فتحت زيارة الروضة ثنائية اللغة في حيفا أعيني على واقع أفضل، مختلف تماما عن الواقع الصعب والعنيف الذي يتصدر العناوين في الأسابيع الماضية في إسرائيل. واقع من اليهود والعرب الذين يعيشون معا في الحقيقة. واقع لأطفال لا ينشأون داخل أسوار من اللغة والثقافة الواحدة.

تعمل الروضة ثنائية اللغة التابعة لجمعية "يد بيد" في حيفا منذ العام 2011. لقد بدأت كفكرة لبعض الأهالي من أجل إنشاء إطار بديل للأطر التربوية الموجودة في المدينة. كانت الفكرة هي إقامة روضة مشتركة لليهود والعرب والتي تشتمل على التعليم المساوي لكلتا اللغتين والثقافتين. تقول ميراف بن نون، المنظمة الجماهيرية في حيفا ومن مؤسسي الروضة: "تنظّمت مجموعة من الأهالي وقالت: "نحن نريد إقامة هذا الشيء. ليكون الخيار ثنائي اللغة". وقد عملنا وقمنا بالاتصال بجمعية يد بيد".

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

تقول ميراف إن الطريق حتى افتتاح الروضة لم يكن سهلا إطلاقا. انسحب بعض الأهالي الذين كانوا شركاء في الفكرة الأولية في الطريق عندما رأوا الصعوبات التي تواجههم. تخلى بعضهم، وانتقل للعيش في الخارج أو اختار أحد الأطر التربوية الموجودة لعدم وجود خيار آخر.

رغم الصعوبات، وفي نهاية المطاف بقيت نواة صغيرة من ثلاثة أطفال لم يكن أهلهم مستعدين للتخلي وقد نجحوا وبشكل كبير.

بدأت الروضة في مبنى صغير في منطقة الكرمل بمدينة حيفا. في بداية طريقها كان فيها 14 طفلا فقط، حيث إنّ نصف الأطفال كانوا من اليهود والنصف الثاني من العرب. تقول ميراف إنّه دائما كان هناك أيضًا أطفال بهائيون سجّلوا للالتحاق بالروضة. تمثّل حيفا مركزا عالميا للمعتقد البهائي ويختار الكثير من البهائيين السكن فيها تحديدا. تحتاج الأسر البهائية دائما أن تختار جهة ما: إما أن يتعلم أولادها في المؤسسات اليهودية أو العربية. لقد أعطت الروضة ثنائية اللغة للأسر الخيار بألا تختار، وببساطة أن ترسل أطفالها إلى إطار مشترك.

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

تطوّر كل شيء ونما بوتيرة سريعة. كان الطلب كبيرا واليوم تعمل في الروضة عدة فرق ويتعلم فيها 84 طفلا من جميع أنحاء حيفا، من سن التسعة أشهر وحتى الروضة الإلزامية.

عملت الروضة وما زالت تعمل حتى اليوم كروضة خاصة لأن بلدية حيفا ليست مستعدة لإدخالها في النظام البلدي. "من بين جميع المناطق في البلاد نحن الروضة الوحيدة التي عارضتها البلدية"، كما تقول ميراف. "يونا زهاف، رئيس بلدية حيفا، يتحدث عن خطاب التعايش والذي، في الحقيقة، لا يقف وراءه. عندما أسسنا الروضة قبل أربع سنوات قلنا: "إنها الآن حضانة لأطفالنا ولكنهم بعد قليل سيكبرون وسنرغب بالانضمام إلى النظام البلدي". وقد قال: "لا حاجة في حيفا إلى روضة وإلى مدرسة ثنائية اللغة".

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

إذن فما هي في الواقع الروضة ثنائية اللغة؟

"لكل مجموعة هناك معلمة روضة يهودية ومعلمة روضة عربية"، تقول ميراف. "ومن المهم جدا لنا أن نحافظ على اللغة. تتحدث المعلمة العربية باللغة العربية وتتحدث المعلمة اليهودية بالعبرية. بالنسبة للأطفال في هذه السنّ فهذا ليس مهمّا للغاية لهم".

في وقت لاحق، عندما توجّهت إليّ طفلة اسمها نوغا، والتي لا تتحدث اللغة العربية من البيت إطلاقا، وطلبت مني أن أقرأ لها قصة بالعربية، أدركتُ إلى أي مدى ينشأ الأطفال هناك مع شعور أن هذا طبيعي تماما أن يتحدّثوا معهم بكلتا اللغتين، حتى لو كانوا لا يفهمون كل شيء دائما.

تشدد ميراف على أنّ الروضة تركّز أيضًا على خطاب المجتمع - على أهمية إنشاء إطار من التعايش والتعاون للأطفال أيضًا خارج الروضة. ". نحن ملزمون أيضًا بإنشاء بيئة مشتركة. نحن نتحدث عن إنشاء شيء والذي هو داخل هذه الجزيرة المكونة من يهودي أو عربي والفصل الكبير جدا بينهما. نحن نسعى للعمل ضدّ ذلك. أن نقوم بشيء يهدم ويمثّل نشاط مضادّ".

