وصف وزير المالية الفلسطيني اليوم الوضع المالي للسلطة بالصعب والخطير. ما هي أسباب التدهور الاقتصادي في السلطة الفلسطينية؟

فكرة بناء الدولة "من الأسفل إلى الأعلى"

منذ أن استلمت السلطة الوطنية الفلسطينية إدارة شؤون الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، بموجب اتفاقات أوسلو عام 1994 مع الجانب الإسرائيلي، برعاية الولايات المتحدة ودول أوروبية رئيسية، ومنذ ولدت فكرة إقامة دولة فلسطين، اتّفقت دول غربية عديدة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على أهمية ضخ أموال طائلة لخزانة السلطة، دعمًا لتحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وعلى أمل أن تخطو السلطة الفلسطينية نحو بناء مؤسسات سياسية واقتصاد متين، بإمكانهما النهوض بآمال الشعب الفلسطيني للوصول إلى دولة مستقلة ورفاهية اقتصادية.

واتّبعت السلطة الفلسطينية في استراتيجية بناء الدولة، في حقبة الرئيس محمود عباس، "أبو مازن"، ورئيس الحكومة السابق سلام فياض (خاصة بين الأعوام 2008- 2013)، مسارين، الأول هو بناء الدولة من "الأسفل إلى الأعلى"، أي وضع الأسس السياسية والاقتصادية والأمنية للدولة الناشئة، وقد عُيّن الدكتور سلام فياض ليقوم بهذه المهمة، وقام بالفعل بإعادة بناء مؤسسات الحكم وتكريس الأسس الاجتماعية والأمنية وببناء جهاز اقتصادي مستقر.

وتمكن فياض من الوصول إلى هذه الإنجازات بالأساس بفضل الدعم المالي المقدم من المجتمع الدولي، وبمساهمة إسرائيل التي أزالت الحواجز وسهّلت تنقل الفلسطينيين وحركتهم. وبعث تعيين سلام فياض الأمل في الدول المانحة، كونه خبيرًا اقتصاديًا وسياسيا مستقلا، خاصة أنه حارب الفساد في المكاتب الحكومية ووضع معايير عالمية لإدارة اقتصاد السلطة.

وفي موازاة ذلك، اتجه رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إلى بناء الدولة من "الأعلى إلى الأسفل"، عن طريق العملية السياسية. وشجع المضي في هذين المسارين معا المجتمع الدولي على ضخ الأموال لخزانة السلطة، وسجّل الاقتصاد الفلسطيني بفضل ذلك نموا ملحوظا، مما مكّن السلطة على تحسين خدماتها العامة للمواطنين.

لكن القيادة الفلسطينية في مرحلة معيّنة عوّلت على مسار بناء الدولة من "الأسفل إلى الأعلى" لوحده، عازفة عن العملية السياسية والمفاوضات الثنائية مع الجانب الإسرائيلي. وقد نجحت هذه الفكرة حتى نقطة محددة، لكن سرعان ما وجدت السلطة نفسها في أزمة اقتصادية خطيرة، معتمدة على دعم مالي بدأ يتقلص، وسط خيبة أمل شعبي من الأداء الاقتصادي الذي لم يتقدم رغم الإنجازات السياسية في الأمم المتحدة. وقد أدى تقليص حجم المساعدات الخارجية للسلطة إلى عجز مالي، سبّب إلى انقطاع في تقديم الخدمات العامة، ومواجهة مصاعب في دفع الأجور لموظفي السلطة ورجال الأمن.

ويؤكد اقتصاديون في إسرائيل أن السبب المباشر للأزمة الاقتصادية الراهنة في خزانة السلطة هو انخفاض الدعم المالي الخارجي، مضيفين أن ثمة أسباب أخرى، غير مباشرة، تعمّق من هذه الأزمة وأبرزها: ضعف الهيكل الاقتصادي الفلسطيني، ومنظومة اقتصادية مرتبطة مع المنظومة الاقتصادية الإسرائيلية على نحو معقّد. وهنالك كذلك ضغوط ديموغرافية واجتماعية، وبطالة تركيبية عميقة خاصة في أوساط الشباب الفلسطيني المثقف.

