لقد استطلعتُ مقالا كُتب في السنة الماضية يتناول المعطيات الصعبة التي تتطرق إلى العنف الجنسي،‏‎ الذي تواجهه النساء في مصر، والذي ازدادت حدته بعد سقوط حكم حسني مبارك. ‎ ولكن إلى جانب الصورة المظلمة هناك نقاط ضوء. أهمها هي تجنّد النساء المصريات للعمل الاجتماعي الذي سيُغيّر الواقع.

لقد تطورت في مصر في غضون فترة قصيرة مبادرات اجتماعية حظيت بأسماء مختلفة مثل "خريطة التحرش": "افضح متحرش"،  "امسك متحرش"، "قوة ضد التحرش"، "نَفْسي" "بُصي"، وغيرها. لم يكن بوسع النشاط النجاح لولا المنظمات الاجتماعية التي شكلت البني التحتية لنموه. طيلة سنوات، عمل المجتمع المدني، ولا سيّما مجموعة غير صغيرة من منظمات النساء، على اجتثاث ظاهرة العنف الجنسي في مصر، بموجب رؤيا دفع تغيير الوعي والتغيير الاجتماعي قدما على الأمد الطويل. بدءا من عام 2010، نجحت هذه المنظمات في إدخال النقاش النسوي بين أوساط آلاف الرجال والنساء في مصر، بفضل عملها ضد العنف الجنسي وعلاج أشكاله المختلفة.‎  ‎

‏‎"‎خريطة‎" التحرشات" ‎‏‏‎ ‎‏هي مجموعة مثيرة للاهتمام بشكل خاص. لقد أسستها ريفكا تشاو‎  وهي ناشطة رائدة في منظمات المجتمع المدنيّ في مصر منذ عام ‏2005‏. قررت تشاو وزميلاتها اللواتي تعرضن إلى العنف الجنسي في مصر يوميا، العمل ضد الظاهرة. في عام 2010،  تبنى مركز حقوق المرأة المصرية المبادرة، وبمساعدته أطلِق تطبيقا محوسبا وفعالا يتيح لكل مواطن/ مواطنة إبلاغ السلطات لتنفيذ القانون وطواقم ميدانية من المتبرعين عن حالات العنف الجنسي في المجال العام. تعمل هذه الطواقم أيضا في الأحياء المعرّضة كثيرا للخطر والاعتداءات في المدن؛ تعثر على الشخصيات من الرجال والنساء التي تلعب دورا رئيسيا، تدفع النقاش حول التحرشات الجنسية قدما بلغة تلائم كل شخص، وتكسر الصمت والموافقة على الظاهرة.

ليس أن المبادرة تنتج "منطقة خالية من العنف الجنسي" في المجتمع المحلي فحسب، بل إنها تساهم في رفع الوعي العام حول الظاهرة. من المعتاد التفكير أن التحرشات الجنسية في مصر تحدث في مناطق وحالات معينة، لكنها شائعة في كل مكان وحالة - في الأحياء النائية، الحوانيت بقرب المنازل، وفي الأحياء الغنية أيضا.

متطوعو "خريطة التحرشات" الذين يعملون في المناطق هم غالبا من سكانها، شخصيات معروفة فيها، وينجحون في إنتاج حديث ذي أهمية مع الأشخاص الرئيسيين في الحي مثل البائعين المتجولين، وأصحاب المقاهي أو المطاعم. هكذا يحققون تعاونا مستقرا جدا للفكرة ونوع التدخل. لقد حقق هذا النشاط دوائر تأثير متنوعة، مثل إقامة وحدات شرطة مؤلفة من النساء تعمل في المجال العام وفي الأحرام الجامعية، مجموعات عمل من الطالبات الجامعيات اللواتي يعملن ضد العنف الجنسي، شركات سفريات خاصة وآمنة للنساء، وتشجيع تحويل شركات تجارية إلى شركات آمنة للنساء.

تشكو منظمات نسائية وناشطات من أن المنظمات والنشاطات النسوية ما زالت غير متناسقة من ناحية فكرية ولوجستية ولذلك فإن النقاش مشتت وجدول الأعمال غير منتظم ومثير للجدل. وتسود ادعاءات تقول إن العمل يرتكز أساسا على منظمات نسائية، وإن الرجال من الطبقات الاقتصادية الاجتماعية المختلفة لا يشاركون في النقاش أو العمل، وكما أن النقاش العام النشط لا يُترجم إلى قوانين ولا يطبّق بشكل فعال. هكذا تدعي المنتقدات، في الواقع، لأن القانون المصري يستند على تفسير الشريعة التي لا تصب في مصلحة النساء.

في السنوات الماضية أصبح المجتمع المصري ممزقا وينزف بسبب الانقلابات السياسية المصيرية. ستمر سنوات حتى يرتقي المجتمع المدني إلى مكان أكثر تضامنا. ولكن سيكون تعاون الرجال من أجل العمل ضد الظاهرة ناجعا فقط إذا لم يكتفوا بالتعبير عن التضامن، بل إذا شاركوا في الكفاح من أجل زعزعة التفكير والعمل الذكوري.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع منتدى التفكير الإقليمي