في بداية هذا الشهر، شباط، ذهب وزير الإسكان، أوري أريئيل، إلى الحرم القدسي الشريف. وخلافًا للتهديدات المتكرّرة الصادرة من قبل مختلف الأطراف المعنيّة، لم تندلع انتفاضة ثالثة. ولكن الردود العربية على الحادثة لم تتأخر.

كان أحدها لوزير الأوقاف الأردني، المسؤول عن الأماكن المقدسة في القدس من قبل المملكة الأردنية، الدكتور هايل عبد الحافظ داود. هاجم الدكتور وقال إنّ ذهاب وزير في الحكومة الإسرائيلية إلى الأقصى أمر خطير وغير مسؤول، وذلك لأنّ إسرائيل تعلم جيّدًا أن الأردن هو صاحب المسؤولية عن "المدينة المقدّسة" وعن الأماكن المقدّسة فيها.

عضو الكنيست بن آري (اليمين) ووزير الإسكان اوري ارييل في زيارة للمسجد الأقصى (Flash90/Oren Nahshon)

عضو الكنيست بن آري (اليمين) ووزير الإسكان اوري ارييل في زيارة للمسجد الأقصى (Flash90/Oren Nahshon)

حقيقة تطرّق مسؤول أردني علنيًّا لموضوع السيادة على الحرم القدسي الشريف ليست مألوفة. على سبيل المثال، في شهر كانون الثاني 2014، بعد عدد من أعمال الشغب في الحرم القدسي الشريف، دعا حزب جبهة العمل الإسلامية، الذي يعتبر الذراع السياسي للإخوان المسلمين في الأردن، الحكومة الأردنية أن تقوم باستخدام حقّها القانوني واتّخاذ إجراءات ضدّ "الهجمات" (كناية عن دخول اليهود الى باحات المسجد الأقصى) في المسجد، والتي تتمّ بمرافقة القوات الأمنية الإسرائيلية.

هكذا بإيجاز، وهناك أمثلة كثيرة ولكن من غير المجدي أن نعرضها كلّها، النقطة الواضحة هي ادّعاء الأردنيّين أنّهم أصحاب السيادة على المسجد. هل هناك حقيقة لهذه الادّعاءات؟ هل هناك قوانين سارية المفعول للمملكة الأردنية على الحرم القدسي الشريف؟ لمن السيطرة فعليًّا على المكان الأكثر قداسة لليهود في القدس، ذلك الذي يتواجد في مركز دولة إسرائيل؟

الوقف: الذراع التنفيذية للمملكة الهاشمية

بعد حرب حزيران 1967، وبعد مرور مدّة قصيرة من سيّطرة إسرائيل على الحرم القدسي الشريف، تم نقل السيّطرة إلى أيدي العرب بقرار متسرّع من الحكومة، بمبادرة وزير الدفاع حينذاك، موشيه ديان. اليوم، هناك الكثير من الحظر على اليهود في محيط الحرم القدسي الشريف، مقابل المسموح به. لا يجوز لليهود الصلاة، السجود، إدخال أدوات الشعائر الدينية بل ورفع الأعلام الإسرائيلية في الحرم القدسي الشريف. من يجرؤ على فعل ذلك يتم إبعاده من المكان، وأحيانًا لعدّة أشهر ومن الممكن أيضًا أن يتمّ سجنه. الموقع مفتوح بشكل حرّ تمامًا لدخول المسلمين، بينما هو مقيّد للدخول أمام اليهود والمسيحيين لمدة ثلاث ساعات في اليوم، كما أنّ ذلك خاضع لتقديرات الشرطة الأولية.

أحد العوامل الأساسية لقيام هذا الوضع هو الذراع التنفيذية للمملكة الهاشمية في الحرم القدسي الشريف، الوقف: وهو هيئة تنفذ سياساتها وتقرّر الوضع في المكان بخصوص كلّ ما يتعلّق بالإجراءات وقواعد السلوك في منطقة الحرم القدسي الشريف. يقرّر الوقف بشكل حصري إجراءات الملابس والتغطية في المكان، بل ويدير بشكل مستقلّ أعمال البناء والحفريات في الحرم، من خلال انتهاك صارخ للقانون الإسرائيلي وإضرار متعمّد بأي أثر لوجود التاريخ اليهودي في المكان.

