اندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس في غزة في أعقاب عددٍ من الأحداث، شملت اختطاف الشبّان وقتلهم، عمل الجيش الإسرائيلي في "إعادة الإخوة" (شوفو أحيم) بما في ذلك اعتقال عدد من المُطلَق سراحهم في صفقة شاليط، القتل الانتقاميّ للشابّ العربيّ، والهيجان جرّاء هذه الأحداث.

تُظهر حركة حماس تصميمًا في قتالها ضدّ إسرائيل، في ظروفٍ إقليمية متغيّرة. تهدف هذه المقالة إلى الإشارة إلى أنّ ثمة مدماكًا اقتصاديًّا هامًّا في عملية "الجرف الصامد" - تموز 2014، هو الوضع الاقتصادي في القطاع. لهذا السبب، المدماك الاقتصادي حاسم أيضًا في أيّ حل قابل للحياة.‎ ‎

الوضع الاقتصادي في غزة عشيّة الحرب

طفل فلسطيني أمام مقر الأونروا في قطاع غزة (Flash90/Abed Rahim Khatib)

طفل فلسطيني أمام مقر الأونروا في قطاع غزة (Flash90/Abed Rahim Khatib)

يقطن في غزة 1.76 مليون نسمة في كثافة سكّانية هي الثالثة في العالم - نحو 4800 إنسان في الكيلومتر المربَّع. البنى التحتيّة في غزة وضعُها مُتردٍّ، ولذلك حتّى في الأوقات العاديّة ثمة توقّف وتشويشات في أنظمة حيوية كالكهرباء، الماء، والصّرف الصحيّ. في سوق العمل بطالة مرتفعة، إذ كانت نسبة البطالة نحو 41% في الربع الأوّل من عام 2014 لأبناء 15 عامًا فما فوق، مقابل 26% في الضفة. بين الشبّان الذين يبلغ عمرهم 15 - 29 عامًا، يُشارك 39% فقط في القوّة العاملة، بينهم 32% يعملون، 10% في بطالة مُقنَّعة، و58% عاطلون عن العمل. أمّا المعطيات الموازية في الضفة الغربية فهي: 42% مشاركة، بينهم 63% يعملون، 9% في بطالة مُقنَّعة، و29% عاطلون عن العمل.

يقطن في غزة 1.76 مليون نسمة في كثافة سكّانية هي الثالثة في العالم

في ظروفٍ كهذه، لا إمكانية للإنتاج على نطاق ذي مغزى. وفق معطيات البنك الدولي، الناتج للشخص في غزة هو نحو 1500 - 1600 دولار سنويًّا، مقابل نحو 3100 - 3200 دولار في الضفة. في التصنيف العالميّ، غزة موجودة في المرتبة 174 بين 223 دولة. بالمقارنة، في إسرائيل، الموجودة في المرتبة 32 في هذا التصنيف، الناتج هو نحو 36000 دولار للشخص في السنة.

بالتالي، معطيات الفقر هي: 39% دون خطّ الفقر (مقارنة بـ 18% في الضفة)، علمًا أنّ خطّ الفقر يبلغ 2293 شاقلًا جديدًا شهريًّا لأسرة من خمسة أنفار. أمّا الذين يرزحون تحت فقر مدقع فيبلغون 21% (مقارنةً بـ 8% في الضفة)، إذ يبلغ خطّ الفقر المدقع 1832 شاقلًا جديدًا شهريًّا. ليس صعبًا فهم مستوى الحياة الممكن حين يبلغ دخل كلّ نسمة 400 شاقل جديد شهريًّا (نحو 4 دولارات في اليوم).

الوضع الاقتصادي كمُحرِّك للحرب

أطفال غزيون يعملون لكسب لقمة العيش (Flash90/Ahmad Kateib)

أطفال غزيون يعملون لكسب لقمة العيش (Flash90/Ahmad Kateib)

بادئ ذي بدء، كثيرًا ما تدفع الضائقة الاقتصادية الأمم إلى مواجهة عسكرية أو عدوانيّة أخرى. ثانيًا، تَدَهْوَرَ الوضعُ الاقتصادي، السيء أصلًا، في الفترة الأخيرة، مع انتقال السلطة في مصر وعمل النظام الجديد ضدّ الأنفاق والمعابر، وتشديد إسرائيل الخناق على غزة. في الواقع، تُعاني غزة من عقوبات اقتصادية قاسية من مصر وإسرائيل. وثالثًا، فضلًا عن القيود على الاقتصاد عامّةً، طرأ هبوط على الدعم الماليّ لحماس من جانب إيران وسوريا، ما أدّى إلى صعوبة في تسديد الرواتب في القطاع العامّ في غزة.

