إنها قصة إحدى الوحدات العسكرية الهامة والتي تحظى بتقدير كبير في الجيش الإسرائيلي. سنحاول إلقاء القليل من الضوء على غياهِب إحدى أعقد الوحدات في الجيش الإسرائيليّ، وحدة كوماندوس أصبح الكثير من ضباطها البارزين قادةً في دولة إسرائيل: إيهود باراك، بنيامين نتنياهو، شبتاي شافيت، داني يتوم، آفي ديختر، موشيه بوغي يعلون، وغيرهم الكثيرون.

هالة برّاقة

لم تحظَ أية وحدة في الجيش الإسرائيلي بالهالة التي حظيت بها سريّة هيئة الأركان. وهذا مذهل نظرًا إلى أنّ مجرد التلفظ باسمها الصّريح كان ممنوعًا قبل وقت غير طويل. فقد اعترف الجيش بوجود الوحدة فقط بعد "كارثة تسيئليم" (كيبوتس في غربي النقب الشمالي) عام 1992، حين قُتل ستة من جنودها أثناء التدرّب على عملية "شجرة العليق"، برنامج لاغتيال صدّام حسين، كُتم إثر الكارثة.

مثل كلّ البدايات، لم تكُن بداية "الوحدة" (كما لُقّبت لسنوات) سهلة. فقد أقامها المؤسّس، أفراهام أرنان، عام 1957 كوحدة فرعيّة للوحدة 154 في شعبة الاستخبارات، والتي كان اختصاصها تشغيل عملاء. وعُرّفت مهمّة السرية، التي تبقى سرًّا حتى اليوم، في بعض الكتب المنشورة في العالم بأنها "إخفاء أجهزة تنصّت ومُراقَبة في دول الأعداء".

في البداية، كانت هذه وحدة "مستعرِبة". وضمّ العاملون في الوحدة لدى إنشائها خريجي وحدات المستعرِبين في البلماح (سرايا الصاعقة)، جنودًا ذوي خبرة واسعة في مجالات الاستخبارات، وكذلك جنودًا منتخَبين من لواء المظليين. بعد سنة، عام 1958، نالت الوحدة استقلالًا ورقمًا (الوحدة 269)، وأصبحت وحدة استخبارات تابعة لشعبة الاستخبارات في الجيش. بعد 5 سنوات إضافية، عام 1963، بدأت الوحدة بتنفيذ أولى عملياتها الهامّة.

عملت الوحدة في سنواتها الأولى وفق النهج الإسرائيلي "عضو يجلب عضوًا". جلب خريجو الوحدة أصدقاء وأشقاء أصدقاء من "الكيبوتس" أو "الموشاف"، وكان الجوّ العام غير رسميّ، ودون أنظمة واضحة للتجنيد والتأهيل. وكان رئيس شعبة الاستخبارات العسكريّة حينذاك، مئير عميت، أول مسؤول محضها الثقة حقًّا ومنحها فرصة الإثبات أنه "فقط الجريء ينتصر"، شعار الوحدة المُستعار من الـ SAS (القوّة الجوية الخاصّة)، وحدة كوماندوس بريطانيّة.

"فقط الجريء ينتصر" شعار الوحدة (Israel Defense forces Flickr)

"فقط الجريء ينتصر" شعار الوحدة (Israel Defense forces Flickr)

وأعطى رئيس الأركان إسحاق رابين الوحدة دفعًا إضافيًّا، حين أتاح لقادة أمثال إيهود باراك قيادتها في عمليات تفوق الخيال. في حرب 1967، لم يجرِ تشغيلها لعدم تعريض جنودِها للخطر، لكنها قاتلت في حرب 1973 جنوبًا وشمالًا، وفقدت 12 مقاتلًا.

في هذه الأثناء، أنشأت الوحدة كتيبة إرهاب، مهمتها التعامُل مع عمليات للمساومة، وعبر أحداث كهذه عرف الشعب اسمها – بدءًا من عملية إنقاذ 105 مخطوفين إسرائيليين / يهود في إنتيبي بأوغندا؛ عملية "ربيع الشباب" عام 1973، التي هوجم فيها عدد من أهداف حركتَي فتح والجبهة الشعبية في بيروت وصيدا ردًّا على موجة إرهابية سببتها الحركتان في إسرائيل؛ السيطرة على طائرة "سافانا" المخطوفة في مطار بن غوريون وتحرير الرهائن؛ وحتّى خطف الشيخ الشيعيّ عبد الكريم عبيد، المسؤول عن نشاط حزب الله في جنوب لبنان، ورفيقه مصطفي الديراني، من قادة حركة أمل الشيعية. أمّا عملياتها الأهم، التي اكتسبت مجدها الحقيقي منها، فبقيت مكتومة.

