يجري التعبير عن الحاجة إلى المعرفة والفهم لدى الرضّع والأطفال بشكل علنيّ وحُرّ. بشكل طبيعي، يتمتّع الأطفال بالتأمل والتفكير فيما يحيط بهم. يكوّن الولد معانيَ ذات صلة بالمفاهيم المرتبطة بظاهرة ينشغل فيها عبر التأمّل والأحاسيس. يتفرّد الأطفال بنظرة مفعمة بالحياة، جديدة، وجميلة إلى العالَم. وهم ينظرون إلى العالم ويكتشفون اكتشافاتٍ بانفعال، إعجاب، واهتياج

يبدأ هذا السلوك منذ نعومة الأظفار، حين يستقصي الرضّع محيطهم الجسدي والبشري بدافع الفضول وغريزة النشاط الكامنَين فيهم. وكلما منحهم هذا التصرف اكتفاءً أكبر ازداد استعدادهم لخوض تجارب أخرى. بهذا المعنى، فإنّ السلوك الفضولي يقوّي نفسه.

ألعاب الأطفال هي طريقة يمكن ان يُعبَّر بها عن السلوك الفضولي المغروس في الأطفال. فللأطفال قدرات تعليمية كبيرة، وكل ما يجب فعله هو إتاحة اللعب الحرّ لهم، مع منح إحساس بالثقة بقدرتهم على اللعب والتعلّم بقواهم الذاتية. للّعب إسهامٌ هامّ جدًّا في التطوّر الجسدي، الذهني، اللغوي، الحسي، والاجتماعي للطفل.

يقدّر باحثون أن عدد الساعات التي يجلس فيها الأولاد ارتفع نحو 30% في العقد الأخير (Flash90)

يقدّر باحثون أن عدد الساعات التي يجلس فيها الأولاد ارتفع نحو 30% في العقد الأخير (Flash90)

لكنّ شيئًا ما قد تغيّر في العقدين الأخيرَين. فقد استُبدِلت المساحات المفتوحة، ألعاب الحارات، والمجموعة الاجتماعية بالتلفاز في المرحلة الأولى، ثم بألعاب الحاسوب، والآن بأكثر قوة بالأجهزة النقالة الذكية.

عن أهمية اللعب في الحيّ

يعبّر اللعب، بحدّ ذاته، عن تطور، تعلُّم، وصداقة. وهو دَفْع إنساني أساسي يدمج المشاعر، الإبداع، والحالات المتغيرة في المجال الحركي، التقني، والتكتيكي (اتخاذ القرارات). عُنيت مطبوعات عديدة على مدى سنوات طويلة بمحاولة فهم دور لعبة كرة بسيطة في عالَم الطفل، ووجدت أنّ غياب الألعاب في سنّ مبكرة، ولا سيّما تلك التي تنمي الإبداع الجسدي على مستوى الفرد والمجموعة، يؤدّي إلى اضطرابات جسديّة ونفسيّة.

علاوةً على ذلك، يقدّر باحثون أن عدد الساعات التي يجلس فيها الأولاد ارتفع نحو 30% في العقد الأخير. فمنذ جيل 6 أو 7 سنوات، يُكثر الأولاد من الجلوس في المدرسة والبيت، وذلك خلافًا للحاجة الطبيعية للجسم في هذه الأعمار للنشاط الجسماني والحركة ساعاتٍ طويلةً في اليوم.

الجلوس المتواصل هو نتيجة لنمط الحياة اليومية العصرية: الأجهزة الإلكترونية على تنوُّع إمكاناتها (التلفاز، الفيديو، الحاسوب، ألعاب الحاسوب، الإنترنت، وما إلى ذلك)، كذلك السيارات ووسائل النقل المتوفرة لكل شخص. كل هذه وغيرها تقلّل النشاط الحركي اليومي لكل إنسان، ولا سيّما الأطفال. وتأثير ذلك على التصرف الطفولي الاعتيادي بالغ، ولا يمكن إبطاله. فلا يمكن التعويض في سنّ متأخرة أكثر عن نقص الحركة واللعب في سنّ مبكرة. فضلًا عن ذلك، يشجّع اللعب والحركة حوافز جسدية وفكرية في آنٍ معا، أمر تعجز الأجهزة الإلكترونية عن القيام به.

