قالت جهات في حركة حماس، في نهاية الأسبوع: "إن رئيس المكتب السياسي للحركة، خالد مشعل، سيقوم بزيارة إلى إيران خلال الأيام القريبة القادمة". بالمقابل قالت مصادر في قطاع غزة: "إن قيادات حماس تتشاور فيما بينها حول إمكانية استئناف العلاقات مع إيران". صحيفة "الأخبار" اللبنانية نشرت تقريرًا تحدثت فيه عن أن المكتب السياسي لحماس سينتقل قريبًا من الدوحة إلى طهران، خاصة وأن مشعل لم يعد معنيًا بمواصلة الإقامة في قطر في ظل حالة الحصار التي يعيشها هناك. التقارير حول التقارب بين إيران وحماس ليست جديدة، لكن يبدو أن سقوط نظام الإخوان في مصر سمح للجانبين بإعادة ترميم العلاقات بينهما، والتي تضررت تضررًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا في ضوء الاختلافات في المواقف حول الأزمة السورية.

ويعود تاريخ العلاقات الحمساوية ـ الإيرانية إلى بداية سنوات التسعينات، حيث أقامت إيران علاقات قوية ودائمة مع حركة حماس. وفي أعقاب إبعاد 415 ناشطًا من نشطاء حماس والجهاد الإسلامي من إسرائيل إلى لبنان، بدأت إيران في تقديم المساعدة المالية واللوجستية إلى الحركة. المساعدة الإيرانية لحماس اتسعت اتساعًا كبيرًا في أعقاب سيطرة الحركة على قطاع غزة في شهر حزيران من العام 2007. واعتبرت إيران حكم حماس في قطاع غزة بأنه رافعة مهمة لإدارة الصراع المسلّح ضد إسرائيل، ووسيلة لزيادة تدخلها وتأثيرها في الساحة الفلسطينية في إطار مساعيها التي تهدف إلى الهيّمنة على المنطقة. ومنذ 2007 قامت إيران بدعم حماس عسكريًا وماليًا، ووصل هذا الدعم إلى مئات الملايين من الدولارات سنويًا إلى جانب الدعم والمساندة السياسية والإعلامية.

لكن الحرب الأهلية في سوريا تسببت بحالة من القطيعة بين إيران وحماس. الانتفاضة في سوريا، التي تعتبر حليفة استراتيجية ومهمة لإيران في العالم العربي، أثرت تأثيرًا سلبيًا على تماسك "معسكر المقاومة" بقيادة إيران. ففي الوقت الذي زادت فيه إيران من تدخلها في سوريا، وقامت بدعم نظام الرئيس الأسد، تعاملت حركة حماس مع الموقف بصورة معاكسة وأعلنت عن دعمها للمعارضة السورية. وفي شهر آذار من العام 2012 أعلن القيادي الحمساوي في قطاع غزة، صلاح البردويل، في مقابلة مع صحيفة "الجارديان" البريطانية، أن حركته لا ترغب في التدخل في حال اندلعت حرب بين إسرائيل وإيران. أسبوعان قبل تصريح البردويل في "الجارديان" البريطانية، وجّه رئيس وزراء حماس في القطاع، اسماعيل هنية، انتقادات لاذعة ضد طهران معلنًا دعمه لمعارضي الرئيس السوري. انتقادات هنية لطهران جاءت من على منبر جامع الأزهر في القاهرة. وسائل الإعلام الإيرانية اعتبرت موقف حماس في أعقاب هذه التصريحات التي تتضارب مع المواقف الإيرانية، بأنه "خطأ استراتيجي"، وحذرت وسائل الإعلام الإيرانية القيادات الحمساوية من أن السياسة التي يتبعونها تؤثر بصورة كبيرة على مكانة الحركة في إيران، وتضحي بإنجازات المقاومة العسكرية في سبيل وعود كاذبة من جانب قيادات دول الخليج.