نشاطٌ في غاية السرّيّة

كما سبق وفهمتهم، تبقى المهام المحددة للوحدة سرًّا. لكن ممّا يمكن أن يُروى يمكن الفهم أنّ مقاتلي الوحدة يعملون روتينيًّا وأثناء الطوارئ في عمليات خاصة تُعنى غالبًا بجمع استخبارات ذات أهمية. ويشمل النشاط العملياتي للوحدة نشاطًا حاذقًا، سرّيًّا، ويتطلب الجرأة، الخيال، والقدرة التنفيذية الفائقة.

معظم عمل الوحدة سريّ ولا يُكشَف علنًا، وكما يبدو سيبقى معظمه سرًّا سنواتٍ طويلةً بعد. يصعب الإشارة إلى عملية تميّز أكثر من غيرها نشاط الوحدة أو عمليّة تدين لها الوحدة بصيتها الذائع.

يُشير كثيرون إلى عملية "ربيع الشباب" – عملية لاغتيال قادة منظّمة التحرير الفلسطينية في بيروت عام 1973 – بصفتها الأكثر بروزًا. والحديث هنا عن صورٍ لإيهود باراك، رئيس الأركان، رئيس الحكومة ووزير الدفاع الإسرائيلي سابقًا، يرتدي فستانًا وصدرية نسوية للقيام بعمل تخريبي. في العملية المشتركة مع المظليين و"الشايطيت 13"، كان أداء سرية هيئة الأركان الأكثر سلاسةً.

في إحدى أجرأ العمليات في تاريخ الجيش الإسرائيلي، أغارت قوّات كوماندوس على بيروت وصيدا، لتغتال ناشطين في فتح والجبهة الشعبية. ورغم الخسائر التي مُني بها الجيش، فقد كانت العملية من أكثر العمليات نجاحًا في تاريخه.

تمّ تحديد 5 أهداف لعملية "ربيع الشباب"، كان الأهم بينها، الذي دُعي "أفيفا"، مبنيَين من 7 طوابق في شارع فردان، في قلب المنطقة الإسلامية في بيروت، التي سكن فيها مسؤولون بارزون في فتح. بعد ساعة من منتصف الليل، وصل إلى الشارع في سيّارات (يقودها رجال الموساد) 14 من مقاتلي سريّة هيئة الأركان، بينهم إيهود باراك، متخفين في زيّ نساء، وبعضهم بينهم يوني نتنياهو (شقيق رئيس الحكومة) في زيّ رجال مُسلمين. متخفين بالمظهر "الرومانسي"، اخترق قسم من المقاتلين المباني واغتالوا عددًا من قياديّي فتح، بينهم يوسف النجار، الملقَّب بأبي يوسف والذي كان أحد نوّاب ياسر عرفات، كمال ناصر، شاعر فلسطيني والناطق بلسان فتح الذي كان مقرَّبًا جدًّا من عرفات، وكمال عدوان، قياديّ خبير كان مسؤولًا عن عددٍ من العمليّات الإرهابيّة في إسرائيل والعالَم.

خلال العملية، اكتُشفت القوّة، وبات تنفيذ المهمّة صعبًا جدًّا. رغم ذلك، نجح المقاتلون في إخفاء الـ 120 كيلوغرامًا من الموادّ المتفجرة التي معهم في الأماكن التي أرادوها، وخلال انسحابهم فجّروا المبنى بمَن فيه، ما أدّى إلى مقتل العشرات من رجال فتح في الانفجار.

نشاط يفوق أيّ خيال

كلّما زادت المشاكل بين الجيش الإسرائيليّ والفلسطينيّين، فهمت سريّة هيئة الأركان العامّة أنّ بين المهامّ العديدة المُعدّة لها مهامّ وراء حدود العدوّ. وتجسّد قصة اغتيال "أبي جهاد"، أحد مؤسسي حركة فتح الذي كان نائبًا لياسر عرفات ورئيسًا للجناح العسكري في منظمة التحرير، أكثر من أيّ شيء آخر جرأة السريّة في المخاطَرات.

بدأت قصة اغتيال أبي جهاد عام 1988. في تلك السنة، خطف إرهابيون حافلةً لعاملات "الكرياه للبحث النووي" في ديمونة. قبل اغتيالهم، قال أحدهم: "أبو جهاد أرسَلنا". كان هذا كافيًا لتبدأ سرية هيئة الأركان، بمساعدة الموساد، في التعرُّف إلى الأبواب والنوافذ في فيلّا خليل الوزير في تونس، حيث أقام أبو جهاد.

معظم عمل الوحدة سريّ ولا يُكشَف علنًا (Israel Defense Forces Flickr)

معظم عمل الوحدة سريّ ولا يُكشَف علنًا (Israel Defense Forces Flickr)

وفق تقارير أجنبية، أنزلت "شايطيت 13" (وحدة الكوماندوس البحرية) مقاتلي السرية على الساحل التونسي. هناك انتظرهم رجال الموساد بقيادة بوغي يعلون، الذين قادوا القوة نحو الفيلّا. وتضيف التقارير نفسها أنّ إيهود باراك، نائب رئيس الأركان إذّاك، أدار العملية من قارب قذائف وسط البحر. بدايةً، اغتيل الحارسان، وكذلك البُستانيّ، الذي خرج إلى الساحة لسوء حظه، بمسدسات كاتمة للصوت. فهم أبو جهاد أنّ أمرًا ما يحدث فصوّب مسدَّسًا، لكنه قبل أن يتمكّن مِن إطلاق النّار، أفرغ عليه أحد المقاتلين مستودعًا كاملًا من الرصاص.