السلطة لم تستثمر في الإنتاج

يعود ضعف الاقتصاد الفلسطيني إلى بنية تحتية اقتصادية غير متطورة، أسبابها في الأساس استثمار ضئيل على مدار عقود بالبنية التحتية للاقتصاد. ويعكس فحص معايير الاقتصاد الكليّ في السلطة صورة قاتمة، يتضح من خلالها تركيب اقتصاد مشوّه، ونمو اقتصادي يعتمد بالأساس على موارد خارجية.

مزارعون فلسطينيون يفحلون الأرض بالقرب من مدينة نابلس (Issam Rimawi/Flash90)

مزارعون فلسطينيون يفحلون الأرض بالقرب من مدينة نابلس (Issam Rimawi/Flash90)

وبالرغم من أن الاقتصاد الفلسطيني شهد نموا سريعا خلال النصف الثاني من العقد الأخير، والذي ظهر من خلال ارتفاع حاد في الاستهلاك الشخصي الحقيقي، وفي الاستهلاك العام الذي تضاعف، وارتفاع في الاستثمار في الإنشاءات (أي قطاع البناء والعمران)، إلا أن الاستثمار في قدرة الإنتاج كان ضئيلا. ما معناه أن الاستثمار في المقومات الاقتصادية، وأهمها قطاع الصناعة والزراعة، وفي خدمات داعمة لنمو اقتصادي بعيد المدى (مثل: السياحة وتكنولوجيا المعلومات)، كان ضئيلا، حتى أنه انخفض انخفاضًا كبيرًا في السنوات الأخيرة.

بالإضافة، انكمشت الاستثمارات السنوية في أصول الإنتاج ووصلت إلى مستويات منخفضة. وتظهر المعطيات، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن قطاعات الإنتاج الرئيسية، مثل الزراعة والصناعة، لم تشهد نموا حقيقيا، منذ إقامة السلطة عام 1994. وتُبيّن المعطيات أن وزن قطاع الزارعة، والذي شكل 12 في المئة من الإنتاج وقت قيام السلطة عام 1994، انخفض إلى 5 إلى 6 في المئة، ووزن قطاع الصناعة، والذي شكل 20 في المئة من الإنتاج في عام 1994، هبط إلى النصف، معادلا 10 في المئة في السنوات الأخيرة.

وحتى القطاعات التي سجلت نموا ملحوظا، مثل السياحة وتكنولوجيا المعلومات، كان وزنها في كعكة الإنتاج هامشيا. وانحصر النمو الاقتصادي في قطاعات التجارة والخدمات العامة والبناء، مسبّبا في ارتفاع الاستهلاك، الخاص والعام، والذي تغذّيه وتموّله المساعدات المالية الخارجية.

وقد لاحظ اقتصاديون في إسرائيل أن النمو السريع في الاستهلاك أدى إلى ارتفاع كبير في واردات السلطة، مما خلق فجوة كبيرة بين الاستيراد والتصدير في غياب نمو الإنتاج المحلي، بحيث ضاعفت الواردات 3 مرات الصادرات.

ويحدّ عدم النمو في قطاعات الإنتاج الرئيسية من قدرة الاقتصاد الفلسطيني على خلق أماكن عمل جديدة، غير أماكن العمل في القطاع العام، الذي استنفد سعته. وينعكس هذا الضعف الأساسي في نسب عالية من البطالة، وتزداد أزمة البطالة حدة في بين أوساط خريجي الجامعات الفلسطينية، والذين ينضمون سنويا إلى القوى العاملة، لكن السوق الفلسطينية لا تقدر على استيعابهم. وقد تجاوزت نسبة البطالة في هذه الفئة نسبة الـ 50 في المئة.

ويشكّل القطاع العام في السلطة، والذي يضم الموظفين العموميين ورجال الأمن، ربع القوة الشرائية الفلسطينية، وحين تتأخر رواتب العامل فهم يشكّكون في أمنهم الاقتصادي، مما يؤدي إلى ارتداد سلبي في المجتمع الفلسطيني.

ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي

لقد خلق ضم اقتصاد السلطة إلى الاقتصاد الإسرائيلي بموجب اتفاقات أوسلو عام 1994، ولاحقا بروتكول باريس، وضعا اقتصاديا مشوّها، فمن جهة، أسعار السلع في إسرائيل تحدّد مستوى أسعار السلع في المناطق الفلسطينية، في حين تبقى الفجوة بين الأجور التي تتقاضها الأسرة الإسرائيلية والأسرة الفلسطينية كبيرة (متوسط الأجر في الضفة أقل بربع من متوسط الأجر في إسرائيل). وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بلغ معدل الأجر اليومي للعاملين في الأراضي الفلسطينية، خلال عام 2011، 21 دولارا أمريكيا.

وتُظهر المقارنات الدولية، نتيجة لما ذُكر، أن الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، وفق القوة الشرائية الحقيقية، أقل بكثير من الدول العربية المجاورة.

زيادة على ذلك، فإن العملة المستعملة في المناطق الفلسطينية هي الشيكل الإسرائيلي، والتجارة الخارجية للسلطة تخضع لما يسمى "الغلاف الجمركي" الإسرائيلي، مما يربط المنظومة المالية والمنظومة النقدية الفلسطينية بالمنظومة الإسرائيلية بصورة شبه كلية، ويحد من تطورها في غياب تقدم سياسي بين الطرفين.

وقد أصبح الدعم المالي الخارجي للسلطة، في ظل العجز العميق في التجارة الخارجية، أمرا مصيريا. وقد سبب الانخفاض في حجم الدعم الخارجي إلى لجوء السلطة إلى أخذ القروض من البنوك المحلية حتى أنها استنفدت هذا الخيار ولا تستطيع اليوم أخذ المزيد من القروض، خالقة دَيْنًا محليّا كبيرا.

وثمة من يدعي في إسرائيل أن الاتفاقات الاقتصادية بين إسرائيل والسلطة انبثقت عن الاتفاقات السياسية، ووجِدت أصلا لتتماشى مع الوضع السياسي المتفق عليه بين الطرفين. ويضيف هؤلاء أن انسداد الأفق السياسي وتأخير العودة إلى طاولة المفاوضات، كان ثمنهما باهظا جدا للاقتصاد الفلسطيني.

جهود كيري وحكومة جديدة                              

لم تقدر السلطة الفلسطينية على ترجمة إنجازاتها السياسية في الحلبة الدولية إلى إنجازات محلية، فرغم الاعتراف الدولي بفلسطين "دولة غير عضو" في الأمم المتحدة، العام المنصرم، وحصولها على اسم نطاق من قبل عملاقة الإنترنت "جوجل"، يشعر المواطن الفلسطيني أن الواقع على الأرض لم يتغيّر، وحتى أن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءا.

الحكومة الجديدة برئاسة رامي الحمد الله تحولت إلى خيبة أمل بعد استقالة الحمد الله (Issam Rimawi/Flash90)

الحكومة الجديدة برئاسة رامي الحمد الله تحولت إلى خيبة أمل بعد استقالة الحمد الله (Issam Rimawi/Flash90)

وأثبتت الجهود الأمريكية لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني كخطوة أولى لإحياء المسار السياسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مدى ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالمسار السياسي. وتأتي مبادرة وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري وخطته الاقتصادية فرصة لإحياء الاقتصاد الفلسطيني. وقد حذر سياسيون ورجال أمن في إسرائيل من أن فشل محاولات كيري الحديثة قد تؤدي إلى تراجع في موقف الدول المانحة ودعمها المالي لخزانة السلطة، وقد يصل الوضع إلى قطع صلة هذه الدول بالنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، مما سيقرّب السلطة الفلسطينية إلى شفير الهاوية.

وقال مطلعون في إسرائيل أن التغييرات السياسية في السلطة لن تجدي طالما لا ترافقها تطورات سياسية، خاصة أن عناصر حاسمة لنمو الاقتصاد الفلسطيني ليست تحت سيطرة السلطة، وسعيها للاستقلالية يمرُ فقط عبر المفاوضات.