خيبة الأمل الإيرانية من مواقف قيادات حماس، كان يمكن ملاحظتها بوضوح في رد طهران على حملة "عمود السحاب" في غزة في شهر تشرين الثاني من العام 2012. مسؤولون إيرانيون أشاروا في ردودهم على حملة "عمود السحاب" إلى أنها "انتصار الفلسطينيين" وأنها "إذلال الإسرائيليين"، لكن وسائل الإعلام الإيرانية استغلت هذه الفرصة من أجل تصفية الحساب مع قيادات حماس والطلب من تلك القيادات إعادة النظر في السياسة التي يتبعونها. ساعات قليلة بعد وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، نشرت صحف إيرانية مقالات وتحليلات وجهت انتقادات ضد قيادات حماس بسبب سياستهم التي وصفت بـ "الخائنة" اتجاه إيران. وفي تقرير نُشر في موقع التيار المحافظ في إيران "تشارت نيوز" تحت عنوان "سيد مشعل، سيد هنية، أين قطر، أين تركيا"؟. دعا التقرير قيادات حماس إلى تعلم الدرس من المساعدات التي قدمتها إيران للحركة خلال القتال، وحقيقة خيانة الدول العربية لها وأن تعود إلى جبهة المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل.

سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر أعاد تجديد الأمل لدى طهران بإمكانية إعادة ترميم العلاقات مع حركة حماس. إيران التي تواجه تحديات استراتيجية حقيقية في الساحة الإقليمية والدولية معنية بإعادة العلاقات مع حركة حماس إلى ما كانت عليه سابقًا. تطورات السنوات الأخيرة في العالم العربي، وتراجع قوة النظام السوري وتصاعد الخلافات بين إيران ودول الخليج، هذه التطورات جميعها تؤثر سلبًا على قدرة إيران في التأثير على ما يجري في المنطقة. استئناف العلاقات مع حماس يمكن أن يسمح لطهران بالعودة من جديد إلى دائرة التأثير في قطاع غزة، وزيادة تأثيرها في الساحة الفلسطينية بالإضافة إلى إعادة تقوية وتماسك معسكر المقاومة تحت قيادتها. حماس من جانبها، تدرك مدى احتياجها لإيران أكثر من أي وقت مضى، سواء من الناحية المالية أو العسكرية، بعد أن فقدت الحركة الدعم الاستراتيجي التي كانت تحصل عليه من مصر بعد سقوط نظام الإخوان.

صحيح أن التقاء المصالح بين إيران وحماس يخلق فرصة للتقارب من جديد بينهما، لكن من الصعب أن يكون هذا الالتقاء في المصالح كاف من أجل "ردم الهوة" بين مواقف الطرفين. فاختلاف الآراء والمواقف بين إيران وحماس على خلفية الأزمة السورية سيتواصل في المستقبل القريب. كما أن أي تقارب مع إيران قد يؤثر سلبًا على علاقة حماس مع تركيا وقطر، خاصة وأن الحركة حريصة على المحافظة على تلك العلاقات. كما أن تقارب حمساوي مع إيران قد يزيد من حالة التوتر في العلاقة بين حماس والنظام المصري الجديد وأيضًا قد يؤثر سلبًا على صورة الحركة في الساحة الإقليمية والدولية. ففي الوقت الذي تحاول وتسعى فيه إيران إلى إعادة حماس إلى معسكر المقاومة، ترى حماس أن هناك أهمية كبيرة لحفاظها على حرية العمل ومن المستبعد أن تكون حماس على استعداد للموافقة على "احتضان إيراني" بشكل يضر باستقلالية نشاطها. لكن، من غير المستبعد أن يكون هناك تقارب إيراني ـ حمساوي، لكن هذا التقارب سيمتاز بالبطء والتدرج وستعمل حماس على المحافظة على حرية عملها ونشاطها وستسعى إلى تحسين علاقاتها مع عناصر قوة أخرى في المنطقة كتركيا وقطر.