تروي أمّ جهاد في مقابلة حصريّة مع برنامج التحقيقات "عوفداه" الذي بُثّ قبل نحو سنة (2012) أنّ مقاتلًا إضافيًّا وصل بعد ذلك، وأطلق النار مجدّدًا على أبي جهاد المُلقى على الأرض. بعده، جاء آخر أطلق النار هو الآخر. ولم يتنازل مقاتلان آخران فأطلقا طلقةً أخرى للتأكًّد، ثم وصل مَن بدا القائد، نظر إلى الجثّة التي كانت مثقوبة بنحو 70 رصاصة، قلبها، وتيقّن من القتل برصاصة أخرى في الرأس. في هذه المرحلة، يبدو أنّ جميع الحاضرين تأكدوا من وفاة أبي جهاد، فغادروا، ولكن ليس قبل أن يجمعوا وثائق من مكتب الرجل الذي قاد عمليات إرهابية لا تُحصى ضدّ أهداف إسرائيليّة ويهوديّة في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

مع ذلك، ليس كل شيء برّاقًا

بين عمليات سريّة هيئة الأركان الهامّة، ثمة إخفاقات غير قليلة. وهنا أيضًا ساد إجماعٌ واضح بين قدامى الوحدة: العملية الفاشلة لتحرير نحشون فاكسمان هي الأكثر إشكاليّةً.

في تشرين الأول 1994، خطف أربعة من ناشطي حماس كانوا متنكرين بزي يهود متديّنين الجنديّ نحشون فاكسمان، الذي صعد إلى سيارتهم ليوصلوه إلى غايته في أحد المفارق في تل أبيب. قادوه إلى فيلا استأجروها مسبقًا في بير نبالا، شمال القدس. بعد يومَين، نُشر تسجيل هزّ الدولة: فاكسمان، مع فوّهة كلاشنكوف ملتصقة برأسه يقول: "الشبان من حماس اختطفوني". بعد ذلك، يشرح الخاطفون مطلبهم بتحرير أسرى.

في السنوات الأخيرة، ظهر نقد للوحدة لكونها تنفرز عن الجيش (Israel Defense Forces Flickr)

في السنوات الأخيرة، ظهر نقد للوحدة لكونها تنفرز عن الجيش (Israel Defense Forces Flickr)

فعل الشاباك كلّ ما في وسعه ليعرف أين يُحتجَز فاكسمان. أشارت معظم القرائن إلى قطاع غزّة. بعد مجرّد أربعة أيام من الاختطاف، نجح رئيس منطقة القدس في الشاباك في القبض على أحد الخاطفين. بعد أن حقق معه الشاباك لساعاتٍ، نجحت القوات في الحصول على عنوان احتجاز الجنديّ منه.

كان أمام سرية هيئة الأركان 12 ساعة للاستعداد للعمليّة. عرض قائد الوحدة، ران شاحور، برنامجًا على قائد "يهوذا والسامرة"، اللواء شاؤول موفاز. وفق البرنامج، كان يُفترَض أن تقتحم قوّتان بالتوازي بابَين حديديَّين يؤديان إلى غرفة احتجاز فاكسمان، لمفأجاة الخاطفين واغتيالهم قبل تمكنّهم من إيذاء الجنديّ. عند التنفيذ، تأخرت إحدى القوّتَين في اقتحام الباب، فيما اقتحمت القوة الأخرى الباب الثاني.

حتّى تمكّنوا من فتح الباب الثاني (باستخدام قنبلة)، فقدوا عنصر المفاجأة. صحيح أنّ الإرهابيين قُتلوا، لكنّ فاكسمان أيضًا لم يكُن على قَيد الحياة.

تظهر أفضلية "سرية هيئة الأركان العامّة" في الرغبة للتجنًّد، في المسار، وفي النتائج العملياتية. العمليات الواضحة التي يمكن ذكرها هنا هي مجرّد جزء صغير من نشاط خفيّ، له أهمية استراتيجية في أمن إسرائيل. طالما كانت هذه العمليات جريئة، بعيدة، معقدة، ورائدة، من الناحتَين العملياتية والتقنيّة على حدّ سواء.

في السنوات الأخيرة، ظهر نقد للوحدة لكونها تنفرز عن الجيش. وخلافًا للماضي، فهي لا تخدُم مكانًا لتنشئة الضباط. رغم ذلك، يقدّر اختصاصيون عسكريون أنها ستخدم إسرائيل في حروبها في السنوات القادمة.