تفريق مظاهرة فلسطينية في المسجد الأقصى (Flash90/Sliman Khader)

تفريق مظاهرة فلسطينية في المسجد الأقصى (Flash90/Sliman Khader)

في أوائل شباط عام 2014، نشرت وكالة الأنباء "قدس برس" بيانات من قبل وزير الأوقاف الأردني عبد الحفيظ داود، تبيّن مدى تورّط الأردن في الحرم القدسي الشريف. أعلن الوزير بأنّه وافق على استثمار بنحو 532 ألف دينار (أكثر من 2 ونصف مليون شاقل) لترميمات المسجد الأقصى وقبّة الصخرة، كلّ ذلك كجزء من خطة على مدى خمس سنوات.

إضافةً إلى ذلك، أعلنت وزارة الأوقاف عن تعيين 29 شخصًا من رجال الوقف الإضافيين، الذين سينضمّون إلى 560 آخرين متواجدين من قبل في الحرم القدسي الشريف، بعضهم لأهداف "حماية مداخل حرم الأقصى من اليهود"، وبعضهم لمهام إدارية. يتلقّى جميع عمال الوقف أجورهم مباشرة من الحكومة الهاشمية.

وفي هذه المناسبة، أشار الوزير داود أن وزارته تستثمر كلّ عام نحو سبعة مليون دينار أردني (نحو 35 مليون شاقل!) لإدارة هيئات الوقف ورجالها في الحرم القدسي الشريف وترميمات المكان، وأشار أيضًا إلى استثمار ثلاثة ملايين ونصف دولار من الملك عبد الله الثاني بشكل خاص. وليس هذا فحسب، تبيّن أيضًا أنّ وزارة الأوقاف الأردنية تسيّطر كذلك بشكل مباشر على 40 مدرسة عربية في القدس، بواسطة ذراعها المباشر: الوقف.

الأردن يحدّد الطابع

 العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني (AFP)

العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني (AFP)

تقوم المملكة الأردنية في الآونة الأخيرة بإثارة التهديدات تجاه إسرائيل بخصوص الحرم القدسي الشريف. على سبيل المثال، في تشرين الأول 2013، وعلى خلفية نقاشات حول إمكانية إقامة الصلوات اليهودية في الحرم، هدّد وزير الأوقاف الأردني بأنّ خطوة كهذه مرفوضة تمامًا من قبل المملكة، وأنها فكرة خطرة و"لعب بالنار". وأضاف أنّ كل فكرة حول نقل مسؤولية الحرم القدسي الشريف من الوقف الأردني إلى وزارة الأديان الإسرائيلية "الاحتلال" هي فكرة إجرامية، وظلمٌ لا مكان له.

بعد شهر من ذلك تم النشر في الإعلام الأردني المحلّي بأنّ السلطات تلقّت توجّهًا من الحكومة الإسرائيلية وفيه طلب بإقامة الصلوات اليهودية في الحرم القدسي الشريف. في مقابلة مع صحيفة "الغد" الأردنية، قال المستشار الأردني للأماكن المقدّسة للإسلام والمسيحية في القدس، عبد الناصر نصّار، إنّ الأردن قد رفض الطلب الإسرائيلي، وأنّ حظر إقامة صلاة اليهود في المكان سيستمرّ.

وقد وقع حدث آخر في أواخر عام 2013، حين وضعت السلطات الإسرائيلية كاميرات أمنية في منطقة الحرم القدسي الشريف على أحد مباني المسجد الأقصى، بهدف مراقبة رجال الوقف وأعمال البناء غير القانونية التي تقوم في المكان برعاية الأردنيين. مرّة أخرى ردّ الأردنيّون بشكل فوريّ وبعد مرور عدّة أيّام طلب المتحدّث الرسمي للمملكة الأردنيّة بإزالة هذه الكاميرات. وقد ادّعى الأخير بأنّ هذا مسّ بحرية العبادة في المكان وبسلطة الوقف، وهو المسؤول الوحيد عن أمن المصلّين والسيّاح في المكان.

