في الأسبوع الأخير، حدث تصعيد في إطلاق الصواريخ من قطاع غزة وفي الردود الإسرائيلية على هذه القذائف، وهناك قلق من أن تؤدي الدينامكيا بالضرورة إلى قرار إسرائيلي لبدء عملية واسعة في قطاع غزة من جديد، بحجم عملية "الرصاص المصبوب" و"عمود السحاب". يهدف هذا المقال إلى تحليل أسباب التصعيد، احتمالات استمراره والسياسات المنشودة من قبل إسرائيل.

‎والسؤال الرئيسي هو هل هذا تصعيد متعمّد أم أنه لا تزال مصلحة الطرفين في الحفاظ على التهدئة، ولكنهما قد يفقدان السيطرة على دينامكيا التصعيد. في الجانب الإسرائيلي الصورة واضحة: لا توجد لإسرائيل مصلحة في خرق التهدئة. يعتبر رئيس الحكومة نتنياهو أن الانخفاض الكبير، الذي يقارب الصفر، في إطلاق الصواريخ من غزة منذ عملية "عمود السحاب" إنجازًا كبيرًا، وليس لديه مبرّر لخسارته. في العالم العربي، يمكن الاستمتاع بنظرية المؤامرة التي تريد إسرائيل بموجبها تفجير المفاوضات مع الفلسطينيين أيضًا من خلال التصعيد في غزة، ولكن ليس هناك أساس لهذا الادعاء، لأنّ إسرائيل معنية باستمرار المفاوضات، حتى بعد نيسان 2014. إنّ تأزّم المفاوضات - خصوصًا حين تكون هناك احتمالات جيّدة بأن تلقى مسؤولية الأزمة على إسرائيل بسبب ردّها "غير المتناسب" - لا يتماشى مع مصلحة إسرائيل.

‎الصورة أقلّ وضوحًا في الجانب الفلسطيني في غزة. لا شكّ بأنّ هناك عناصر في غزة ترغب أيضًا بتفجير المفاوضات مع إسرائيل وتفاقم الصراع العنيف مع إسرائيل. تعتبر هذه العناصر جزءًا من التنظيمات المسلّحة في القطاع، سواء كانت في الجهاد الإسلامي أو في مجموعات فلسطينية سلفية جهادية. فقد تم تنفيذ إطلاق الصواريخ كما هو معلوم بواسطة هذه العناصر دون علم حماس، المسيّطرة على قطاع غزة، ويبدو دون علم قادة الجهاد الإسلامي أيضًا، والذي يعدّ الحركة الأكبر في قطاع غزة بعد حماس. ومع ذلك، فحتّى وقت قريب عرفت حماس كيف تتعامل بحزم ضدّ هذه المجموعات وتكبح جماحها. والسؤال هو: هل غيّرت حماس سياساتها أم فشلت في كبح جماح تلك المجموعات، ممّا قد يشير إلى انخفاض سيطرتها على قطاع غزة.

تمرّ حركة حماس بأوقات صعبة تؤدي إلى زعزعة مكانتها السياسية والعسكرية. فقد أجبرتها الحرب الأهلية السورية على قطع العلاقات مع داعمَيْن مهمّين لها، سوريا وحزب الله، وتسبّبت في قطع العلاقة بشكل شبه كامل مع الداعم الرئيسي لها، إيران، والتي كانت مصدرها الأساسي للمال والسلاح. وكان يبدو لها أن العلاقات الوثيقة مع مصر تحت سيطرة الإخوان المسلمين، وقطر الغنية وصاحبة التأثير وتركيا بقيادة أردوغان، ستعوّضها عن خسارة حلفائها التقليديين. ولكن انقلبت الأمور رأسًا على عقب. فقد تم خلع الرئيس مرسي وتكنّ الحكومة العسكرية في مصر عداءً كبيرًا لحماس. أغلقت مصر فعليًا أنفاق التهريب على الحدود بين غزة وسيناء، وهي شريان الحياة بالنسبة لغزّة.

وفي قطر أيضًا، تنازل الأمير المريض وكبير السنّ عن منصبه، ويبدو ابنه الذي خلفَه، أقلّ حماسًا إزاء العلاقات مع حماس، ويواجه أردوغان مشاكل داخل بلاده، وبالتالي فإنّ تقارب تركيا أو قطر من قطاع غزة متعلّق بحسن نية مصر،  غير الموجود كما نعلم. والنتيجة هي أن حماس تجد صعوبة في التهريب المنظّم للسلاح منذ عملية "عمود السحاب". إنّها تحاول تعويض نفسها عن ذلك من خلال التطوير والإنتاج الذاتي للصواريخ بعيدة المدى، ولكن هناك فرق كبير بين الدقة والقوة التدميرية لتلك الصواريخ وبين الصواريخ ذات الجودة العسكرية، التي يتم تهريبها من إيران. حماس ليست على استعداد لجولة جديدة من الحرب على نطاق واسع.

‎وتحاول الهروب من ضائقتها من خلال قناتين. من جهة، تحاول استئناف العلاقات مع إيران وتحظى بنجاح جزئي. على سبيل المثال، تم رفض طلب خالد مشعل لزيارة طهران. ومن المحتمل أيضًا أنّه وكنتيجة لسلوك حماس، قد اعتبرتها إيران خائنة ولا يمكنها أن تثق بها ولذلك فهي حذرة من تجديد العلاقات معها. من جهة أخرى تنتهج حماس سياسة تسوية تجاه مصر وقيادة السلطة الفلسطينية في رام الله.

يمكننا القول أنّ استمرار التدهور في أوضاع حماس قد يضيّق الخناق على الحركة مما سيجعلها تستنج أنّه ليس لديها ما تخسره، وأنّ السبيل الوحيد للخروج من المأزق هو من خلال تفجير الأوضاع. ولكن في هذه المرحلة يبدو أنها لم تصل إلى ذلك الاستنتاج، وتحاول التخفيف من الضغوط عليها من خلال خطوات سياسية. ولذلك يبدو أنّ التصعيد الحالي لا يرجع إلى سياسة حماس المتعمّدة، وأنّه تحديدًا نتيجة لفقدان سيطرتها على الأوضاع.

هدف إسرائيل الرئيسي هو تجنّب التدهور نحو مواجهة واسعة لا يرغب بها كلا الطرفان، دون أن يؤثّر ذلك على قدرتها على ردع حماس وغيرها من اللاعبين في قطاع غزة. لا تستطيع إسرائيل أن تغيّر سياستها الأساسية التي تشكّلت بعد "عمود السحاب"، والتي بحسبها ينبغي الردّ على إطلاق الصواريخ من غزة بهجمات مؤلمة، خشيةً من تآكل الردع الذي اكتسبته في كلا العمليّتين الكبيرتين هناك. ولكن إذا توصّلت إسرائيل إلى استنتاج بأنّ حماس تبذل جهدًا حقيقيًا لمنع المجموعات الأخرى من العمل ضد إسرائيل، فعليها أن تقطع دائرة ردود الفعل  من خلال تأجيل تكتيكي لردود فعلها. يمكنها دائمًا تجديد صرامتها إذا اتّضح لها بأنّ الأمر ليس ناجعًا.