وفق معطيات البنك الدولي، الناتج للشخص في غزة هو نحو 1500 - 1600 دولار سنويًّا، مقابل نحو 3100 - 3200 دولار في الضفة. في التصنيف العالميّ، غزة موجودة في المرتبة 174 بين 223 دولة

ليس صُدفةً أنّ مطالب حماس في المفاوضات حول وقف إطلاق النار، كما في المفاوضات مع فتح حول تأليف حكومة مصالحة، تطرّقت إلى "الحصار" على غزة وفكّه. الأنفاق إلى سيناء هي ردّ الفعل "الطبيعيّ" على حالة العزل الاقتصادي. ويُحتمَل جدًّا أن تكون الأعمال التي آلت إلى تفاقُم هذا الوضع وغياب حلول له، عائدةً إلى أخطاء في سياسة إسرائيل.

دور الديمغرافية

نسبة اليطالة في قطاع غزة يصل ال- 40% (Flash90/Wissam Nasser)

نسبة اليطالة في قطاع غزة يصل ال- 40% (Flash90/Wissam Nasser)

السكّان في غزة شبّان إلى حدّ كبير: فالجيل المتوسّط هو 17 عامًا؛ وثلاثة أرباع السكّان هم دون التاسعة والعشرين. معظم السكّان لا يعرفون بلادهم سوى كمكان تراجُع اقتصادي وصراع مع إسرائيل.

عشيّة الانتفاضة الأولى (كانون الأول 1987)، عمل أكثر من 50% من رجال غزة في إسرائيل، التي شكّلت مصدر دخل هامًّا للاقتصاد الغزيّ. مذّاك، حدث عدد من المواجهات الدمويّة (الانتفاضة الثانية، حرب لبنان الثانية (حرب تموز)، وعمليّتا "الرصاص المصبوب" و"عمود السحاب"). احتمالات انخفاض شدّة المواجهة، ناهيك عن احتمالات السلام، تنخفض مع تراكُم هذه الأحداث في ذاكرة السكّان الشبّان.

اقتراحات لحلّ قابل للحياة

أحد المقاييس الأهمّ للحلّ هو التحسّن الملحوظ في الوضع الاقتصادي. إذا كان للغزيّين ما يخسرونه، ينخفض كثيرًا استعدادُهم للمواجهة. على الحلّ البعيد المدى أن يشمل تغييرًا أساسيًّا في الظروف الاقتصادية السائدة في غزة. ويمكن أن يؤدي الازدهار الاقتصاديّ إلى انخفاض في قوّة حركة حماس والحركات الإسلاميّة الأخرى. ‏

عشيّة الانتفاضة الأولى (كانون الأول 1987)، عمل أكثر من 50% من رجال غزة في إسرائيل، التي شكّلت مصدر دخل هامًّا للاقتصاد الغزيّ

لدى غزة إمكانيّات اقتصادية: تطوير السياحة على طول الساحل، تطوير الخدمات (بما فيها الدخول إلى مجالات التقنيّة المرتفعة كما حدث بين عرب إسرائيل في الشمال)، واستخراج الغاز (إثر اكتشاف حقل غاز بحريّ كبير عام 1999). على المديَين القصير والمتوسّط، يمكن توجيه استثمارات كبيرة وتشغيل عمّال في مجال تطوير البنى التحتيّة الماديّة والخدمات العامّة.‎ ‎

من الحيويّ التشديد: يُقصَد بـ "التغيير الأساسيّ" التقدُّم حقًّا، وليس فقط "تخفيف الحصار" وفتح بعض المعابر إلى حدٍّ ما. يُطلَب إنشاء تقنيات دولية جديدة لتطبيق التغيير، تستلزِم توافُق دول وهيئات دوليّة للتقدُّم للمهمّة. القصد هو إنشاء هيئات هادفة ذات قوى بشريّة ومعرفة مهنيّة. إذا لم تنَل الأمور تجسيدًا تفصيليًّا مُحدَّدًا ومَحسوسًا، فستتلاشى ولن يحدث التحوُّل المطلوب.

مِن أجل تحقيق ذلك، تُطلَب المكوّنات الخمسة التالية: التدخُّل الدولي؛ الترميم وبناء البُنى التحتيّة؛ التمويل، الإشراف على الإنفاق، والأمن.

التدخُّل الدولي

لن تتقدّم الأمور إذا كانت العناصر الفاعلة في المنطقة حتّى الآن في الإقليم صاحبة الكلمة الفصل. فوحدها التغطية الدولية التي تُؤمِّن الهدوء وتمنح المهارات اللازمة تُتيح التغيير الكبير المطلوب.

