تم أمس الأول نشر أنباء مفادها أن رئيس السلطة الفلسطينية أبا مازن قد طلب من رامي الحمد الله، رئيس الحكومة الذي استقال قبل نحو شهرين، إقامة حكومة جديدة وأن الحمد الله قد وافق على الاقتراح. صرح المسؤول في فتح، عزام الأحمد، اليوم، لوكالة معًا أنه يتوقع إقامة حكومة جديدة، خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، من دون تغييرات جوهرية في تركيبة الحكومة السابقة. وأضاف الأحمد "أن الحكومة الجديدة ليست حكومة توافق وطني ولا تسيير أعمال بل حكومة عادية نظرا لفشل تطبيق استحقاق اتفاق المصالحة والذي كان مقررا يوم 14/ 8 بسبب عدم تجاوب حماس مع نداءات فتح بالاجتماع خارج القاهرة للاتفاق على تنفيذ الاتفاق".

وأفادت وكالة الأنباء رويترز نقلا عن مصدر فلسطيني رفيع المستوى أن من المتوقع أن تُسند إلى رئيس الحكومة صلاحيات كاملة لاختيار وزرائه وأن قراره العودة إلى المنصب ربما يمثل صفقة تم نسجها مع أبي مازن، الذي سيمنح الحمد الله حيز مناورة أوسع. غير أنه يُستشف من تصريحات الأحمد أن تركيبة الحكومة لن تتغير تغييرًا جذريًا، ويمكن التقدير أن الحمد الله قد أدرك أنه سيضطر إلى الموافقة على حجر الرحى التي وضعها الرئيس عباس على عنقه، والتي تتمثل بنائبه محمد مصطفى. وكان مصطفى، وهو أحد الأشخاص المقربين جدًا من الرئيس، على ما يبدو، هو أحد الأسباب التي حذت بالحمد الله إلى الاستقالة قبل شهرَين. وكانت التقديرات أن الحمد الله قد طلب الاعتزال بسبب إدراكه أنه سيضطر إلى انتعال حذاء سلام فياض الكبير، ولكن بالقليل من الاستقلالية التي حظي بها فياض، بسبب النائبين الذين تم فرضهم عليه من قبل الرئيس (مصطفى وزياد أبو عمرو المقرب من الرئيس عباس هو أيضا).

حين تسلم مهامه للمرة الأولى، قدّر المحللون أن الخبير اللغوي يأخذ على عاتقه منصبًا لن يتمكن من النجاح فيه. في الوقت الذي كان فيه مسلحًا بتجربة سياسية ضئيلة، تقتصر على إدارة صراع القوى بين المحاضرين في جامعة النجاح، وقف الحمد الله أمام عدد كبير من الصعوبات، وأكبرها التي يمكن حسبها قياس نجاحه أو فشله، كانت إنقاذ الاقتصاد الفلسطيني من الأزمة التي يمر بها، وفي مقدمة ذلك العثور على تمويل لدفع رواتب عشرات آلاف العاملين في الأجهزة الأمنية والموظفين في السلطة في الضفة الغربية، وإضافة إلى ذلك لـ 70,000 عامل سابق يتواجدون في قطاع غزة.

الزعامة الفلسطينية وكذلك الزعامة الإسرائيلية تعرف أن الخطوة الأولى على طريق الهدوء هي الاهتمام بأن يتقاضى موظفو السطلة رواتبهم، وأبو مازن بحاجة إلى شارع فلسطيني هادئ كي يذهب إلى المفاوضات والطريق الوحيدة للقيام بذلك هي حين يقف موظفو السلطة إلى جانبه. من دواعي سرور الحمد الله أن الطرفين الأمريكي والأوروبي مسؤولان عن جزء لا بأس به من تمويل السلطة، يدركان هذه الحاجة.

قبل الشروع في المفاوضات، وعد وزير الخارجية الأمريكي كيري وعدًا واحدًا وهو تحويل أموال لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني. من المعلوم أن الخطة تركز بقدر كبير إلى برنامج الدكتور محمد مصطفى، الذي إضافة إلى كونه نائبًا للحمد الله، فهو يعمل أيضا مديرًا لصندوق الاستثمار الفلسطيني. لذلك، على الرغم من أن الحديث يجري عن أموال ستساعد الحمد الله في القيام بمهامه، غير أنه التقدير سيعود إلى مصطفى والرئيس عباس.

الحكومة الفلسطينية (Issam Rimawi/Flash90)

الحكومة الفلسطينية (Issam Rimawi/Flash90)

هدف عباس الرئيسي من تعيين الحمد الله، عضو فتح، ليحل محل فياض التكنوقراطي، كان تمرير السيطرة على "أنبوب المال" التابع للسلطة ليعود إلى حركة فتح، غير أن هذا الهدف غير خفي عن أعين المسؤولين الكبار في السلطة الذين سئموا في الماضي من المنفعية التي تعود على كبار أعضاء فتح على امتداد السنوات، وعلى الحمد الله أن يثبت أنه نقي اليدين لكي لا يلحق الضرر بسيولة الأموال في السطلة. ولكن مهمة تجنيد الأموال ليست غريبة على رئيس الجامعة السابق، فكثيرون ينسبون نمو ازدهار الجامعة لقدرة الحمد الله على الحصول على المال، 400 مليون دولار على امتداد السنوات حسب تقارير مختلفة.

حين تم تعيين الحمد الله للمرة الأولى، كانت التصريحات أنه سيترأس حكومة انتقالية إلى أن تتم المصالحة بين فتح وحماس وإجراء الانتخابات، غير أن التعيين في هذه المرة يأتي بعد عدم نجاح السلطة وحماس في التوصل إلى تفاهمات، فهي تبدو أبعد من أي وقت مضى، في الوقت الذي أصبحت الوسيطة الدائمة مصر منشغلة بشؤونها الداخلية. تفيد التقديرات أنه حتى بعد هدوء الأوضاع في مصر، فلن تتمكن من العودة لممارسة وظيفتها كوسيط، وبالأساس لأن الأحداث الأخيرة بين الجيش المصري ونشطاء حماس ستمنعها من أن تكون وسيطة غير منحازة.

على الرغم من أن المقربين من الرئيس عباس يتواجدون في كل بقعة في الحكومة الفلسطينية، إلا أن الرئيس ذاته لا يحب أن يتعامل مع الشؤون الداخلية في السطلة، طالما كان الشارع الفلسطيني هادئًا، وعباس معتاد على التجول في دول العالم بهدف دفع القضية الفلسطينية قدمًا. لذلك، يقف الحمد الله في المعركة لوحده، وعلى رجليه أوزان وشروط البدء صعبة، في الوقت الذي يتوجب عليه أن يثبت أنه ليس أقل شأنًا من سابقه المُثقل بالأوسمة.