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

لماذا يختار الناس إرسال أطفالهم إلى روضة ثنائية اللغة؟

"بالنسبة للعرب فهذا عملي من أجل الإحساس بالانتماء. يبدو لي أساسيا جدا أنّ من يعيش في حيفا (والتي هي مدينة مختلطة من اليهود والعرب) بالنسبة له سيكون لطيفا ألا يشعر طفله وكأنه غريب أو غير مرتاح عندما يكون في حديقة الألعاب. بالنسبة للعرب فهو نوع من التربية الأكثر انفتاحا"، كما تشرح ميراف التي بدأ طفلها هذا العام في الروضة وتضيف: "اليهود المتواجدون هنا هم يهود يرغبون بتعلّم لغة جيرانهم. لا يرغبون بالتعلم في إطار يعلمهم منذ سنّ صغيرة جدا الكراهية والفصل. إنهم يريدون تعليما آخر لأطفالهم حيث تكون اللغة هي جزءًا من القضية والاتصال هو أيضًا جزء مهم. بالنسبة للأشخاص الذين يرغبون بأن ينشأ أطفالهم دون خوف وفصل فليس هناك الكثير من الخيارات. وهذه أيضًا روضة تُعتبر روضة جيدة من حيث فريق العمل وهي أيضًا باهظة الثمن جدا مقارنة بالبيئة المحيطة".

تقول حنان حلو، إحدى الأمهات في الروضة، إنّها اختارت إرسال ابنها إلى الروضة لنفس الأسباب تماما. من أجل التعرّف على الآخر. حنان هي ممثلة عربية - إسرائيلية اشتهرت مؤخرا في إسرائيل بشكل خاص بسبب تمثيلها في المسلسل الإسرائيلي الناجح "فوضى". يوجد لدى حنان طفل في الروضة وطفلة رضيعة صغيرة ستنضم بعد مدة قصيرة إلى الروضة أيضا.

حنان حلو وعائلتها (Noam Moskowitz)

حنان حلو وعائلتها (Noam Moskowitz)

تم تصميم الروضة كلها بروح اللغتين. بجانب الحقائب الصغيرة تظهر أسماء الأطفال بكلتا اللغتين، وتصرخ كتب القراءة، الجدران، جميعها بالمساواة. ولأنّ الروضة تعمل كروضة خاصة، يمكن لفريق العمل أن يسمح لنفسه بإنشاء تقويم سنوي خاص به وترتيب أيام العطل للروضة مع الأخذ بعين الاعتبار جميع الأديان.

وأين تدخل السياسة؟

"نحن لا نتحدث مع الأطفال الصغار عن الحروب والروايات لأنّهم صغار. نحن نملك الامتياز. ولكن في مدارس جمعية "يد بيد" يحضرون وظائف عن النكبة وعن أيام وطنية أيضًا بالنسبة للمجتمع العربي وليس فقط لليهود".

سمية أبو ريا هي أم لطفلين في الروضة. "نحن من مؤسسي الروضة"، كما تقول. "كان أحد الاختيارات التي لدينا في الانتقال للسكن في حيفا هو الحياة المشتركة في المدينة. ولم نجد ذلك وقلنا إنّنا لسنا مستعدين للتخلي عنه. والآن، كل ما نطلبه نجده في الروضة. الحياة المشتركة والتعلم عن الآخر. يتعرض الأطفال للثقافات وللغات".

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

الروضة ثنائية اللغة (Noam Moskowitz)

وكيف كان ردّ الأسرة الكبيرة لهذا النوع من التعليم؟

"لقد تفاجأوا بشكل إيجابي عندما رأوا ابننا يتحدث العبرية بطلاقة ويستضيف أصدقاء يهود"، كما تقول سمية أبو ريا. "ليس طبيعيا أن يعرف طفل عربي بأنّ غدا هو رأس السنة العبرية أو يوم الغفران".

تدير جمعية "يد بيد" مدارس ثنائية اللغة ولكن ليس في حيفا. يحاول مديرو الروضة منذ سنوات بالعمل على الاعتراف بهم كروضة تابعة للبلدية والضغط أيضا على بلدية حيفا لإنشاء مدرسة ثنائية اللغة تمثّل إطارا استمراريا لأطفال الروضة، ولكن دون نجاح.

وفق أقوال ميراف فإنّ رئيس بلدية حيفا، يونا ياهف، قد أوضح لهم أن حيفا لا تحتاج إلى مدرسة ثنائية اللغة، ولكنه قدّم لهم مؤخرا اقتراحا جديدا: "بعد أن قال يونا ياهف إنّ حيفا لا تحتاج إلى مدرسة ثنائية اللغة، قال إنّه سيسمح لنا بالنمو في صف في إحدى مدارس حيفا. إنها مدرسة من حيث موقعها ملائمة جدا لنا لأنّها حقا تقع في الوسط ولكنّ من ناحية الشريحة السكانية التي لدينا، فمن غير المؤكد أن تقبل بهذه الفكرة".

"سنرى كيف سيتطوّر هذا الأمر"، تلخّص ميراف. "تحديدًا في حيفا، حيث إنّها المدينة الأكثر وضوحا يجب أن تكون هنا مدرسة ومجتمع".