أوردت صحيفة التيليغراف البريطانية قبل عدة أيام مقالة موسعة حول السياسة الخارجية التي تتبعها دولة قطر، وكان السؤال الأساسي الذي تمركزت حوله المقالة: كيف تدعي قطر أنها صديقة مقربة لبريطانيا، وهي تموّل في ذات الوقت الجماعات الإسلامية المتطرفة في صراعاتها في الشرق الأوسط، هذه الجماعات التي تعمل ضد مصالح الغرب؟ الإجابة على ذلك هي بسبب المال، ولكن إلى متى سيتم تجاهل هذا الأمر؟ تتساءل الصحيفة.

الأمر يتعلق بالأموال التي تدفعها قطر ولا يستطيع الغرب التنازل عنها. وما يعزز هذا التفسير أن قطر تُعدّ دولة صغيرة وجيشها ضعيف، ويبلغ عدد مواطنيها 250.000 فقط، إلا أن الثروة التي بحوزة القطريين كفيلة بجعل دول أوروبية كثيرة تنحني أمامها، وبجعلها تتعايش مع هذا التناقض الكبير الذي تقوم به قطر، فمن جهة تستثمر قطر ثرواتها في الغرب، ومن جهة أخرى تقوم بتمويل منظمات إرهابية وإسلامية متطرفة تعمل ضد الغرب وتتعارض مع مبادئه وقيمه.

ومع أنّه قبل مدّة وجيزة قام أمير قطر خلال زيارة له لألمانيا بإنكار وجود أي دعم من دولته للمنظمات المتطرفة، إلا أن إنكاره هذا لم يكن مقنعًا بالنسبة للكثيرين من قادة الدول. مثال على ذلك هو تعامل قطر مع حركة حماس، وقد تمّ إدراج حركة حماس ضمن قائمة المنظمات الإرهابية في الكثير من الدول حول العالم، إلا أن قطر ما زالت ترعى هذا التنظيم وتستضيف قادته، بل قد استضافت حركة حماس في غزة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام 2012.

والواقع المرير في تصادم المصالح الذي تقوم به قطر هو وجود الكثير من الدبلوماسيين والخبراء الغربيين الذين يعلمون علم اليقين بشأن تمويل قطر لجماعات إرهابية ابتداء من غزة وانتهاء في سوريا، وأن قسم من هذه الجماعات تابعة لتنظيم القاعدة، إلا أن هؤلاء الدبلوماسيين يفضلون البقاء صامتين.

الأفق في سماء الدوحة، قطر (AFP)

الأفق في سماء الدوحة، قطر (AFP)

وبينما يختار الغرب عدم مواجهة قطر، قرّرت الدول العربية المجاورة لقطر أن تقوم بهذه المواجهة. حيث قررت السعودية، البحرين، والإمارات قبل شهر من الزمن أن يتم استبعاد السفراء القطريين من دولهم.

ثم تعرض الصحيفة البريطانية أمثلة على تلوّن دولة قطر ونفاقها، فالمثال الأول على ذلك هو الأحداث الأخيرة في ليبيا، حيث سيطرت على الدولة جماعات تُنسَب إلى الإسلام المتطرف، وذلك بعد أن حرّر الغرب، وعلى رأسهم أمريكا وبريطانيا، الشعب الليبي من قبضة القذافي. تتساءل الصحيفة عن كيفية تحوّل الأمور، فبعد أن كانت نية الغرب هي إرساء ليبيا على حالة من الاستقرار والديموقراطية، أدت بها في نهاية المطاف إلى صراعات عنيفة كان الإسلام المتطرف أحد جانبي هذا الصراع. الإجابة على هذا التساؤل بحسب الصحيفة هي قطر.

هذه الدولة التي تمتلك عقارات رمزية في بريطانيا، كفندق "هارودز"، اهتمت بتزويد الائتلاف الإسلامي في ليبيا بالأسلحة. تحدث قادة غربيون كبار مع صحيفة التيليغراف وقالوا إنهم استطاعوا أن يتعقبوا آثار الأسلحة التي أرسلتها قطر للمطار في مصراتة.

وأيضًا في الملف السوري لا تخفي الوجهة التي تختارها قطر لنفسها، ولكنها ظاهريًّا تقف إلى جانب الغرب في صراعه مع بشار الأسد. اهتمت قطر بتحويل جزء من تمويلها لمجموعة من الثوار باسم "أحرار الشام" بحجة أنها مجموعة معتدلة، ولكن الحقيقة أن هذه المجموعة حاربت إلى جانب "جبهة النصرة"، وهو التنظيم الإرهابي الذي يهدد الغرب.

حادثة أخرى تدل على التورط الكبير لدولة قطر في تمويل جماعات الإرهاب في المنطقة، هي إعلان الحكومة الأمريكية عن عبد الرحمن بن عمير النعيمي أنه "إرهابي عالمي". حيث اتهمته وزارة المالية الأمريكية بتحويل الأموال لقائد تنظيم القاعدة في سوريا، أبي خالد السوري. ادعت وزارة المالية أن النعيمي حوّل مليوني دولار لفرع القاعدة في العراق، 250.000 دولار للشباب في الصومال.

أما فيما يخص موضوع الدعم القطري لتنظيم داعش، فيعتقد الدبلوماسيون في الشرق الأوسط أن هذا الدعم يتم بطريقة غير مباشرة. وما هو معروف على وجه اليقين أن قطر قامت بدعم جبهة النصرة، وأنّ قسم من المقاتلين في جبهة النصرة انضموا إلى صفوف داعش، بهذا تكون الأموال والأسلحة القطرية آلت في نهاية المطاف إلى داعش.

تُدير قطر علاقاتها مع الجماعات المسلحة في ليبيا وسوريا عن طريق أربع أذرع: وزارة الخارجية، وزارة الدفاع، وكالة الاستخبارات القطرية، وديوان الحاكم القطري، تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني.

في الحالة السورية مثلا، تقوم قطر بتحويل تمويلها عن طريق وسطاء في تركيا، حيث يشتري الأخيرون السلاح من دولة أخرى ومن ثمّ يتم إدخال السلاح إلى الثوار في سوريا. إلا أنه في كثير من الحالات لا تملك قطر أية سيطرة على مجرى الأحداث وعلى مآل السلاح والأموال.

إذًا، تستطيع قطر بثرواتها أن تجعل العديد من دول أوروبا تنحني أمامها، وليس فقط بريطانيا. فهي استطاعت أن تمارس الضغط على ألمانيا حتى تتراجع عن الأقوال التي تلفّظ بها وزير ألماني بعد أن وجّه أصابع الاتهام إلى إليها فيما يخص تمويل المنظمات الإرهابية أمثال داعش.

يجب ألا ننسى أن السياسة التي تتبعها دولة قطر ليست سياسة تقوم على دعم لطرف واحد من الأطراف المشتركة بالنزاع، وإنما سياسة تقوم على دعم عدة أطراف في آن واحد. فعلى سبيل المثال، إلى جانب دعمها لحركة حماس من جهة، فإنها من جهة أخرى تستضيف في دولتها مقرات جيش الولايات المتحدة وقاعدة القوات الجوية الأمريكية الأكبر والأعظم في المنطقة.

وتبقى قطر لغزًا من الألغاز، ولكنها، بحسب الكثير من الأوروبيين، أصبحت من أخطر الألغاز بالنسبة للغرب.