عرضنا أمامكم في الأسابيع الماضية بعض الإصدارات التي قام بأدائها فنّانون إسرائيليّون تعريفا بطابع وأعمال ملكة الغناء العربي، أم كلثوم. حجم الانشغال بها وبأغنياتها لدى الموسيقيّين في إسرائيل قد يقودكم إلى الاعتقاد بأنّنا، في إسرائيل، نعرفها هي فقط. وبالضبط من أجل اجتناب مثل هذه الاتّهامات، وبالطبع من باب التقدير الكبير، قرّرنا تكريم المطرب والعازف الرائع والممثّل العظيم، الذي استمع لأغانيه أجيال من الإسرائيليين وحرصوا على مشاهدة أفلامه، وهو فريد الأطرش.

قبل أن نبدأ، أنتم مدعوّون للنقر والاستمتاع؛ فريد الأطرش يغنّي "النورة النورة":

ولد الأطرش في سوريا عام 1910 لعائلة درزية. هربت عائلته في شبابه من الاحتلال الفرنسي، وغادرت إلى مصر. وقد تلقى في البيت الاهتمام بالموسيقى، وذلك بفضل والدته التي غنّت وعزفت على العود، وفي أيام دراسته بالمدرسة برز بغنائه. درس في أكاديمية الموسيقى، وتعلم التدوين عند الملحّن الشهير رياض السنباطي، غنّى في محطات إذاعية خاصّة واستُخدم كعازف أيضًا (ثمّ بعد ذلك كمطرب أيضًا) في محطّة الإذاعة الرسمية في مصر.

وباصطلاح اليوم، فقد كان موهبة تقريبا خرافية. وربّما يفسّر اتّساع نطاق نشاطه، وحقيقة تفوّقه في العديد من المجالات المتعلّقة بالموسيقى؛ كيف أصبح نجمًا كبيرًا في إسرائيل أيضًا، والتي لم تقم معها دولته أيّة علاقات من أيّ نوع طوال فتره نشاطه. وكما سترون في التالي، فإنّ نفوذه الكبير لا يعتمد على الإصدارات ويمر في مجالات متعدّدة. من الصعب الجدل مع الإنترنت، وقد كشفت لنا عمليات البحث العميقة والواسعة عالمًا مكتملا وغنيّا من الأغاني المبنية على ألحانه، وقد حظيت الإشارات لألحانه بقيمتها كثقافة شعبية وكذلك أعمال الحبّ التي كتبها. رغم ما ذكر أعلاه فهناك العديد من الإصدارات الخاصة والمؤثرة والتي سوف نعرضها. ونبدأ مع من اعتبر ملك الطرب المتوسّطي في إسرائيل: زوهار أرجوف.

زوهار أرجوف في تسجيل نادر لسلسلة من أغاني فريد الأطرش، بما فيها "ساعة بيئور"، مهيّج القلوب:

هناك إصدارات تعرض جودة صوت مفضّلة، ولكن هذا المقطع بالذات يعرض حقيقة مهمّة جدّا: على مدى عقود طويلة، وفي دوائر معيّنة في أيامنا نحن أيضًا؛ لم يكن هناك مطرب (ولا مطربة) الذين أنهوا ظهورهم دون أن يؤدّوا سلسلة واحدة من أغاني الرومانسي العبقري، على أقلّ تقدير! وحتى لو أرادوا فعل ذلك، لم يسمح لهم الجمهور ببساطة، ويطلب بأن يظهروا ويغنّوا من جديد.

استمر الأطرش في الإنتاج على مدى أربعة عقود، ولكنّه بخلاف مطربين آخرين الذين يعرفون بصوت محدّد؛ تغيّر صوته بشكل ملحوظ على مدى السنين. فإذا كنّا نستمع إليه في أغانيه السابقة يغرّد بنغمات عالية، فقد عزّز مجموعة أكثر اتّساعًا وبدأت تظهر في حنجرته نغمات أكثر عمقًا. وفي رأينا، هذا هو السبب في أنّ هناك مجموعة كبيرة جدا من المطربين والمطربات الإسرائيليين، المختلفين بشكل جذري، عثروا على أغانٍ من أعماله تتناسب مع أسلوبهم.

عوفر ليفي يقدّم بصوته العميق - وبعرض مباشر - تجديدًا لأغنية فريد "بنادي عليك":

السمة المشتركة بين أغاني الأطرش في جميع المراحل هي العاطفة. ويبدو أنّها تتدفّق من صوته في كلّ سطر وتصدر بشكل جيّد مع كلّ حرف يعزفه. ويمكن الشعور بالأمر في الأغاني ذات النمط الديني والوطني، وخصوصا في الأعمال التي تتحدّث عن الحبّ، مع كلّ تداعياتها. أغنية "يا عوازل فلفِلو"، على سبيل المثال، هي قصة حبّ مع "سخرية" من النساء العازبات والكبيرات غير الراضيات عن المعازلة الدائمة. رغم أنّ هذه هي كلماته، واللحن كان ناجحا جدّا ويخترق الروح، إلى درجة أنّ الشعراء (كاتبوا الصلوات في اليهودية) كتبوا طقوسًا للكُنس على أساس هذا اللحن.

يعقوب شوقي يغنّي "مول إيلي وجدلو"، على أساس لحن "يا عوازل فلفِلو":

وهكذا يبدو التجديد الخاص بحاييم موشيه للأغنية:

ومع ذلك، فألحان فريد الأطرش لم تستخدم فقط للألحان الدينية. فقد تمّ تخصيص ألبومات كاملة للموسيقي العظيم الرائع. على سبيل المثال، فإنّ صوفي تسادكا، وهي مطربة تغني أغانٍ شعبية، أصدرت قبل نحو عامين ألبومًا مبنيّا على ألحانه، مع كلمات كتبتها كترجمة للموسيقى.

حاولنا في هذا المنشور أن نعرض أمامكم فسيفساء الإبداعات التي جاءت إلى العالم بفضل الكنوز التي تركها وراءه عملاق الطرب المصري - السوري. وسواء كان الحديث عن إصدار لأغنية ضمن حفلة، أو تجديد تم تسجيله في الأستوديو مع الاهتمام بالتفاصيل أو كان الحديث عن استخدام اللحن لنصوص مختلفة؛ فإنّ حضور الأطرش كعامل مهيمن في عالم الموسيقى الإسرائيلية، هو حقيقة واضحة ولا جدال فيها. وتماما كحال أم كلثوم، التي توفّيت في العام نفسه 1974، أصبح فريد جزءًا من العالم الثقافي للإسرائيليين.

صوفي تسادكا تؤدّي أغنية "لأنّ عينَيّ لامستني"، المبنيّة على لحن لفريد الأطرش: