هل منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك تتداعى أمام أعيننا، بعد 54 عاما تمتّعت بها بالقدرة على تنظيم أسعار النفط في العالم من خلال السيطرة على معدّل إنتاجه؟ يبدو هذا السؤال اليوم ذا صلة أكثر من أي وقت مضى، على خلفية انهيار أسعار النفط في الأشهر الأخيرة، وهو أقل وضوحا ممّا حدث في صيف 2011، حيث ظهر حينذاك سؤال "هل ماتت أوبك"؟ في عنوان مقال في مجلة "تايم".

للوهلة الأولى، لم يكن حينذاك أي سبب للتفكير بأنّ شيئا ما ليس على ما يرام في منظمة النفط المخضرمة: ما زال سعر برميل النفط يتراوح حول 100 دولار، وكانت الشركات الـ 12 في المنظمة، التي تسيطر على 30% من الإنتاج العالمي، من بين المستفيدين الرئيسيين من ذلك. ورغم ذلك فإنّ الثراء لم يجلب الحبّ الكبير بين شركات المنظمة: في اجتماع لشركات أوبك في حزيران عام 2011 وصلت الصراعات بين الدول الأعضاء إلى ذروة جديدة، وذلك عندما طلبت السعودية، العضو الأكبر في المنظمة، زيادة إنتاج النفط؛ وهو قرار أدى إلى انخفاض سعره، ولكنه لاقى معارضة قوية من قبل نصف الشركات في المنظمة، من بينها فنزويلا، إيران وليبيا، اللاتي يعتمد اقتصادها كليا تقريبًا على سعر النفط المرتفع. "كان ذلك من الاجتماعات الأسوأ في أي وقت مضى"، كما قال وقتذاك وزير النفط السعودي، علي النعيمي. إنّ عجز شركات المنظمة عن التوصل إلى اتفاق رَفعَ أسعار النفط إلى أكثر من 101 دولار للبرميل.

بعد ثلاث سنوات ونصف من ذلك، بدا كل شيء مختلفا في سوق النفط. وقد جرّف سعر البرميل الـ 60 دولارا السفلى، وذلك بعد أنّ هبط بنحو 50% في الأشهر الأخيرة، والولايات المتحدة في طريقها إلى اجتياز السعودية ولتصبح مصدّرة النفط الأكبر في العالم بفضل الثورة في إنتاج النفط من الصخر الزيتي وتكنولوجيا التكسير الهيدروليكي (Fracking)، وتقترب من التحرّر نهائيّا من اعتمادها على النفط المستورد، أما الصين والهند، اللتان كانتا في 2011 تمثّلان محرّكا النموّ في الاقتصاد العالمي، تتباطآن. ومع ذلك، فإنّ شيئا واحدا يبدو ذا صلة اليوم وهو معتم أكثر من عام 2011: إنّ قوة أوبك، التي سيطرت على مدى عشرات السنين على الاقتصاد العالميّ، وقامت بثني أيدي القوى العظمى، كبيان لقدرتها على إسقاط الأسواق كما تريد، وتألقت في كوابيس الشركات الليلية والأعراف حول العالم، هذه القوة في طريقها إلى الزوال. على ضوء المصالح المتضاربة لشركاتها وثورة الصخر الزيتي الأمريكية، من الصعب ألا نرى فيها بقايا قديمة من عصر آخر، والذي يبدو فيه توازن القوى العالمي مختلفا تماما.

حساب بارد

اجتماع لمنظّمة الدول المصدرة للبترول، أوبك (AFP)

اجتماع لمنظّمة الدول المصدرة للبترول، أوبك (AFP)

كان من الصعب تجاهل التشقّقات في أوبك في تشرين الثاني الماضي، وذلك عندما فشلت شركات المنظمة بالاتفاق، مجدّدا، وهذه المرة على تخفيض إنتاج المنظّمة. رغم أنّ فنزويلا، التي تعيش في غمرة انهيار اقتصادي، وإيران، التي تستند ميزانيّتها على أسعار نفط فوق 100 دولار للبرميل، دعمتا تخفيض الإنتاج، إلا أنّ سائر الدول في المنظمة وبرئاسة السعودية ودول الخليج قرّرت إبقاء الإنتاج دون تغيير.

بعد اللقاء، ألمح وزير النفط الإيراني، بيجان زانجانه، إلى التوتر بين شركات أوبك، وذلك عندما قال لشبكة سي إن إن إنّه لا يعتقد أنّ القرار كانّ "جيّدا بالنسبة لجميع أعضاء المنظمة". وفي مقابلات أخرى حمّل زانجانه مسؤولية هبوط أسعار النفط بـ "تواطؤ سياسي".

