تمسي الإجابة على هذا السؤال ضرورةً ملحّة إلى حد أكبر على ضوء دراسة حديثة أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية في الأردن أظهرت أن حوالي 40 بالمائة من الأردنيين لا يعتبرون أن "الدولة الإسلامية في العراق والشام" هي "منظمة إرهابية." لكن، بيّن استطلاع للرأي منفصل أجراه معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في أيلول/سبتمبر عبر شركة محلية للأبحاث التسويقية، أنّ وجهة النظر هذه مضخّمة. ففي الواقع، ووفقًا لهذا الاستطلاع الجديد، 8 بالمائة فقط من الجمهور الأردني يتمتع بوجهة نظر إيجابية تجاه "الدولة الإسلامية في العراق والشام" إذ حتى "حزب الله،" الحزب الشيعي اللبناني المسلح، يتمتع بدعم في صفوف الأردنيين بنسبة أكبر بقليل إذ يلقى تأييد 15 بالمائة من مجموع السكان الأردنيين البالغين.

إضافة إلى ذلك، إن النسبة الإجمالية المنخفضة لوجهات النظر الإيجابية تجاه تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" لا تختلف كثيرًا بين المناطق المختلفة من البلاد، سواء في العاصمة عمّان، أو في المناطق الحضرية القريبة التي تشكل بؤرًا للمعارضة وتشهد دعمًا مؤججًا تجاه الإسلاميين مثل الزرقاء، أو في المناطق الريفية أو العشائرية النائية أكثر في شمال البلاد أو جنوبها. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أنه على الرغم من أن نسبة مناصري "الدولة الإسلامية في العراق والشام" هذه منخفضة نسبيًا، فهي أعلى من النسب التي تم التوصل إليها في الدول العربية الخمسة الأخرى التي شملها استطلاع الرأي هذا (مصر ولبنان والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة).

مقاتلو الدولة الإسلامية

مقاتلو الدولة الإسلامية

أمّا في ما يتعلق بالدعم الشعبي الأردني لمنظمة إسلامية، فتبرز هنا حركة حماس إذ تعبّر الغالبية العظمى من الأردنيين، أي 72 بالمائة، عن موقف إيجابي تجاه الحركة، ويبدي الثلث من هذه النسبة نظرة "إيجابية جدًا." وتُعتبر هاتان النسبتان أيضًا أعلى، وبفارق كبير، من النسب التي ظهرت في كافة الدول العربية الستة التي شملها الاستطلاع. وعلى سبيل المقارنة، حصلت السلطة الفلسطينية على نسبة تأييد أقل بكثير: 49 بالمائة عبروا عن "نظرة إيجابية،" و9 بالمائة من هذه النسبة فقط عبرت عن "نظرة إيجابية جدًا." وهذه الأرقام منطقية إذا نظرنا إليها على ضوء حقيقتين مرتبطتين بهذا الموضوع: أولًا، أكثر من نصف سكان الأردن هم من أصل فلسطيني، وثانيًا، تم إجراء استطلاع الرأي بعد فترة قصيرة من آخر جولة اقتتال بين حماس وإسرائيل، وهي مرحلة ولّدت تعاطفًا وتأييدًا إضافيين لحماس إلى حد أكبر.

غير أنّ ما يشكل مفارقة إلى حد ما هنا هو أن دعم الأغلبية القوي لحركة حماس لا يعني أن هناك توقع وبنفس الدرجة بأن إسرائيل سوف تهزم في يوم من الأيام، أو رفضاً للسلام مع إسرائيل، وهو ما تدعو إليه الحركة بصراحة. بالنسبة إلى النقطة الأولى، فإن نسبة أقل بكثير (58 بالمائة) تعتقد أن التكتيكات العسكرية التي تتبعها حماس ستؤدي على الأرجح إلى هزيمة إسرائيل في المستقبل. أما بالنسبة إلى النقطة الثانية، فما يثير الاستغراب أكثر هو أن نسبة أقل من الأردنيين توافق، وخلافًا لموقف حماس، على أن "أفضل طريقة للتقدم هي السلام بين إسرائيل والدولة الفلسطينية" (51 بالمائة مقابل 45 بالمائة).

بين الرأي العام الأردني حول تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وحماس تكمن جماعة الإخوان المسلمين الناشطة منذ فترة طويلة في السياسة الأردنية. ويُذكر أن هذه الجماعة تحصل على تصنيف إيجابي بشكل عام من قبل ربع الأردنيين، وبدعم أكثر قليلًا في المدن المركزية في ضواحي عمّان. وهذه النسبة هي في الواقع أقل قليلًا من نسب دعم الإخوان المسلمين في الدول الخمسة الأخرى التي شملها هذا الاستطلاع، بما في ذلك مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث جماعة الإخوان المسلمين ليست محظورة فحسب بل مصنفة بشكل علني على أنها منظمة "إرهابية."