الترميم وبناء البُنى التحتيّة

يحصل أغلب سكان القطاع على كهرباء فقط لنصف ساعات اليوم (AFP)

يحصل أغلب سكان القطاع على كهرباء فقط لنصف ساعات اليوم (AFP)

في موازاة ترميم ما هُدم في تموز 2014، يجب بدء ترميم البنى التحتيّة وإنشاء البنى التحتيّة الناقصة. يمكن أن تُنشئ هيئة دوليّة، مثل البنك الدولي، قوّة مهمّة تستطلع الوضع وتُحدِّد سلّم أولويّات وفق الزمن. يمكن التوقّع أنه خلال 3 سنوات (من بدء العمل)، يمكن جعل غزة مكانًا معقولًا من جهة البنى التحتيّة الاقتصاديّة، وخلال 6 - 8 سنوات مكانًا جيّدًا. على سبيل المثال، يمكن أن يحدث ذلك بتشغيل العُمّال المحليّين العاطلين عن العمل. من الهامّ جدًّا أن تكون الآليّة تحت سيطرة دوليّة، تستخدم خبراء خارجيين، وتنشر عملها بشكلٍ واضح وشفّاف. سيعزِّز النشر التغيير الحيويّ في الوعي للتقدّم الاقتصادي في القطاع.

فضلًا عن كلفة ترميم المنازل والمباني التي هُدمت، ثمة حاجة إلى استثمار في البنى التحتيّة بمقدار نحو 800 مليون حتّى مليار دولار سنويًّا في كلٍّ من السنوات الثلاث القادمة، واستثمار نحو نصف مليار دولار سنويًّا في السنوات الثلاث - الخمس التي تليها. سيكون بناء المنازل والمباني التي هُدمت بمستوى أعلى بكثير ممّا كانت عليه قبل هدمها خُطوة إيجابية؛ فيمكن أن يغيّر هذا العمل إيجابًا دعم السكّان للنموّ الاقتصادي.

التمويل

على الحلّ البعيد المدى أن يشمل تغييرًا أساسيًّا في الظروف الاقتصادية السائدة في غزة. ويمكن أن يؤدي الازدهار الاقتصاديّ إلى انخفاض في قوّة حركة حماس والحركات الإسلاميّة الأخرى

يأتي تمويل تطوير اقتصاد غزة من الدول العربية والدول الغربية الغنيّة. من الحيويّ وجود تنوُّع من الدول المانِحة، لتبديد المخاطر. في البداية، يمكن فعل ذلك عبر صندوق طوارئ بإدارة البنك الدولي. على المديَين المتوسّط والطويل، يمكن إنشاء مصرف يهدف إلى تطوير غزة، وفق معيار المؤسسات الموازية في العالم، على سبيل المثال مثل المؤسسات التي أُنشئت في أوروبا الشرقية في التسعينات بُعيد انهيار الكتلة السوفياتيّة.‎

الإشراف على الإنفاق

إنّ إحدى القضايا المركزيّة هي خشية إسرائيل من أن يجري استغلال الأموال المنقولة إلى غزة لأهدافٍ عسكريّة. تجسّدت هذه الخشية، بشكلٍ بارز، في استخدام موادّ البناء لإنتاج أنفاق الإرهاب (تحت الحصار الإسرائيلي). جرى حلّ هذه المسألة في حالات مشابهة. فحين اكتشف البنك الدولي وهيئات مؤسّسية أخرى أنّ المساعَدة لم تصل إلى غايتها، أنشأوا تقنيّات لنقل المساعَدة بشكلٍ مباشرٍ إلى هدفها، عبر اشتراط الحصول عليها بمراحل تقدُّم المشاريع. يمكن تطبيق هذه المنهجيّات في حالة غزة أيضًا، عبر عناصِر عربيّة مُعتدِلة وعناصِر دوليّة.

الأمن

لا يُمكِن تطبيق الخطوات المذكورة آنفًا إذا نشبت جولات عُنف. ويمكن أن تشكّل قوّة الشرطة الدوليّة مساعَدةً كبيرة في السنوات الأولى، لا سيّما إذا تعاونت مع الآليّات التي جرت مناقشتها أعلاه، مثل قوّة المهمّة التابعة للبنك الدوليّ.‎ ‎

في الخِتام، يجدر ذِكرُ أنّ نشاط رئيس الحكومة الفلسطينية سلام فيّاض، في الضفة الغربية بين عامَي 2007 و2013، دليل على أنّ التقدّم الاقتصاديّ الملحوظ ممكن حين تُدير عناصر مهنيّة الإجراءات.

إنّ فكرة كون التقدّم الاقتصاديّ يمنع حربًا راسخةٌ في أوروبا، وجرى تطبيقُها بنجاحٍ في النصف الثاني من القرن العشرين. جرى ذلك بعد أن شهد النصف الأوّل من القرن حربَين عالميّتَين. والعكس صحيح أيضًا: تؤول الضائقة الاقتصاديّة إلى النزاع وسفك الدماء.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع INSS‏‏