وقيل إن استقالة رئيس الحكومة رامي الحمد الله من منصبه في المرّة الأولى كان قد زاد من تفاقم الأزمة الاقتصادية. حين تسلم مهامه للمرة الأولى، قدّر المحللون أن الخبير اللغوي يأخذ على عاتقه منصبًا لن يتمكن من النجاح فيه. وبعد تكلّفه للمرّة الثانية، يقف الحمد الله أمام عدد كبير من الصعوبات، وأكبرها التي يمكن حسبها قياس نجاحه أو فشله، كانت إنقاذ الاقتصاد الفلسطيني من الأزمة التي يمر بها، وفي مقدمة ذلك العثور على تمويل لدفع رواتب عشرات آلاف العاملين في الأجهزة الأمنية والموظفين في السلطة في الضفة الغربية، وإضافة إلى ذلك لـ 70,000 عامل سابق يتواجدون في قطاع غزة.

وتعرف الزعامة الفلسطينية وكذلك الزعامة الإسرائيلية أن الخطوة الأولى على طريق الهدوء هي الاهتمام بأن يتقاضى موظفو السطلة رواتبهم، وعباس بحاجة إلى شارع فلسطيني هادئ كي يذهب إلى المفاوضات والطريق الوحيدة للقيام بذلك هي حين يقف موظفو السلطة إلى جانبه. من دواعي سرور الحمد الله أن الطرفين الأمريكي والأوروبي المسؤولان عن جزء لا بأس به من تمويل السلطة، يدركان هذه الحاجة.

قبل الشروع في المفاوضات، وعد وزير الخارجية الأمريكي كيري وعدًا واحدًا وهو تحويل أموال لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني. من المعلوم أن الخطة تركّز بقدر كبير إلى برنامج الدكتور محمد مصطفى، الذي إضافة إلى كونه نائبًا للحمد الله، فهو يعمل أيضا مديرًا لصندوق الاستثمار الفلسطيني.

رغم ذلك، أفادت وكالة معًا الإخبارية اليوم أن السلطة الفلسطينية "تعيش وضعًا اقتصاديًا خطيرًا بسبب العجز الهائل في الموازنة العامة"، واقتبست وزير المالية الفلسطيني، شكري بشارة، بقوله إن "الوضع المالي للسلطة صعب وخطير". وأضاف بشارة خلال اجتماع مع اتحاد المعلمين المطالبين على وضعهم المالي": لا يمكن لأحد أن يتوقع سوء وخطورة الوضع المالي".

وتعاني السلطة عجزا ماليا في موازنتها يبلغ مليار و400 مليون دولار. وتقول مصادر حكومية لوكالة معا "إن جل الدعم الخارجي لم يغط سوى 50% من قيمة العجز الكلي البالغ 5 مليار دولار". وتضيف المصادر إن الدول العربية لا تدفع التزاماتها للسلطة مما يفاقم الوضع المالي فضلا عن المتمثل في المديونية الكبيرة التي تعانيها موازنة السلطة والتي تبلغ قرابة 5 مليار دولار. وحول المنحة الأمريكية التي وقعتها الحكومة اليوم وقيمتها 148 مليون دولار، قالت المصادر إن هذا المبلغ هو بدل مساعدات عن السنة الماضية حيث كان المبلغ محجوزا من قبل الإدارة الأمريكية.

وقال دكتور الاقتصاد نصر عبد الكريم لوكالة " معا " إنه على الرغم من عدم المفاجأة في تصريح وزير المالية لكنه يرسل رسائل لعدة أطراف داخلية وخارجية  بأن الوضع المالي سيء. منوها إلى أن الفلسطينيين لن يستطيعوا النهوض نهوضا مستقلا من ناحية اقتصادية ويعزو ذلك إلى كون السلطة مرتبطة بالعنصر الإسرائيلي والمساعدات الخارجية.

كما لفت عبد الكريم أن جميع الاتفاقيات التي وقعتها الحكومة السابقة مع النقابات لم تدرج على موازنة 2013 مما يعني استحالة تطبيقها خلال العام الحالي".