تنذر عملية اغتيال سمير القنطار، زعيم شبكة إرهابيّة درزية عملت ضدّ إسرائيل من الحدود السورية لصالح إيران، بفترة جديدة من التوتر الأعلى من المعتاد في مثلث الحدود بين إسرائيل، سوريا ولبنان. ورغم أن إسرائيل، كعادتها، لا ترد على اتهامات حزب الله بخصوص مسؤوليتها عن مقتل هذا الإرهابي المخضرم، فإنّ نقطة البداية في النقاش الدائر الآن في الإعلام العالمي هو أن إسرائيل تقف فعلا خلف هذه العملية. وبالنسبة لجريان الأمور من الآن فصاعدا، فيبدو أنّها ستكون مرتبطة بشكل أساسي بموقف إيران.

إن حقيقة اغتيال القنطار لن تثير أسفا لدى أي إسرائيلي. فهذا الرجل إرهابي معروف. في سن السادسة عشرة، كدرزي مواطن لبنان، شارك في عملية لتنظيم فلسطيني في نهاريا والتي قُتل فيها أفراد عائلة هاران، من بينهم طفلة في الرابعة من عمرها، والتي قتلها بنفسه عندما ضربها بعقب بنقديته على رأسها. ورفضت إسرائيل إطلاق سراح القنطار من قبل حزب الله في صفقة تننباوم عام 2004. وقد استُخدم استمرار حبسه في السجن كذريعة لدى أمين التنظيم، حسن نصر الله، ليأمر باختطاف جنود الاحتياط عام 2006، والذي أدى إلى اندلاع حرب لبنان الثانية. عاد قنطار نفسه إلى لبنان بعد نحو سنتين، في صفقة مع حزب الله مقابل إعادة جثتي جنود الاحتياط إلداد ريغف وأودي غولدفاسر. منذ ذلك الحين، لم يكتفِ بوظيفة المروّج للتنظيم، بل تولى دورا تنفيذيا.

ورغم سنّه الكبير نسبيًّا، قاد القنطار بداية شبكة عملت لصالح حزب الله في الجولان السوري وبادرت إلى تنفيذ عمليات إرهابية ضدّ مواطنين إسرائيليين وجنود الجيش الإسرائيلي في الجهة الإسرائيلية من الحدود. في السنة الماضية حدث تغيير على طريقة عمل الشبكة، التي أعطت لنفسها الاسم الرسمي "المقاومة الوطنية السورية في الجولان". وقد خرج حزب الله من الصورة تدريجيا وتولّت إيران زمام الأمور. ادعت مصادر أمنية في إسرائيل منذ عدة شهور أنّ القنطار، ومعه فرحان شعلان الذي كان أحد القتلى في القصف أمس، يعملان في التجهيز لعمليات إرهابية أخرى في الجولان. إذا كان الإعلام الأجنبي صادقا وكانت إسرائيل فعلا هي التي تقف وراء عملية الاغتيال، فمن المرجح أن تكون اعتبارات العملية تطلّعا إلى المستقبل وليست تصفية حسابات لماضيه.

وما سيحدث لاحقا مرتبط بدرجة كبيرة بإيران. لقد مرّت إسرائيل وحزب الله فعلا بجولات من التوتر في السنوات الماضية، والتي كانت في الغالب مشتقة من الحرب الأهلية السورية. ونسب الإعلام العالمي إلى إسرائيل سلسلة طويلة من العمليات في أراضي سوريا، والتي في معظمها قصف جوي لقوافل ومن بينها أسلحة كانت معدّة للتهريب لحزب الله وفي لبنان وفي عدد قليل منها أصيبت خلايا إرهابية عملت بتوجيه إيران وحزب الله في الجولان السوري (ومن بينها، في عدة حالات، أيضا عناصر تنظيم القنطار).

