كانت الاستراحات في المدارس في الماضي مكانًا للّقاء الاجتماعي بين الطلّاب خلال يوم دراسي مرهِق. لكن بدل التحدث واحدهم إلى الآخر واللعب معًا، أدمن كثير من الشبان على التكنولوجيا والأجهزة الخلوية. وبذلك، أضحت الاستراحات تحديًّا للجهاز التربوي في إسرائيل، مع بدء سنة دراسية جديدة.

ادّعت مؤخرا د. ميخال كدرون، اختصاصية نفسية ومديرة قسم الطفولة في كلية "سمينار هكيبوتسيم" في تل أبيب، ضمن لقاء إعلامي بخصوص هذه الظاهرة المقلقة، أنّه كلما كانت الاستراحة حرّة أكثر للتلاميذ، كان ذلك أفضل لهم. "من المهم توفير وقت حرّ للتلاميذ، إذ إنّ دوره حاسم بالنسبة لهم من النواحي الذهنية، النفسية، والاجتماعية"، أوضحت. وأضافت: "إنّ الاستراحات المنظّمة أكثر من اللازم تقلّل من فوائد الاستراحة". فحسب رأيها، ثمة تفسير خاطئ لكلمة "استراحة"، وهي إحدى أهم اللحظات في المدرسة. "ليست الاستراحة أقلّ شأنًا من الدروس. إنها وقت بالغ الأهمية يتعلّم فيه التلامذة قدرات اجتماعية أساسية ومتانة نفسية". يكاد انشغال التلاميذ بأجهزة الهواتف الذكية المختلفة لا يتيح أيّ حيّز اجتماعي، ويلغي بشكل كلي تقريبًا المواهب الاجتماعية التي يُتوقّع من الشبان والأطفال تنميتها منذ سنّ مبكرة جدا.

الصورة مقلِقة جدًّا، فزيارةٌ خاطفة واحدة إلى إحدى المدارس وقت الاستراحة تظهر الطلاب والطالبات جالسين في حلقات ومجموعات، يضحكون، ويتواصلون واحدهم مع الآخر دون رفع رؤوسهم عن الهواتف الذكية. فلديهم واتس أب (Whatsapp)، إنستاجرام (Instagram)، فيس بوك، والكثير جدًّا من الأمور الهامة التي عليهم إنجازها وقت الاستراحة.

لا شكّ أنّ التكنولوجيا زادت من المعرفة وحسنّت الاتصالات حتى بين طاقم المعلمين والطلّاب. حتى قبل وقت قصير، اعتاد معلّمون في إسرائيل فتح صفحات على الفيس بوك لدعم طلابهم ومساعدتهم في تحضير وظائفهم، وفهم المادة المدروسة. لكنّ وزارة التربية نشرت مؤخرا تعليمات واضحة تمنع التواصل بين طواقم المدرِّسين والطلاب عبر الفيس بوك، بسبب مشاكل كثيرة، منها: ساعات العمل الإضافية للمعلّمين، تآكل مكانة المعلِّمين كمُربّين، والعلاقات الاجتماعيّة غير اللائقة بين المعلّمين، ذوي السلطة، والطلّاب.

إدمان الهواتف الخلوية (Flash90/Moshe Shai)

إدمان الهواتف الخلوية (Flash90/Moshe Shai)

لكنّ المشكلة أصعب من ذلك. فكيف يمكن منع انشغال التلاميذ بأجهزتهم الخلوية خلال الدروس؟ صرّح رئيس بلدية حيفا، يونا ياهف، بشكل واضح هذا الأسبوع في حفل افتتاح السنة الدراسية الجديدة: "ستُقدّم بلدية حيفا المساعدة للمدارس، ضمن مجال اختصاصها، لمحاربة آفة الهواتف الذكية". ودعا ياهف الظاهرة "خطة الانفصال الحاسمة". وأشار ياهف إلى الهاتف الخلوي بوصفه عاملًا حديثًا يعيق التلامذة عن التركيز، ويؤذي المعلّمين والوالدين. "حلّ الهاتف الذكي مكان الأب والأم. ومن يختبر ذلك يوميًّا كما تختبرون؟ أرأيتم أعين الشبان؟ منذ أشهر، أعجز عن رؤيتها، لأنّهم مشغولون كل الوقت بالآيفون (IPhone). كل واحد منفصل عن الآخر، وجميعهم منفصلون عن الالتزامات العائلية".

أمّا الظاهرة المقلقة الأخرى فهي مدى توفّر الأجهزة الخلوية. ففي أبحاث أجريت مؤخرا في إسرائيل، وُجد أنّ ضغط الأولاد لشراء أجهزة خلوية يبدأ في الصفوف الثاني - الرابع (7 - 9 سنوات)، ويمكن إيجاد أطفال لديهم هواتف ذكية في هذه الأجيال. مع ذلك، تبدأ الظاهرة بالانتشار أكثر من الصفَين الخامس والسادس فصاعدًا.

وفيما يُحظر استخدام الأجهزة الخلوية في المدارس في كل من كندا وفرنسا، فإنّ وزارة التربية الإسرائيلية تبقي القرار بخصوص استخدام الأجهزة النقالة للمدارس نفسها كمبدأ موجِّه. ففي منشور المدير العام الذي نشرته الوزارة في أيلول من العام الماضي، كان الإرشاد الوحيد هو التدريس عن هذا الأمر: "يجب إجراء إرشاد مناسِب لجيل التلاميذ ولما يعرفونه من مصطلحات بهدف اكتساب عادات استخدام صحيحة وعقلانية للهاتف الخلوي. يجب شرح عادات الاستخدام الصحيحة للتّلاميذ. يجب ترسيخ هذه العادات في الحياة اليومية، وتطبيقها على كامل أفراد المؤسسة التربوية". كذلك، أرفقت بالإرشاد توصيات مثل اختصار مدة المكالمة، استخدام سماعة الأذن، وما شابه. وكانت محاولة سنّ قانون في هذا الشأن في شباط الماضي قد أخفقت، ما أبقى القرار لمديري المدارس.

ثمة نزعات تربوية مختلفة تتحدث عن حسنات وسيّئات الجيل الخلويّ. في الوقت الحالي، اختار معظم المدارس في إسرائيل، لا سيّما الثانوية، منع استخدام الهواتف الخلوية أثناء الدروس، وإتاحة ذلك في الاستراحات فقط. ولحلّ قضية الإدمان في الاستراحات أيضًا، على المدارس إيجاد حلول إبداعية، لكن محدودة: إذاعة أغانٍ، نشاطات تربويّة - رياضية مكثَّفة، تنظيم أيام تسوّق، وحتى انضمام المعلمين إلى الساحات، وقضاء وقت ذي جودة مع الطلّاب في محادثات خفيفة، إضافةً إلى نشاطات مسلٍّية أخرى.