بالنسبة إلى مختلف المناطق الأردنية، فإن المناطق الجنوبية العشائرية كثيراً والمعزولة جغرافيًا تبرز باعتبارها الأكثر انعزالًا في المواقف أيضًا. فالمواطنون في تلك المنطقة هم الأقل ميلًا للتعبير عن آراء إيجابية تجاه دول عربية أخرى، من مصر وصولًا إلى قطر. كما وأنهم الأكثر ميلًا (50 بالمائة مقابل 39 بالمائة) إلى الاتفاق على أنه "يجب على الدول العربية إيلاء المزيد من الاهتمام إلى القضايا الداخلية الخاصة بها بدلًا من تلك الخاصة بالفلسطينيين."

مظاهرة تأييد لحماس في غزة (AFP)

مظاهرة تأييد لحماس في غزة (AFP)

فماذا تعني كل هذه الأرقام بالنسبة إلى احتمالات التوصل إما إلى الاستقرار أو إلى المزيد من الديمقراطية في الأردن؟ الرأي العام لا يشكل العامل الوحيد أو حتى الأساسي ربما في هذه المعادلة. فالاتجاهات الاقتصادية وسلطة الحكومة والنفوذ الخارجي وغيرها من العوامل هي على الأقل بنفس الأهمية. مع ذلك، تشير نتائج الاستطلاع، وبشكل مدهش، إلى أن النظام يتمتع بهامش كبير في خياراته الاستراتيجية، على الرغم من كل التوترات الداخلية والإقليمية في الوقت الراهن. أما الحركة الإسلامية المعارضة الرئيسية فهي تحظى بدعم الأقلية، في حين أن حركة حماس تلقى شعبية أكبر بكثير، إلا أن رفضها الصارخ للسلام مع إسرائيل يحظى بشعبية أقل بكثير. وبالنسبة لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" الذي يشكل التحدي الأكثر إلحاحًا في الجوار، فلا يلقى إلا شعبية ضئيلة، حتى في المناطق الأكثر اضطرابًا في البلاد.

والجدير بالملاحظة أن الشريحة الديمغرافية الكبيرة التي جرى استبعادها عمدًا عن استطلاع الرأي تضم اللاجئين السوريين في الأردن الذين تخطى عددهم المليون لاجئ مؤخرًا، إلى جانب مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين، سواء الذين قدموا إلى الأردن نتيجة الأزمات السابقة أو الأزمة الحالية في بلدانهم. كما ويستند الاستطلاع إلى مقابلات شخصية مع عينة احتمالية تمثل الشعب الأردني وتشمل مناطق البلاد بأسرها وتتألف من 1000 شخص، مع الإشارة إلى أنها لم تشمل سوى المواطنين الأردنيين. فالعدد الهائل من اللاجئين في بلد يضم بالكاد 6 ملايين مواطن، يشكل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا. بالتالي هو يشكل ورقة سياسية قد تشعل الاضطرابات الشعبية أو تؤدي إلى استيراد الصراع الأيديولوجي.

لكن الحكومة الأردنية تتخذ بالفعل بعض الخطوات للحد من تدفق المزيد من اللاجئين، ولجذب المزيد من المساعدات الدولية لمواجهة المشكلة القائمة. ويبدو أن هذه الخطوات مناسبة، حتى الآن على الأقل. ومن أعراض هذا الوضع المواقف في صفوف الأردنيين في شمال البلاد، حيث يحتشد العديد من اللاجئين الذين دخلوا البلاد مؤخرًا. بناءً على نتائج استطلاع الرأي هذا، فإن المواقف التي يتخذها السكان هناك لا تحمل من التباعد أكثر مما تحمله مواقف الأردنيين في أجزاء أخرى من البلاد.

وبشكل عام يبدو أن المملكة الأردنية الهاشمية تواجه آراء شعبية متباينة يمكن التحكم بها. وبالتالي فإن النتيجة المرجّحة هي عدم قيام انتفاضة جماهيرية شعبية ولا إصلاحات كبيرة من الأعلى إلى الأسفل ولا انتكاسات ضخمة في السياسات. بدلًا من ذلك، من المرجّح أن يواصل الأردن تقدمه على الرغم من كل الاضطرابات التي تعصف بالبلدان المجاورة.

نشر المقال لأول مرة على موقع منتدى فكرة