أيام عصيبة تمر على قناة الجزيرة.

وقعت على القناة التلفزيونية، التي هناك من يقول أن لا مثيل لها في تأثيرها في العالم العربي، قد يكون في العالم بأسره، في الآونة الأخيرة سلسلة من الضربات التي قد تصدّع بقدر ملحوظ طموحها في إملاء جدول الأعمال السياسي في المنطقة.

كان طاقم الجزيرة في مصر من أول من شعر بتأثير استبدال السلطة في الدولة. بعد وقت قصير من الإطاحة بمرسي، اجتاحت قوات الأمن المصرية مكاتب القناة في القاهرة واعتقلت خمسة من العاملين فيها. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتهم أحد المعسكرات في دولة عربية قناة الجزيرة بانحيازها إلى المعسكر الخصم، غير أن هذه المرة هي إحدى المرات القليلة التي مُني فيها موقف المحطة، التي تعتبر "المحطة الأم" لمنظمة الإخوان المسلمين، بتعبير جارف عن نزع الثقة من قبل الجماهير.

وكما أسلفنا، فقد استغلت الجزيرة طيلة سنوات الثقة التي يكنّها لها عشرات ملايين المشاهدين في العالم العربي، بهدف توجيه الرأي العام العربي وفقا للسياسة الخارجية للعائلة القطرية الحاكمة وتفضيلاتها الشخصية. وقد تم تسجيل نزاع طويل، في موضوع القضية الفلسطينية، مع زعامة فتح، وعلى رأسها أبو مازن، بسبب تفضيل القناة الواضح لحماس - وهو الفرع الفلسطيني للإخوان المسلمين، وتخصيص وقت بث سخي لممثليه على اختلافهم. أما في سوريا، فيعرف الجميع أن الشبكة تخصص معظم موارد البث لديها بهدف إسقاط بشار الأسد، ومن دون نجاح حتى الآن. لقد أحدثت الحرب الأهلية في سوريا انشقاقًا بين الجزيرة وبين منظمة حزب الله، الذي كان يحظى في الماضي باحتضان حميم منها، وذلك بسبب وقوفه إلى جانب النظام السوري.

أما في إسرائيل التي تصل فيها القناة - بالإنجليزية وبالعربية - إلى منازل كثيرة، فهي تحظى بانتقاد لاذع، بسبب ما يُعتبر تشجيعا للجهات العنيفة والمتطرفة بين أوساط الفلسطينيين، وتغطية محرّفة جدًا مناهضة لإسرائيل. وكان مراسلو القناة في إسرائيل، لفترة طويلة، مقاطعون من قبل الجهات الحكومية الرسمية، حيث رفضوا التعاون معهم.

على الرغم من ذلك، هناك إحساس بأنه حتى انطلاق أحداث الربيع العربي، فقد بذلت القناة جهودها في الحفاظ، ظاهريا على الأقل، على التوازن ومنح المنصة للجميع، وفقا للشعار المشهور "الرأي والرأي الآخر".

غير أنه يبدو أن أسلوب تغطية الأحداث الأخيرة في مصر من قبل الجزيرة قد تخطى نوعًا من الخط الأحمر من النزاهة. وكادت المحطة، المعروفة بتعاطفها مع االإخوان لمسلمين، تخبئ مظاهرة المعارضة، بما في ذلك البث من أكبر مظاهرة في تاريخ مصر وإحدى أكبر المظاهرات في التاريخ العالمي، بتاريخ 30 حزيران هذه السنة، التي كانت قليلة نسبة إلى وقت البث المبالغ به التي تمنحه المحطة حين ترغب في دفع حدث ما قدمًا. وقد خصصت القناة أجزاء كبيرة خلال ذلك اليوم التاريخي لإعادات بث مستغربة وكان الشعور بوجه عام أنهم يرغبون تقييد التغطية إلى أدنى حد. وقد كانت الطريقة التي عرضت فيها الجزيرة الأحداث في مصر - بواسطة شاشة مقسمة كانت تعرض المظاهرات المؤيدة والمعارضة لمرسي، معدّة لتظهر وكأن الحديث يجري عن قوى متوازنة، على الرغم من أن هذا الأمر كان بعيدًا عن الواقع.

قد يكون لهذا الأمر تفسير بسيط. الإمارة الصغيرة التي وجه جنون العظمة أعمالها منذ سنوات يجب أن تحمي استثماراتها الاقتصادية. وحسب التقارير الواردة من الموقع الإسرائيلي ‏YNET‏، فقد أنفقت قطر نحو ‏7‏ مليارات دولار لتشجيع الجهات الإسلامية في مصر، ليبيا وتونس. هذا التبذير، الذي ترافقه مشاريع هائلة أخرى، مثل استضافة المونديال في العام 2022، شراء نوادي كرة قدم مثل باريس سان جرمان وماركات مشهورة مثل طيفاني، سوف يضطر إلى التوقف قريبًا جدا، هذا ما يقولونه.

ويقدر محللون اقتصاديون في الغرب، على فكرة، أن قطر من شأنها أن تنتقل من سيولة نقدية تكاد تكون غير محدودة إلى وضع عجز في الميزانية، في العالم 2015، الأمر الذي سوف يؤثر جدًا على قدرتها على شراء التأثير بالمال.

ثمة أهمية كبرى بطبيعة الحال لتوجه وتفضيلات حاكم قطر الجديد الأمير تميم بن حامد آل ثاني، الذي تنظر أعين العالم إليه. السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سيحافظ الحاكم الجديد على الخط "الإخواني" في محطة التلفاز، على الرغم من الانتقادات، أم أنه سوف يشعر في عملية تتخذ الجزيرة "محطة التلفاز التي تملك دولة" في نهاياتها منحىً أكثر حذرًا وتوازنًا.