ومن المفترض أن يكون التواطؤ الذي تحدث عنه وزير النفط الإيراني هو صراع السعودية (بدعم من دول الخليج) مع منافساتها الرئيسية: روسيا، التي تنهار اقتصاديا في أعقاب تراجع أسعار النفط، والولايات المتحدة. هذا الصراع، والذي من المفترض - بحسب الخبير الاقتصادي والصحفي البريطاني أنتولي كلاتشكي - أن يخفّض من أسعار النفط حتى 20 دولارا للبرميل، يقوّض بالفعل حكم فلاديمير بوتين، ومن المتوقع أنّ يتحدّى صناعة الصخر الزيتي الأمريكية، ولكنه أيضًا يقوّض مكانة أوبك نفسها. وفقا لتوقعات وزارة الطاقة الأمريكية، ستخسر دول أوبك إيرادات بقيمة 375 مليار دولار إذا بقيت أسعار النفط في مستوى أقل من 70 دولارا للبرميل.

والسبب في أنّ السعوديين، الذين يمتلكون وحدهم 16% من احتياطيات النفط في العالم، يدفعون إلى الانخفاض الحادّ في أسعاره، هو أنّهم يستطيعون احتواء مثل هذا الانخفاض مع بقائهم واقفين على أقدامهم. تتمتّع السعودية باحتياطيات تبلغ أكثر من 750 مليار دولار والتي تحميها من الهبوط الحادّ في أسعار النفط. لديها فوق الكفاية من المال من أجل رشوة سكانها بواسطة المنح والإعانات، كما فعل الملك سلمان، الذي تولّى الحكم في شهر كانون الثاني، وذلك عندما قرّر توزيع 32 مليار دولار على الشعب السعودي في شباط. بالإضافة إلى ذلك، فقد خفّضت تكنولوجيا الحفر الجديدة في السنوات الماضية بشكل ملحوظ من تكاليف الحفر للنفط السعودي، وبذلك فإنّ صناعة النفط الخاصة بها رابحة حتى عندما تهبط الأسعار، بخلاف عملية إنتاج النفط من الصخر الزيتي، التي تصبح أقل معقولية كلّما انخفضت الأسعار. إنّ الانخفاض الحادّ ولكن المؤقت في أسعار النفط سيقوّض - إن كان الأمر كذلك - خصوم السعودية السياسيين والاقتصاديين، وستعزّز من مصالحها الأمنية في المدى البعيد ولن تضر الحكم السعودي كثيرا، وبالتأكيد إذا ما لم تنجح في إخراج شركات الصخر الزيتي الأمريكية من السوق.

بإمكان دول الخليج الغنية أيضًا مواجهة الانخفاض في أسعار النفط. ومع ذلك، فستجد فنزويلا - التي يشكّل النفط 96% من الصادرات - وإيران صعوبة في القيام بذلك.

 

النفط السعودي (AFP)

النفط السعودي (AFP)

والاستنتاج الذي لا مفرّ منه من ذلك أنّ أوبك لم تعد موجودة في الواقع كمنظّمة موحّدة ذات مصالح متكاملة. فضّل السعوديون برفضهم لتخفيض الإنتاج بشكل واضح مصالحهم على مصالح بقية الدول الأعضاء في المنظمة، وأشاروا للأسواق إلى موت أوبك. "منظمة أوبك النفطية لم تعد موجودة بأية طريقة ذات معنى"، كما صرّح Bank of America‏ في كانون الأول. صرّح خبير السلع الاقتصادي الرئيسي في البنك، بأنّ أوبك "تفكّكت فعليّا"، وأضاف إن "العواقب كانت دائمة وبعيدة المدى".

ومثل ذلك الخبير الاقتصادي، سارع محلّلون وخبراء اقتصاد آخرون أيضًا إلى الإعلان عن نهاية عصر أوبك وبداية عصر جديد، يُحدّد السوق فيه الأسعار. "إنه عالم جديد لا تستطيع أوبك ببساطة أن تدير السوق أكثر. الآن هو دور السوق في إملاء الأسعار، وهي ستنخفض بالتأكيد"، كما قال جاري روس، المدير العامّ لشركة ‏PIRA Energy‏. "أعتقد حقّا أنّنا شهدنا نهاية أوبك ككيان قابل للحياة"، كما أعلن الخبير الاقتصادي دينيس جرتمان، الذي قال إنّ أوبك "منكسرة".

80% من احتياطيات النفط في العالم

في الوقت الذي تحظى فيه أوبك بموت مُذلّ، برعاية السعوديين، من الصعب ألا نذكر ذروة أيام المنظمة، عندما سمح أحمد زكي يماني (وزير النفط السعودي منذ الستينيات حتى نهاية الثمانينيات، والذي كان الشخصية المهيمنة على أوبك على مدى أكثر من 20 عاما) لنفسه بالتباهي بأنّه "يمسك بالعالم على خيط".

تأسست أوبك عام 1960 من قبل السعودية، إيران، العراق، الكويت وفنزويلا. بعد ذلك انضمّ إليها سبعة أعضاء آخرين، من بينهم قطر والإمارات العربية المتحدة. ولكن حتى بداية السبعينيات تعامل معها القليلون بجدّية. كانت نقطة التحوّل التي لم يتجاهل بعدها أحد هذه المنظمة هي حرب تشرين، والتي أعلن أعضاء المنظمة في أعقابها مقاطعة نفطية ضدّ الولايات المتحدة وبعض حلفائها في الغرب، من بينهم كندا، هولندا وبريطانيا؛ بسبب دعمهم لإسرائيل.

