كان سقوط صنعاء، عاصمة اليمن، بأيدي الحوثيين في أيلول عام 2014 هو وتر البداية للحملة السعودية - العربية في اليمن. يحارب في اليمن اليوم تحالف عربي فضفاض من عشر دول: دول الخليج العربي ومعها عُمان، الأردن، مصر، السودان، المغرب وباكستان. هذا التحالف هو في الواقع جيش الوحدة العربية الأول في العصر الحديث، ويرجع نطاقه إلى عمليّتين: القلق المتزايد لدى الدول العربيّة من قدرة إيران على إملاء ما يحدث لها، كما فعلت في لبنان، سورية، العراق، وبشكل أقلّ في البحرين وقطاع غزة، والقوة السياسية المثيرة للإعجاب التي اكتسبتها السعودية.

تقود المملكة العربية السعودية اليوم في الواقع الدول العربية السنّية. قوّتها المالية الهائلة هي التي أكسبتْها هذه المكانة، ولكن أيضًا حربها الثابتة والمستمرّة ضدّ الطموح الإيراني في الهيمنة السياسية، العسكرية والدينية في الشرق الأوسط. هكذا أخذت السعودية على نفسها مهمّة قيادة العالم السُّني، والتي تمّ التخلّي عنها منذ عهد عبد الناصر.

إنّ جميع عناصر انهيار النظام السياسي القديم في الشرق الأوسط، والسعي لتصميم نظام جديد من داخل الفوضى، تجتمع معًا في الساحة اليمنية. منحت الميليشيات الحوثية، المصابة بحالة سكر من إنجازاتها وخصوصا منذ سيطرتها على صنعاء، قبل نحو ثلاثة أسابيع، إدارة ميناء الحُديدة، الثاني في حجمه باليمن، لشركة إيرانية. قبل يوم من ذلك، أجرى الحوثيون مناورة عسكرية واسعة على الحدود مع السعودية، كإشارة إلى استعدادهم لقتال السعوديين إذا قاموا بغزو اليمن. فهم السعوديون من ذلك أنّه فيما لو لم يرغبوا برؤية دولة أخرى تحت السيطرة الشيعية - الإيرانية على حدودهم، فعليهم أن يخرجوا للقتال. في 21 آذار، عقدت القيادة الأمنية السعودية اجتماعا سرّيّا مع ممثّلين من دول الخليج من أجل تنسيق تفاصيل العملية العسكرية في اليمن. بالنسبة لهذه الدول، فقد كانت الحجّة الحاسمة لصالح هذه العملية هي سيناريو التهديد بالسيطرة الإيرانية على مضيق باب المندب، والذي يسيطر على الدخول إلى البحر الأحمر والذي يمرّ من خلاله جزء كبير من صادرات النفط العربية.

ومع ذلك، كان قرار العملية العسكرية أيضًا كنتيجة لصراع قوى داخلية سعودية. فقد افتتحت وفاة ملك السعودية، عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، من جديد حرب التوريث السعودية. يُعتبر سلمان، الملك الجديد، ووليّ عهده، مقرن، آخر أبناء عبد العزيز ابن سعود، مؤسس المملكة والذي توفي عام 1953. لا يبدو متوسط العمر المتوقع للملك الجديد كبيرا بشكل خاصّ (يبدو أنّه مصاب بمرض الزهايمر)، وجيل الأحفاد يقوم بصقل السيوف. في الوضع الأفضل هناك الأمير محمد، نجل سلمان ووزير الدفاع في المملكة. سيضعه الانتصار في حرب اليمن في مكانة مفضّلة لخلافة مقرن. يمكننا الافتراض أنّ عشرات الأمراء الكبار في العائلة السعودية المالكة يتمنّون سرّا هزيمة بلادهم في حربها ضدّ إيران في اليمن، ممّا يمنع وزير الدفاع من أن يصبح خليفة لمقرن.

في الواقع اليمني المعقّد فإنّ احتمال فشل العملية العسكرية أكبر بالفعل من نجاحها. بداية، لم يخض الجيش السعودي معركة شاملة منذ 80 عاما، وهو يواجه ميليشيات معتادة على القتال تدافع عن منازلها وعائلاتها. ثانيًا، ستُدمّر الهجمات الجوّية للتحالف السعودي التي أودتْ وستودي بحياة الكثير من المدنيّين، بشكل نهائي البنى التحتيّة الموجودة في اليمن وستعيده عشرات السنين إلى الخلف. ليس بهذا الشكل سيتّحد معارضو الحوثيين خلف السعودية.

لم ترحّب اليمن بالسعوديين في الماضي. دعم السعوديون النظام الملكي في ستّينيّات القرن العشرين، ولكن انتصر الجمهوريون. دعم السعوديون عام 1994 مطالبة الحزب الشيوعي في اليمن بالحكم، وخسروا مرّة أخرى. في ثورة 2011، دعمت السعودية الإطاحة بالرئيس القديم، علي عبد الله صالح، لصالح الرئيس الحالي عبد الله ربه هادي منصور. ورغم أنّ السعوديين قدّموا علاجا طبّيا لإنقاذ حياة الرئيس المخلوع بعد محاولة اغتياله، ولكنّه لم يعترف بجميلهم: حيث يقاتل أنصاره اليوم، بقيادة نجله، إلى جانب الحوثيين. ويعتمد الحوثيون على العداء الذي يشعر به الكثير من اليمنيّين تجاه السعودية، التي عملت على إحباط ثورتين، في الستّينيّات وعام 2011، واللتين كانتا تهدفان بالنسبة لهم إلى بناء دولة يمنية أقوى من جميع مكوّناتها القبلية.

بعد عشرات السنين من الاستثمارات المالية الهائلة في اليمن، والتي كانت تهدف إلى تحقيق نفوذ حاسم للسعودية لدى جارتها الجنوبية، تعلّم السعوديون اليوم أنّه في دولة مثل اليمن قد يؤدي المال إلى استئجار النفوذ والأنصار مؤقّتا، وليس إلى شرائهم للأبد. قد يكتشف السعوديون أنّ أنصارهم اليوم سيصبحون أعداءهم اللّدودين غدًا، متقوّين بالمال والسلاح الذي منحته السعودية بنفسها لهم. ولكن الإيرانيين أيضًا قد يكتشفون أنّ اليمن هي مستنقع مُغرِق: فلا يُعتبر الحوثيين من المؤمنين بالمذهب الشيعي الحاكم في إيران. حتى لو نجحت إيران في مهمّتها المستحيلة للسيطرة على اليمن فستُضطرّ إلى التوصل لاتفاقات مع القبائل السنّية التي ستقلّص كثيرًا من نفوذها في البلاد. فضلًا عن ذلك، فإنّ حليف الحوثيين الرئيسي، صالح، لن يتردّد في توجيه أنصاره ضدّ الحوثيين عندما يتوقف هؤلاء عن خدمة أهدافه. وتعمل في الساحة اليمنية قوى أخرى. كل قبيلة كبيرة (وهناك الكثير منها) تمتلك ميليشيا مسلّحة، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية ما زال نشطا. في بداية الشهر حرّر عناصره 300 أسير، معظمهم من أعضاء التنظيم ذوي الخبرة، من السجن المركزي في حضرموت. وقد دمّر مقاتلو القاعدة أيضًا العديد من منشآت الحكومة، وأوضحوا للجميع بأنّهم أعداءهم الرئيسيون، يتقاتل الحوثيون والسعوديون الآن على الحكم، وستكون نهاية المنتصر الذي ضعُف واستنفد طاقته أن يقاتل القاعدة للسيطرة على اليمن.

تظهر اليمن كاختبار حقيقي للطموح السعودي في الهيمنة على الشرق الأوسط. سيمكّن إنشاء نظام سعودي جديد في اليمن السعوديةَ من توجيه جيش الوحدة العربية ضدّ دول أخرى متأثرة بالنفوذ الإيراني، ولكن الفشل سيجلب نتائج عكسية ضدّها. في الواقع، فإنّ الاحتمال الأرجح، على ضوء تعقيد المستنقع اليمني، هو أنّ استقرار السعودية في حدّ ذاته سيُقوّض.

نُشرت المقالة للمرة الأولى في موقع Canthink