يمكن بواسطة الحوافز الجسدية والفكرية، الحفاظ على جزء من الخلايا التي كانت "مُرشَّحة" للفناء الطبيعي (Flash90\Chen Leopold)

يمكن بواسطة الحوافز الجسدية والفكرية، الحفاظ على جزء من الخلايا التي كانت "مُرشَّحة" للفناء الطبيعي (Flash90\Chen Leopold)

وقد أُثبت علميًّا أنّ الطفل يولد مع 160 مليار خلية عصبية، يبقى منها نحو 100 مليار في العاشرة من العُمر. وتشير نتائج دراسة الدماغ إلى أنّه يمكن، بواسطة الحوافز الجسدية والفكرية، الحفاظ على جزء من الخلايا التي كانت "مُرشَّحة" للفناء الطبيعي، خلايا يحتاج إليها الإنسان باقيَ حياته.

وتؤكّد هذه النتائج النظرة التربوية السائدة منذ سنوات، حول أنّ غياب حوافز كهذه في أعمار صغيرة يمسّ بالإمكانيات الجسدية والذهنية للطفل، التي كان يمكن أن يجري التعبير عنها لو انشغل بنشاط جسماني ترافقه حوافز جسدية وفكرية في آنٍ معًا.

الأطفال الذين يلعبون هم أطفال ذوو ذكاء حادّ

في هذه الأيام (نهاية تشرين الثاني 2013)، يتمّ في أرجاء العالم إحياء أسبوع المبادَرة العالمي. كثيرًا ما كانت المبادرة في سنّ مبكرة تتجلى بوضع منضدة عصير ليمون في مركز الحيّ، أمّا اليوم، فلا يكتفي الأطفال والشبّان بذلك، بل يصمّمون من سنّ مبكرة ألعابًا وتطبيقات. يطرح هذا الواقع أسئلة عديدة، أهمها هو: هل يجدُر تشجيع المبادَرة في سن مبكرة، وما هي الصفات التي من المهمّ تنميتها لدى الأولاد، وكيف يجري القيام بذلك؟

بالنسبة للسؤال الأول، يبدو أنّ الإجابة التي ننالها من اختصاصيين كثيرين هي: بالطبع. فمنذ جيل باكر، يجدر تعزيز أفضل الإمكانيات الممكنة لدى الأطفال لصياغة الشخصية، التفكير الذهني، وحسّ المبادرة والتجدُّد.

الخطوة الأولى في الطريق لغرس روح المبادَرة لدى الأطفال هي تنمية الاندهاش. في الأيام التي يُقلّ فيها الأولاد من اللعب والتجوّل خارجًا، والتي ينكشفون فيها منذ نعومة أظفارهم للعِلم وللكثير من الإثارة في الحاسوب، الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، فإنّ المهمة ليست بسيطة. ولهذا السبب تحديدًا، ثمة حاجة إلى تغيير الاتجاه والمقارَبة. فكلما تعرّف الأولاد إلى الطبيعة بشكل أفضل، يمكنهم أن يقدّروا عجائبها بشكل أفضل – ما يسهّل عليهم تحمّل المسؤولية في عالمنا: الاعتناء، الحِرص، والصّيانة.

يشجّع اللعب والحركة حوافز جسدية وفكرية في آنٍ معا (Flasg90Chen Leopold)

يشجّع اللعب والحركة حوافز جسدية وفكرية في آنٍ معا (Flasg90Chen Leopold)

ومن الصفات الحيوية الأخرى لتشجيع روح المبادَرة بين الأطفال: الفضول والإبداع. الأطفال هم مخلوقات فضولية ومستثارة الانتباه بالطبيعة، وما تنمية الفضول والإبداع سوى جزء من عملية النمو التي تبدأ في جيل مبكر جدًّا، على شكل حوافز ملوّنة، موسيقية، وملموسة.

طبعًا، لا يعني هذا اقتناءَ ممتلكات وألعاب باهظة الثمن، بل يمكن إنتاج وسائل تحفيز وفضول عبر الاتصال البصري، التلامس، والصوت، وطبعًا عبر منتجات من الطبيعة والحياة، موجودة في متناول اليد. ويمكن تنمية وتعليم كل هذه الصفات البشرية عبر ألعاب اجتماعية بسيطة تشغّل الحواسّ كلّها.