وقد جرت حوادث أخرى في الأراضي اللبنانية: مهاجمة قافلة سلاح بعد لحظة من اجتيازها للحدود من سوريا، اغتيال مسؤول في حزب الله في الضاحية ببيروت وتفجير عبوات ناسفة عندما كان الإرهابيون يحاولون تفكيك أجهزة تنصت وُضعت في زعم الحزب من قبل إسرائيل. لم تتطرق إسرائيل علنا إلى هذه الحوادث، ولكن صرّح رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في الأشهر الأخيرة بشكل أكثر علنية بخصوص ما يحدث في الشمال واعترف أنّ الجيش الإسرائيلي يعمل من أجل إحباط تهريبات السلاح وضرب الإرهابيين في الشمال.

عماد فايز مغنية (Flash90)

عماد فايز مغنية (Flash90)

وفي معظم هذه الهجمات اختار حزب الله كبح جماحه. وعندما اجتازت الهجمات الحدود من سوريا إلى الأراضي اللبنانية، ردّ التنظيم، ولكنه قام بذلك غالبا عن طريق الحدود السورية ومن خلال مبعوثين من بينهم عناصر القنطار. وقد حدث الامتحان الأكبر للاستقرار النسبي، والذي يمنع انزلاق إسرائيل التام إلى الجبهة الشمالية والحرب الأهلية السورية، في كانون الثاني الأخير. في قصف جوي في الجولان السوري، والذي نُسب إلى إسرائيل أيضا، قُتل ناشط ميداني رفيع المستوى، وهو جهاد مغنية (نجل قائد أركان التنظيم الأسبق، عماد) وكذلك جنرال إيراني وخمسة ناشطين عسكريين آخرين. فردّ حزب الله بعد مرور عشرة أيام بهجوم مستهدف - كمين صواريخ مضادة للدبابات في الصعود إلى جبل دوف، والذي قُتل فيه قائد سرية وجندي من لواء جفعاتي.‎ ‎امتنعت إسرائيل عن عملية ثالثة في السلسلة، الردّ مقابل الردّ - وبذلك ساهمت في تهدئة النفوس.

والآن، يبدو أن أمامنا شيء بمثابة بثّ معاد لجولة الضربات السابقة. ولكن هذه المرة العنوان في الجهة المقابلة هو إيران، أكثر من حزب الله. وهناك لدى طهران اعتبارات أخرى، أكثر اتساعا، يتعلق بعضها باستمرار العمل باتفاق فيينا بشأن النووي الإيراني، والذي تم توقيعه مع القوى العظمى. يتوقع النظام الإيراني في الفترة القريبة إزالة بعض العقوبات التي تم فرضها عليه بسبب برنامجه النووي. هناك اعتبار آخر مهم يتعلق باستمرار الحرب الأهلية السورية. وفي الأسابيع الماضية أخلى الإيرانيون نحو ثلثي القوة العسكرية التي نشروها شمال البلاد، لمساعدة نظام الأسد وكعملية استكمالية للهجوم الجوي الذي بادرت إليه روسيا ضدّ تنظيمات الثوار في سوريا. كل موافقة على الرد لبقايا تنظيم القنطار، أو التوجيه للانتقام من حزب الله، ستضطر إلى أخذ هذه الجوانب بعين الاعتبار أيضًا.

من استطاع العثور على القنطار ورجاله أمس، في ضواحي دمشق، اعتمد بالتأكيد على معلومات استخباراتية دقيقة. ومن المرجح أنّه في الفوضى العامة السائدة في سوريا، والتي يعمل الكثير من الدول والتنظيمات الإرهابية فيها اليوم في المقابل، لن تؤدي هذه العملية إلى تغيير شامل في الأوضاع. ومع ذلك، كان هناك توسع ملحوظ في حجم المراهنة. والتي ستتضح تأثيراتها لاحقا.

نشر هذا المقال لأول مرة في‏‏‎ ‎‏‏‏صحيفة هآرتس‏‎ ‎‏