إذا وصل سائح إلى تل أبيب هذه الأيام، حتى وإن رغب بشدّة، فلن يستطيع أن يتجنب الظاهرة الأبرز في السنوات الأخيرة: جنون الدراجات. أينما ذهبتم، وكيفما نظرتم، سترَونهم، راكبي ثنائيات-الإطار. في شوارع المدينة والمسالك المخصصة في جادّاتها، بجانب الممشى على شاطئ البحر وفي المتنزّهات المختلفة. تتخذ الدراجات مكانةً مهمة ومعتبَرة في ثقافة المدينة- تَعرض المدينة دراجات للإعارة- وتُحضر معها الدراجات، كما في كل تيار، حسنات وسيئات.

 كان ركوب الدراجات قد شكل يومًا هواية مقتصرة على فئة معيّنة، وأغلبُ الناس استخدمها فقط في يوم الغفران- يوم الصوم المقدس الذي تخلو فيه شوارع البلاد لصالح الكنيس، ويسمح للراكبين "بالتهوّر"-  أما اليوم فقد تغيّرت الأحوال. يتجنب السكان  امتلاك سيارة غالية ذات صيانة مكلفة، يصلون للعمل على ظهر دراجة، يوفرون وقتًا ثمينًا في أزمات السير وإيجاد مصفٍّ للسيارة ويتمتعون بفرصة لتحريك أجسامهم قليلا، قبل أو بعد يوم آخر في المكتب، أمام الحاسوب. يدرك المشغلون ذلك أيضًا، ويهتمون بإجراء تنسيقات، مثل مواقف لتقييد الدراجات وحمامات للراكبين المُجهَدين.

"يعتبر وصول العامل  إلى عمله على الدراجة صفقة رابحة لكل الأطراف"، يقول يوني، موظف هندسية للتكنولوجيا  الحديثة في سنوات الـ 30 من عمره، وهو ينتظر تبدّل الإشارة الضوئية إلى لأخضر. "سيكون نشيطا ومنتعشا أكثرـ وسيحس في العمل كأنه في بيته". من السهل فهم سبب الاهتمام الإبجابي بالتيار الذي يتنامى خاصة عند الجمهور.

غنت أيضا "كوين" (Queen) على الدراجة- وليس عبثا، بل في سباق!

لكن في الحقيقة لا يُجهد الكل نفسه هكذا. تُطل مثل الفطريات بعد المطر، في الشهور الأخيرة، دكاكين تبيع منتجًا واحدًا فقط- والذي يحظى بشعبية آخذة في التصاعد- الدراجات الكهربائية. القصد هو نوع مستولد، يجمع بين الدراجة الهوائية والنارية. من جانب، يمكن الدوس ودفعها بقوة الأرجل. ومن جانب آخر، إن تعبتَ، يمكن تشغيل المحرك الكهربيّ وجعله يقوم بالمطلوب. وطبعًا، يمكن الدمج بين الاثنين والتقدم بسرعة عالية بحدّ مقبول.

يمكن طيّ الدراجات الكهربيّة ويمكن وضعها في الباص والقطار. إلى جانب سرعتها العالية، تجرُّ الدراجة معها تأثيرات بعيدة المدى على مبنى المدينة في مركز إسرائيل. تعتبر تل أبيب عاصمة جوش دان، وحولها مدن كثيرة فيها يسكن أناس يذهبون خلال اليوم إلى عملهم في المدينة المركزية.

يوسع الابتكار الجديد، عمليًّا، حدود المدينة المركزية ويجعل الوصول من المدن المجاورة سهلا، مريحًا وغير مقيّد بأزمات السير التي تمتد على طولها دائمًا في ساعات الضغط.  "صراحةً، أنا لا أفهم الذين يسكنون في المركز ولا يتزوّدون بزوج منها"، يزعم أفنر، أحد البائعين في أحد المحلات التي تفقدتها في جولتي. أظن أنه ليس موضوعيًا. من جانبه يدعي إنه خلال سنوات معدودة ستكون الدراجة غرضًا يسعى الجميع لحيازته. أعتقد أننا سنحيا وسنرى.