ألعاب الطفولة – عودة إلى الطبيعة

في ألعاب الحي، ثمة نوعٌ من العودة إلى الطبيعة. فالأطفال يستخدمون موادّ وأدواتٍ موجودة في بيئتهم الطبيعية: حبالًا، كراتٍ، ورقًا، ألواحًا خشبية، عصيًّا، دواليب، وغيرها. من كل هذه ومن موادّ كثيرة أخرى، ينتجون ألعابًا مختلفة ومتنوّعة. وهم يستخدمون في ألعابهم مفاهيم من الطبيعة كالسماء والأرض، البحر والبرّ، وغيرها، ويطبّقونها كإرشادات لعمل إبداعي جسماني. وغالبًا، ما يستخدمون خردوات وموادّ من الطبيعة لبناء عربات، صنع طائرات ورقية، وإنتاج إلعاب تشكّل محاكاة لأمور قائمة في الحياة اليوميّة.

في ألعاب الحي، ثمة نوعٌ من العودة إلى الطبيعة (Flash90\Nati Shohat)

في ألعاب الحي، ثمة نوعٌ من العودة إلى الطبيعة (Flash90\Nati Shohat)

في الحقيقة، الأولاد مسؤولون عن العملية بأكملها: البحث، الإيجاد، التخطيط، البناء، التنظيم، ابتكار اللعبة، وتحديد القوانين. بهذه الطريقة، لا يقومون فقط بدمج نشاط حركَيّ بنشاط إبداعي، بل يتعاونون أيضًا في وضع أهداف مشتركة، يتعلمون تولي وتوزيع مسؤوليات، ويتدربون على الترتيب وقبول سلطة صديق دون تدخّل البالغين.

ألعاب القفز، المربّعات، والاختباء

في العالم عدد لا يُحصى من ألعاب الطفولة، كالقفز على الحبل، "المربّعات"، "الغميضة"، فضلًا عن ألعاب الكرة على أنواعه. في كلٍّ منها يمكن تنمية صفات هامّة لتطوُّر الطفل.

إليكم مثلًا لعبة الاختباء الأبسط، تلك التي لم يجرِ تجديدها كثيرًا من قِبل الأطفال. علامَ تتأسس؟ على قدرات غير محدودة. فهذه لعبة تطوّر الحركة، سرعة ردّ الفعل، تقدير الزمان والبُعد، معرفة المحيط جيّدًا، والإبداع، كما أنها تمنح المشاركين فيها الكثير من المتعة.

أمّا اللعبة المحبوبة لدى البنات، قفز الحبل، فهي لعبة حارة كلاسيكية. يكاد لا يُرى اليوم مشهد طفلَين يُديران حبلًا طويلًا، فيما باقي الأطفال يقفزون الواحد تلو الآخر. فوائد اللعبة كثيرة: الاتّزان، اتخاذ القرارات، التعاون، السرعة، الحركة، سرعة ردّ الفعل، وتقدير الزمان والبُعد.

اللعبة التي طالما تميّزت بها البنات هي لعبة المربّعات. مبدأ هذه اللعبة هو رسمة على الأرض بأشكال مختلفة. يجري القفز بالترتيب، من مربّع إلى آخر، دون لمس الخطوط. يحدّد المشاركون مسبقًا شكل الرسمة، ترتيب القفزات، وحجم المربّع. للّعبة أشكال مختلفة ومتنوّعة: القفز على رِجل واحدة، على الرجلَين، أو الدمج بين الطريقتَين، إلى اتجاه واحد فقط أو ذهابًا وإيابًا، القفز لتجاوز الإشارات المخططة، وغير ذلك. يمكن القفز وفق إرشادات مثل "القدم اليمنى فقط"، "الأرض فقط"، وما شابه. يمكن أيضًا دمج القفزات مع دفع حجر إلى المربع التالي أثناء الوثب.

يعني الخطأ الدوس على الخطوط وقت القفز، القفز برجلَين بدل رجل واحدة والعكس، أو الارتباك في ترتيب القفزات وترتيب الانتقالات. لهذه اللعبة البسيطة أيضًا فوائد عديدة، مثل تعريف الأهداف، بناء استراتيجيات، الحركة والخفّة، وتحسين الإحساس بالبُعد والزمن.

الاستنتاج هو أنه يجدر تشجيع الأطفال على اللعب بهذه الألعاب في رياض الأطفال أو المدارس، المبادرة إلى استراحات نشاط، وحتى الاقتراح على الأطفال أن يفعلوا ذلك في ساعات ما بعد الظهر.

من المهمّ أيضًا دفعهم إلى ابتكار ألعاب جديدة في مجموعات صغيرة، بوسائل ومعدّات متوافرة في البيت والحارة. ألعاب حاسوب وجلوس أمام شاشة التلفاز أقلّ، ونشاط وحركة أكثر، ستؤدي إلى تحسين قدرات الأطفال في المستقبل بشكل عجائبيّ.