عملية استخراج النفط في المكسيك (AFP)

عملية استخراج النفط في المكسيك (AFP)

سيطرت أوبك، التي كانت حينذاك في ذروة قوّتها، على نحو 55% من إنتاج النفط العالميّ، ولكن بعد حرب تشرين فقط تحوّلت من هيئة تحرص على المصالح الاقتصادية لمصدّري النفط إلى منظّمة ذات أجندة سياسية. كانت آثار المقاطعة عميقة ومؤلمة: ارتفعت أسعار النفط أربعة أضعاف، غرقت الولايات المتحدة في ركود، ودخل العالم فترة من التضخّم والركود الاقتصادي، تصارع أعضاء حلف شمال الأطلسي فيما بينهم وتغيّر الاقتصاد العالمي. وقد وصلت فترة الازدهار التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، في الواقع، إلى نهايتها.

وكنتيجة لارتفاع أسعار النفط تمتّعت دول أوبك بأرباح ضخمة، ومنحتهم قدرتهم على تنظيم أسعار الطاقة في العالم قوة جيوسياسية غير مسبوقة، ولكن في لحظات الذروة هذه كانت تكمن أيضًا بذور الدمار التي قادت المنظّمة أخيرا إلى نهايتها. في الوقت الذي أصبحت فيه دول أوبك إمارات نفط فاسدة، مع اقتصادات غير متنوعة وأنظمة سياسية ملوّثة، أدركت الدول الغربية بأن عليها التحرّر من الاعتماد على مصدّري النفط ومنظّماته. كانت النتيجة موجة من الاستثمارات في الطاقة البديلة، إنجاع الطاقة والبحث عن الموارد المحلّية. أدت هذه العملية، التي بدأت في عهد إدارة ريتشارد نيكسون في بداية السبعينيات، إلى تراجع تدريجي في قوة أوبك وقدرتها على التأثير على أسعار النفط، ولكنه كان بطيئا إلى درجة أنّه لم تضرّر قدرة دول أوبك في إملاء أسعار النفط العالمية بشكل كبير حتى ثورة الصخر الزيتي. منذ عام 2005، انخفضت واردات النفط الأمريكي بنحو 50%.

وقد تمّ نعي أوبك فعليّا مرّات عديدة في الماضي. على سبيل المثال في الثمانينيات، عندما انهارت أسعار النفط من 35 إلى نحو 10 دولار للبرميل في أعقاب تطوير صناعة النفط في بحر الشمال، وتراجعت إيرادات النفط السعودية بشكل ملحوظ. حاول السعوديون حينذاك أيضًا مكافحة المنافسة الجديدة في بحر الشمال بواسطة رفع أسعار الإنتاج، وقد أدّت العملية آنذاك أيضًا إلى انخفاض حادّ في الأسعار. في نهاية التسعينيات تراجع سعر برميل النفط إلى 9 دولارات وتم الحديث مجدّدا عن نهاية أوبك، ولكن المنظّمة نجت.

إنّ نشوة الصخر الزيتي الأمريكية أيضًا لن تستمرّ إلى الأبد، وهناك محلّلون يتوقّعون بأنها ستنتهي قبل نهاية العقد الحالي. بالإضافة إلى ذلك، فسوف يستمرّ الطلب على النفط من قبل الأسواق الناشئة بالتزايد، وتملك أوبك 80% من احتياطيات النفط في العالم. حتى عام 2040، وفقا لوكالة الطاقة الدولية، ستنمو حصّة دول أوبك في سوق النفط العالمي بـ 49% مقابل 42% اليوم، وذلك بعد أنّ تنضب بشكل نهائي موارد النفط لدى بعض الدول التي ليست أعضاء في المنظمة.

لا تضمن هذه التوجهات أن تستمرّ أوبك في الوجود كمنظّمة قادرة على حماية مصالح أعضائها المشتركة. هل في هذه المرة، بخلاف المرات السابقة، سينجح السوق في هزيمة أوبك نهائيا؟ هل ستزول المنظّمة - كما توقع بعض المحلّلين في الشهر الماضي - من الوجود في العقد القادم؟ لعلّه كذلك، ولكن ربّما يستحسن توخّي الحذر قبل أن نخسر أوبك. رغم التوترات الحالية بين دول المنظمة، فقد مرّت بأكثر من ذلك بكثير وهي معًا، واستمرت في التعاون معًا في إطار أوبك رغم الصراعات، بل وحتى الحروب الدموية بين أعضاء المنظمة، مثل الحرب الإيرانية - العراقية، وحرب الخليج الأولى، عندما غزا العراق الكويت. في نهاية المطاف، يبدو أنّه حتى السعوديين سيدركون بأنّ دول أوبك أقوى وهي مع بعضها البعض من أن تكون منفردة.

نُشر هذا المقال لأول مرة في مجلة "‏The Marker‏"، العدد آذار 2015