وقد فصّل المتحدّث وأوضح بأنّ الحكومة الأردنية سترفض كلّ محاولة إسرائيلية لتغيير الأوضاع التي قامت في إطار اتفاق السلام بين كلا الدولتين. علاوة على ذلك، فحين وضعت الكاميرات، دعا وزير الخارجية الأردني، حسين المجالي، السفير الإسرائيلي في الأردن إلى محادثة مستعجلة، وطلب منه نقل رسالة عاجلة إلى الحكومة الإسرائيلية تطلب إزالة الكاميرات فورًا، في إطار حقّ الأردن في الحرم القدسي الشريف. وكلّ ما نعلمه، أنه لا يوجد اليوم كاميرات داخل الحرم القدسي الشريف.

صمت إسرائيلي متأجج

مجموعة يهودية تقوم بزيارة الحرم القدس الشريف (Flash90/Sliman Khader)

مجموعة يهودية تقوم بزيارة الحرم القدس الشريف (Flash90/Sliman Khader)

حتى النقاش الذي كان مخطّطا أن يقام في الكنيست الإسرائيلية منتصف الأسبوع (الثلاثاء 25.2) بخصوص السيادة في الحرم القدسي الشريف، لم يتم في موعده الأصلي بسبب ضغوط أردنية. وقبل بضعة أيام من النقاش الذي تم تعيينه في شهر شباط، تمّ إخبار المملكة الهاشمية بإقامته. حينها أعلن رئيس الحكومة الأردنية نفسه، عبد الله النسور، بأنّه منذ الفترة التي كانت فيها إسرائيل ملزمة ببنود اتفاقية السلام مع الأردن عام 1994، فإنّها "لا تستطيع الانتقاء من الاتفاقية البنود التي تريدها، بما في ذلك بنود واضحة ومتفق عليها بشأن القدس". وعلى خلفية الكلام، دعا نواب البرلمان الأردني حكومتهم إلى العودة للخيار العسكري من أجل مواجهة دولة إسرائيل، وأيضًا إلى طرد السفير الإسرائيلي في الأردن، وإعادة السفير الأردني من تل أبيب.

وطوال تلك الفترة بقيت السياسات الحكومية حول موضوع الحرم القدسي الشريف غامضة تمامًا. علاوة على ذلك، رغم أنّ هناك وزارات حكومية تنشر في مواقع الإنترنت الخاصّة بها بأنّها المسؤولة عن الحرم القدسي الشريف، يتّضح بأنّها لا تملك أيّ بيان حول ما يحدث وأنّ الوقف هو الجهة الرئيسية في السيطرة الأردنية. إنّ سياسة الصمت والتستّر تحدث في جميع أروقة الجهات الرسمية في الدولة، بداية من أصغر شرطي وصولا إلى وزير الأمن الداخلي ورئيس الحكومة. ويبدو أنّ الوضع الحاليّ قائم بمقتضى الجمود، حيث إنّ كلّ انتهاك لحقوق المواطن اليهودي في الحرم القدسي الشريف وتستّر عن الأعمال غير القانونية للعرب تُفّسر بأنّها "حرص على سلامة المواطنين".

"الحرم القدسي الشريف بأيدينا"، هكذا أعلن موتيه غور، قائد اللواء 55، مباشرة بعد اقتحام المسجد في حزيران عام 1967. والآن، بعد 47 عامًا، حان الوقت لتتحمل دولة إسرائيل المسؤولية وتدلي بمضمون حقيقي في هذه القضية.

نُشر لأول مرة في موقع "ميدا"، موقع إنترنت إخباري وفكري يهدف إلى توفير المعلومات والمواقف غير الشائعة في الخطاب الإعلامي في إسرائيل للجمهور.