صنع رجب طيب أردوغان تاريخًا عندما خرج هذا الأسبوع من مكتب رئيس الحكومة التركي وتوجه مباشرة إلى مكتب الرئيس التركي. أردوغان هو الرئيس الأول الذي اختير مباشرة من قبل الشعب في أعقاب تعديل بادر إليه في الدستور التركي، والآن يبدو أنّ الانقلاب الذي بدأ حين اختير لأول مرة رئيسًا للحكومة عام 2002 مستمر بكامل قوّته.

وفقًا لتخوّفات جهات المعارضة التركية، فمن المفترض أن يوسع أردوغان خلال السنوات الخمس لولايته من صلاحياته الفعلية، وأن يدير بهذا الشكل حكمًا استبداديًّا حقيقيًّا وأن يصبح الزعيم الأقوى في التاريخ الحديث لتركيا. وهذا على النقيض من أسلافه في منصب رئيس الدولة.

يعتبر أردوغان زعيم عملية الأسلمة التي مرت بها تركيا في العقد الأخير. الدولة التي كانت رمزًا للدمج بين السكان المسلمين والنظام الديمقراطي العلماني، بدأت بالتحرك نحو الإسلام المتطرف، بعيدًا عن إرث مصطفى كمال أتاتورك.

قلة من يذكرون اليوم، ولكن في بداية طريقه لم يكن أردوغان شخصًا متطرّفا كالذي نعرفه اليوم. في شهر أيار 2005، قبل شهور قليلة من انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، زار أردوغان  إسرائيل وعقد صداقة مع قادتها. بعد تصريح قاسٍ عام 2004 يفيد بأنّ إسرائيل تتعامل مع الإرهاب ضدّ الفلسطينيين، طلب أردوغان التراجع عن تصريحه وزيارة إسرائيل لتصحيح الانطباع، والالتقاء برئيس الحكومة حينذاك أريئيل شارون.

رجب طيب أردوغان مع شمعون بيريس خلال زيارته إلى إسرائيل (AFP PHOTO/YOAV LEMMER)

رجب طيب أردوغان مع شمعون بيريس خلال زيارته إلى إسرائيل (AFP PHOTO/YOAV LEMMER)

في تلك الفترة كان يُنظر في إسرائيل نحو تركيا كحليف كبير ومهمّ. ولكن أيضًا في تلك الزيارة لإسرائيل ظهرت علامات مشبوهة من العداء. رفض أردوغان، الذي كان أحد الزعماء المسلمين البارزين الذين زاروا المتحف لتخليد ذكرى الهولوكوست "ياد فاشيم" في القدس، ارتداء القلنسوة كما يفعل جميع زعماء العالم الذين يزورون المكان. هناك من يزعم أنّه قصّر زيارته لذلك المكان من أجل زيارة المسجد الأقصى.

رغم الحادث، كانت رسالة أردوغان للإسرائيليين هي رسالة مصالحة وتفاهم: "استنكار معاداة السامية هو أحد الأهداف الرئيسية لزيارتي لإسرائيل"، كما قال حينذاك، وقد أعلنت الصحف الاقتصادية في تلك الفترة بسعادة عن زيادة في التجارة بين تركيا وإسرائيل.

رجب طيب أردوغان في متحف الهولوكوست ياد فاشيم خلال زيارته إلى إسرائيل (AFP PHOTO/BERNARD LALIZO)

رجب طيب أردوغان في متحف الهولوكوست ياد فاشيم خلال زيارته إلى إسرائيل (AFP PHOTO/BERNARD LALIZO)

لكن حتى ذلك الحين لم تكن الإشارات من أنقرة مبشّرة. ذكرت صحيفة "معاريف" بعد الزيارة: "بقدر ما سيبدو الأمر غير منطقي، فإن المقالات المعادية للسامية تظهر في الصحف ذات العلاقة الوثيقة برئيس الحكومة أردوغان". نشرت الصحيفة الإسلامية اليومية "يني شفق" (Yeni Şafak) التي تعود لوالد أردوغان، منذ ذلك الحين مقالات كراهية ضدّ اليهود. "جنون العظمة الكامن في الشخصية اليهودية"، كما كُتب. "قد يصل جنون العظمة هذا إلى أبعاد بربرية، وحشية وغير إنسانية". الذي كان "غير منطقي" عام 2005، أصبح واقعًا يوميًّا عام 2014.

كانت المواجهات بين حماس وإسرائيل هي التي جعلت أردوغان يصدر سلسلة من التصريحات والأنشطة المعادية لإسرائيل. كانت الذروة الأولى هي الهجوم الحادّ على رئيس دولة إسرائيل، شمعون بيريس خلال المؤتمر الاقتصادي في دافوس عام 2009. وسُجّلت الذروة التالية عند دعم أردوغان للأسطول التركي المتوجه لغزة عام 2010، والذي انتهى أمره في حادثة عسكرية خطيرة مع تسعة قتلى أتراك.

شاهدوا هجوم أردوغان على بيريس في دافوس:

ومنذ ذلك الحين، أصبحت التصريحات المعادية لإسرائيل وللسامية من قبل من هو اليوم رئيس تركيا أمرًا عاديًّا. اتهم أردوغان إسرائيل واليهود بمجموعة متنوعة من الجرائم الغريبة، بدءًا من الهجوم الكلامي المعادي للسامية تجاه المرابين اليهود (تمامًا كما ادعى هتلر في سنوات العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين)، وصولا إلى اتهام اليهود بإسقاط محمد مرسي من كرسي الرئاسة في مصر.

واليوم هناك إجماع في إسرائيل على أنّ كراهية أردوغان لإسرائيل تأتي بدوافع من كراهية اليهود. على سبيل المثال، فإنّ وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان وعضو الكنيست زهافا غلؤون، اللذين لا يستطيعان هذه الأيام التوافق على أي قضية، متوافقان بخصوص الرئيس التركي، متّحدان في وجهة نظرهما بأنّه زعيم معادٍ للسامية.

اتهم ليبرمان، بأسلوبه البارز، أردوغان بأنّه "خليفة غوبلز"، وزير الدعاية في ألمانيا النازية. ولكن حتى غلؤون، التي تُكثر من الحديث لصالح تسوية إسرائيل مع العالم الإسلامي، بما في ذلك تركيا؛ لا تعتقد أنّ أردوغان يستحقّ الحوار:

"تصريحات أردوغان المروّعة ضدّ إسرائيل غير مقبولة حتى لو أتت على شكل تعقيب، ولذلك فهي تصدم أكثر حين تُطلق من قبل رئيس دولة، وخصوصًا الدولة التي هناك علاقات دبلوماسيّة بينها وبين إسرائيل"، هذا ما كتبته غلؤون في صفحتها على الفيس بوك.

أضافت غلؤون: "يبدو أن أردوغان، الذي يتواجد في حملة انتخابية لرئاسة تركيا، قد فقد صوابه تمامًا، ولكن لا ولن ينبغي أن يكون هناك صفح عن شخص يعتقد أن هناك شرعية ما لاستخدام منصبه كممثل عن الشعب التركي لنشر الأكاذيب البشعة والمقارنات الزائفة".

هل هناك احتمال الآن، مع وصوله إلى منصب رئيس تركيا، بأن يحاول أردوغان إصلاح علاقته مع إسرائيل؟ مع الأسف الشديد، ليس هناك في الشرق الأوسط أشخاص كثر يعتقدون ذلك.