الوزيرة تسيبي ليفني تركب الدرجات في تل أبيب

الوزيرة تسيبي ليفني تركب الدرجات في تل أبيب

لكن لا تجعلوا هذا الأمور تشوشكم- ليس كله ناضرًا. عدا عن الحقيقة أن الدراجات المتطورة أغلى بفارق كبير، فإنها تجذب لصوصًا أكثر. فلْتكنْ، هذه مشكلة من يختار شراءها. مقابل ذلك، يجب  بالذات حل مشاكل المشاة وراكبي الدراجات العادية، على المستوى التنظيـمي. يمكن أن يتحوًل المشي في شوارع تل أبيب هذه الأيامَ إلى تجربة غير مريحة، وهذا أقل ما يُقال. في غياب أنظمة تتعلق بمكان الدراجات الكهربيّة، هنالك من يختار أن يضعها على الشارع وهنالك من يفضل أن يتملص من السيارات المسرعة ويركبها على الرصيف. من يتضرر هم، طبعًا، المشاةُ، المحاطون من كل جانب، ولا يعرفون لمن يوجهون إصبع الاتهام. مشكلة أخرى، وليست أقل سوءا، هي أن محركات الدراجات قوية ويمكن أن تزوّد طاقة أكثر من المطلوب والمرغوب في أرجاء المدينة. هنالك طرق غير قانونية لإزالة هذه التحديدات والخطر واضح.

"إسرائيل على طريق الدراجات" هي جمعية تطمح إلى إيجاد حل لهذه المشكلات، وعلى الطريق- أن تقدّم ثقافة الركوب، تطوير البنى التحتية وزيادة الأمان في الركوب. حسب  الجمعية، على الحكومة والبلدية أن تهتما بموضوع الدراجات بجدية بالغة وأن تضعها على رأس سلم الأولويات. عدا عن المشاكل التي ذكرت أعلاه، هنالك أيضًّا موضوع جودة البيئة. تطلق السيارات طاقة كبيرة وتلوث بسخامها الشوارع، الغاديَ والرائح. الدراجات، وإن كانت مبنية على محرك كهربائي، هي أداة مفيدة جدًا، من هذه الناحية. في نظرهم، تتحول مدينة تل أبيب إلى "أمستردام الشرق الأوسط"، وجمهرة شبابها سيتنقلون فقط بواسطة دراجات هوائية، حيث تكون ضوضاء الجرس المرنان المزعج الصوتي أكثر ما يكون من ضجة في شوارع المدينة.

الآلاف يشاركون في حدث "تدوير تل أبيب" للدراجات (Roni SchutzerFlash90)

الآلاف يشاركون في حدث "تدوير تل أبيب" للدراجات (Roni SchutzerFlash90)

عدا عن تقديم المبادرات على المستوى السياسي، تُجري الجمعية جولات ومسيرات درّاجية، في كل أنحاء البلاد. بين الجبال والصحاري، المدن والقرى، ينشر أعضاء الجمعية البشرى- الدراجة ثقافة وطريق حياة.  تشجع أيضًّا العائلات كي يخرجوا راكبين دراجة معًا، وهذه حقا ظاهرة تكسب تسارعًا متصاعدًا. حتى في عائلتي القريبة، "أصيبوا بالعدوى" وبدأوا بالتجوّل في البلاد بدراجاتهم. سألت نداف ابن عمي من أين وصلت هذه "العدوى"  فقال إنه خلال جولة خرجوا فيها بإحدى أعياد الميلاد، رأوا عائلة ثلاثية الأجيال تقطع الطرق القريبة في جبال الجليل: الجد، الأم والأب، وثلاثة أولادهم في جيل مدرسي. من هناك استوحَوُا الإلهام الذي تطوّر إلى مسيرات في ساعات الصباح المبكّرة، والتي تنتهي بفنجان قهوة، عضلات متشنجة وإحساس حقيقي بالتقارب، بعضهم إلى بعض.

وماذا يخبئ لنا المستقبل؟ النبوءة بيد المتهورين، لكن من الصعب أن ترى التيار الحالي يهدأ. شعوري يقول إن الدراجات هنا لكي تبقى، ولن تزداد إلا ترسُّخا في العادات اليومية في حياتنا وأوقات الفراغ. الأنظمة للركوب الصحيح وفرضها سيساعد فيما بعد على استمرار عملية الامتزاج والاندماج في الميدان. ومن يدري، لعلنا في يوم ما نعتلي ظهور دراجاتنا المحلّقة.

شاهدوا المطاردة الخاصة من الفل: "العودة للمستقبل":