يضطر إسرائيليون كثيرون يطمحون للعمل في مجال التقنية العالية (هايتك)، المتطور في إسرائيل، أو مجال الإعلان والتسويق، إلى الانتقال للعيش في مدينة تل أبيب، حيث توجد مقرات معظم الشرك الإسرائيلية والعالمية الكبرى، متنازلين عن العيش في المناطق النائية في إسرائيل. لكن ثمة من يطمح إلى تغيير هذا الواقع، أي العمل في هذه المجالات المتطورة دون الوصول إلى تل أبيب، مثلما فعلت شركة التسويق الكبرى، "ميكان" (McCANN)، التي خرجت عن المألوف وقررت أن تفتح فرعا لها في البلدة الإسرائيلية الواقعة في وسط صحراء النقب، "متسبي رامون".

أين تقع بلدة "متسبي رامون"؟

تقع متسبي رامون في وسط سلسة جبال النقب، على بعد 80 كلم للجنوب من بئر السبع. وكانت البلدة في البداية معسكرا مؤقتا لعشرات العاملين الذين شقوا الشارع رقم 40 المؤدي إلى مدينة إيلات في أقصى إسرائيل في الجنوب. وفي عام 1956 وصل السكان الأوائل إلى المكان وقرروا إقامة بلدة اشتراكية. وكانت السنوات الأولى صعبة، إذ كان السكان يجلبون المياه بحافلات من بئر السبع، ولم تكن البلدة مربوطة بالكهرباء.

وكانت البلدة محطة للاستراحة للإسرائيليين الذين كانوا في طريقهم إلى إيلات، قبل إقامة الطريق رقم 90 الذي يمر في وادي نهر الأردن إلى إيلات وتحوّله إلى الطريق المركزي للوصول إلى إيلات. وعانت البلدة جرّاء هذا التغيير حالة اقتصادية صعبة، بعد تراجع عدد الزائرين لها، وقد غلقت الكثير من المحلات التي لم يعد يقصدها أحد أبوابها.

ومن المعالم المعروفة التي تميّز المنطقة، وتجذب السواح إلى البلدة، إسرائيليين وأجانب، الظاهرة الجغرافية المعروفة إسرائيليا باسم "مختيش رامون"، وهو الجرن الأكبر في العالم. وهو عبارة عن واد ضخم في أعلى نقطة من منطقة النقب، يبدو كأنه فتحة ضخمة تشكلت بعد سقوط نيزك في المكان. لكن الظاهرة الطبيعية اكتسبت هيئتها الحالية، حسب العلماء الإسرائيليين، نتيجة تآكل الطبقات العليا لقمة الجبل وبقاء جدرانه. ويطلق على الوادي بالعربية "وادي الرومان".

شعار شركة التسويق الكبرى، "ميكان" (McCANN) (فيسبوك)

شعار شركة التسويق الكبرى، "ميكان" (McCANN) (فيسبوك)

قصة وصول شركة "ميكان" العالمية إلى متسبي رامون

ثمة تغيير كبير طرأ على البلدة، يبشر بأن مصير "متسبي رامون" قد يتحوّل. وتبدأ القصة بميخال رومي، مديرة الفرع الجديد لشركة "ميكان" (McCANN) للتسويق والإعلان في "متسبي رامون". نذكر أن شركة "ماكين" هي المسؤولة عن إعلانات أكبر الماركات عالمية في السوق، مثل: كوكا كولا، ونسبرسو وبعد.

أما قصة رومي، فقد ولدت في "متسبي رامون" واضطرت في مرحلة معينة إلى الانتقال إلى تل أبيب لتجد عملا في مجال التسويق. لكنها لم تتخل يوما عن حلم العودة إلى بلدتها النائية. وبعدما تزوجت وأصبحت أما لولدين ازداد حنين العودة عندها لبلدتها الهادئة.

وتحولت الفكرة إلى واقع بعدما جلست رومي مع نائبة شركة "ميكان" في تل أبيب، وتحدثت معها عن حلمها بإقامة معهد لتدريس التسويق والاتصالات للسكان البدو في منطقة النقب، وأحبت نائبة الشركة الفكرة قائلة إنها ستدعمها لأنها تؤمن بأن الشرك الكبرى يجب أن تخرج من المركز وتدعم الأطراف.

واتفق الاثنتان على إقامة فرع للشركة في "متسبي رامون" يوفر فرص عمل لسكان المنطقة بما في ذلك بدو النقب. في بداية الأمر، تعامل عاملو الشركة التي تملك مبنى يتألف من 7 طوابق في تل أبيب، وتشغل نحو 400 عامل، باستغراب مع فكرة إقامة فرع للشركة في "متسبي رامون". لكنهم اقتنعوا بعدما أوضحت رومي أن عملها بحاجة إلى حاسوب وإنترنت وليس إلى تل أبيب.

وتكلّلت مساعي رومي بالنجاح، واليوم، بعد مرور سنتين على إقامة الفرع، يشتغل في المكتب نحو 40 عاملا. عشرة منهم يسكنون في "متسبي رامون" والآخرون يأتون من بئر السبع وبلدات النقب الأخرى. والملفت أن نصف العمال انتقلوا مع عائلاتهم للسكن في بلدات الجنوب في أعقاب إقامة المكتب.

فندق "برشيت" الفاخر في متسبي رامون (Yaakov Naumi/Flash90)

فندق "برشيت" الفاخر في متسبي رامون (Yaakov Naumi/Flash90)

وقد فتحت الشركة أمام سكان المنطقة وسكان متسبي رمون، فرصة جديدة للعمل بعدما كان أمامهم خياران للعمل، إما في المجلس المحلي، أو في الفندقين الفاخرين في المكان. واحد منهم يدعى فندق "برشيت" (سفر التكوين) ويُعد من الفنادق الفاخرة في إسرائيل.

وتقول رومي، مديرة الفرع، إنها فهمت منذ البداية أن المكتب الذي سيقام في "ميتسبي رامون" يجب أن يثبت نفسه، ويدر الأرباح للشركة الرئيسية. واليوم هو يدخل للشركة ملاين الدولارات. وأضافت أن مندوبي الشركة في أوروبا أجروا زيارة للفرع وأعربوا عن رضائهم من أداء الفرع. وقد أشار الزوار إلى أن عامل المسافة ل "متسبي رامون" ليس مؤثرا، فهي تبعد عنهم مثلما تبعد تل أبيب.

وتقول المديرة إنها تأمل أن تكون مغنطيسا لشرك أخرى تنشط في إسرائيل، وأن تحذو هذه حذو شركة مكيان، وتقيم فرعا في الجنوب. وأضافت أن الشركة تحوّلت إلى كنز من ناحية البلدة، فهي تتبرع لنشاطات المجلس الملحي، وتقيم دورات خاصة بالتسويق الافتراضي.

ورغم الصعوبات البيروقراطية التي تواجهها الشركة، مثل إيجاد مبنى أكبر لاستيعاب العدد المتزايد للعاملين، وبناء المزيد من الشقق لاستيعاب العاملين الذي ينون الانتقال للسكن في البلدة، تعد قصتها قصة نجاح فريدة من نوعها قد تخلق مستقبلا جديدا لسكان منطقة النقب.