجهات الاستخبارية العربية، هي أن عتاد البشمركة العسكري قديم، سوفييتي بالأساس. أرسلت الولايات المتحدة هذا الأسبوع سلاحًا حديثًا أكثر لمقاتلي البشمركة لتعزيز قوتهم للمواجهة في الجولة القتالية القادمة أمام مقاتلي الدولة الإسلامية.

مقاتلو بشمركة في منطقة بعشيقة بالقرب من الموصل (AFP)

مقاتلو بشمركة في منطقة بعشيقة بالقرب من الموصل (AFP)

3. إحدى المشاكل المركزية في جيش البشمركة هي عملية التسييس العميقة التي اجتازتها الوحدات المختلفة في الجيش. لقد كانت هذه العملية متأثرة فيما تأثرت به من التقسيم الواضح بين عائلتي الحكم في كردستان. اليوم، هنالك قوتان سياسيتان مركزيتان في كردستان: الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK). تسيطر على هذين الحزبين عائلتان كبيرتان مركزيتان: عائلة برزاني (KDP) وعائلة طالباني (PUK).

يسيطر الحزبان أيضًا على مناطق مختلفة في كردستان: KDP يتمركز في الشمال، PUK يتمركز في الجنوب. هذا التقسيم يؤثر تأثيرًا هائلا على القيادة العسكرية والاستعداد للتهديدات الخارجية. لقد أثر الانقسام السياسي على قوات البشمركة إلى أن وصل الأمر بهم في سنوات التسعين إلى أن يطلق بعض القوات النار على البعض الآخر. بل وفي سنة 1996 طلبت عائلة برزاني مساعدة صدام حسين في إقصاء العدو السياسي PUK من أربيل. إن التوحد اليوم بين القوتين السياستين تكتيكي فقط ويساعد الأكراد على انفصالهم السياسي العسكري عن باقي أقاليم العراق.

4. في الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، اشترك جنود البشمركة اشتراكًا جوهريًّا في مهمة إسقاط نظام الدكتاتور، صدام حسين، وفي الإمساك به لاحقًا على يد الأمريكيين. بل وساهموا في الجهود الأمريكية لتعقب مكان أسامة بن لادن وفي 2004 ساهموا في القبض على "ناقل الرسائل" الرئيسي لابن لادن، حسن غول. لقد أدى القبض على حسن غول إلى فاتحة في ملاحقة ابن لادن الذي اغتيل في 2011 بمدينة أبوت آباد، باكستان.

5. يتألف أغلب الجيش الكردي الرسمي لإقليم كردستان العراقي اليوم من مقاتلي البشمركة. تتكون معدّاتهم الحربية، حتى تسلحهم المؤخر، بالأساس من عتاد سوفييتي عتيق: بنادق كلاشينكوف، آلات إطلاق سوفييتية خفيفة من نوع RPK (مخزن رصاص 7.62 مم* 39 مم)، وآلات إطلاق نار سوفييتية ثقيلة من نوع DShK (مخزن 12.7*108 مم). بفضل الغزو الأمريكي للعراق، كان من نصيبهم بعض آلاف المركبات العسكرية (2000 مركبة)، التي كانت تابعة للجيش العراقي لصدام حسين. من ضمنها، مئات الدبابات السوفييتية الخفيفة من نوع PT-76 وطرازات محسّنة من نفس الدبابة من نوع T-55/54.

تعرض التقديرات التي بحسبها أنقذت الهجمات الجوية الأمريكية أربيل على المدى القصير، كحقيقة واقعة في أوساط جهات كردية كثيرة، الذين يرتجفون من مجرد التفكير أن مقاتلي "الدولة الإسلامية" كانوا قريبين كل هذا القرب من السيطرة على المدينة وعلى حقول النفط المتاخمة لها.

حاليًّا يراهن الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة مراهنة كبيرة على قدرة البشمركة في تشكيل حاجز إنساني سيمنع استمرار انتشار مقاتلي الدولة الإسلامية. وهم مقاتلون قد نجحوا في التزوّد بقسم كبير من السلاح الذي تركه الجنود العراقيون في المعارك الأولى ضدّهم في حزيران من هذه السنة، وهو سلاح جديد أعطته الولايات المتحدة للجيش العراقي، وفيه دبابات، سيارات جيب ثقيلة، مضادات للدبابات وسلاح مدفعية.