لا يُعرف الكثير عن الأيام الأولى للجالية اليهودية في اليمن، ولكن من المعلوم للجميع أنّ اليهود الأوائل قدِموا إلى اليمن منذ فترة طويلة جدّا. تعود الأدلة الأثرية الأقدم إلى القرون التي سبقت عام صفر ميلادي، وهناك من يدّعي أنّه قد قامت في اليمن جالية يهودية قبل أكثر من 2,500 عام. في قرية بيت الخضر القريبة من العاصمة صنعاء عثر على أدلة على قيام كنيس قديم من تلك الفترة.

وتظهر أدلة أخرى أن اليهود قد عاشوا في مملكة حِمْيَر، والتي قامت في جنوب شبه الجزيرة العربية، قبل ظهور النبي محمد. تقرّب ملك هذه المملكة، يوسف ذو نواس (الذي اسمّي بهذا الاسم بسبب الضفائر التي زيّنت رأسه) من اليهودية والحاخامات اليهود الذين أقاموا في تلك الفترة في فلسطين (أرض إسرائيل)، وهناك من يقول إنّه قد تهوّد. في أعقاب ذلك، قام بذبح الكثير من النصارى الذين وصلوا من إفريقيا، معظمهم حبشيّ، وذلك في محرقة نجران. في نهاية المطاف، أثار الملك غضب الإمبراطورية البيزنطية المسيحية، والتي هزمته وجعلته ينتحر.

أحكام قاسية إلى جانب الازدهار في العهد الإسلامي

تمتّع يهود اليمن في الفترة القصيرة التي سيطر فيها الفرس على المنطقة بعلاقات مع جالية بابل الكبيرة، والذي تشعّب من الجزيرة العربية حتى العراق. ولكن مع صعود الإسلام أصبح وضعهم غير مستقرّ، على الرغم من تمتّعهم بمكانة أهل الذمّة. من الصعب أن نعرف كيف كان وضع يهود اليمن بالضبط في تلك الفترة، حيث إنّ الأدلة قليلة جدّا.

أطفال يهود يتعلمون التوراة في اليمن (AFP PHOTO/KHALED FAZAA)

أطفال يهود يتعلمون التوراة في اليمن (AFP PHOTO/KHALED FAZAA)

ما نعرفه أنّه أثناء تواجد الجاليات اليهودية في العالم العربي، في العصور الوسطى، كانت أوضاع يهود اليمن صعبة للغاية. فرض ملك في تلك الفترة يسمّى عبد النبي أحكام قاسية على اليهود. ولكن ازدهر الفكر والفلسفة اليهودية في تلك الفترة باليمن أكثر من أي وقت مضى.

يهودي يمني في القدس في اواخر القرن التاسع عشر (Wikipeida)

يهودي يمني في القدس في اواخر القرن التاسع عشر (Wikipeida)

هناك شخص مذكور أكثر من الجميع وهو ناتانئيل الفيومي، رئيس حاخامات اليمن الذي ألّف الكتاب الفلسفي "حديقة العقول"، وهو نصّ يجمع بين الاعتقاد بإله واحد، أهمية التوبة والإيمان بالخلاص واليوم الآخر. أثّرت الكثير من المصادر على الكتاب، من اليهود والمسلمين، وهناك من يعتبره نسخة يهودية من المذهب الشيعي الإسماعيلي. ويعرف الحاخام نتانئيل بجداله مع المسلمين، واقتبس من القرآن لإثبات ادعائه بأنّ عقيدة اليهود أبدية، من سورة المائدة: "وكيف يحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله".

بعد سنوات طويلة من الحرب نجح اليمنيّون في طرد العثمانيين من بلادهم وبدأ حكم الزيديين في اليمن (1635). في البداية، كان هذا الحكم متسامحًا تجاه اليهود، ولكن في عام 1678 أقرّ الملك أحمد بن حسن المهدي قرارات بالنفي لتطهير اليمن من يهودها. ألغيت القرارات بعد عامين وعاد يهود اليمن إلى منازلهم، وحاولوا تأسيس مجتمعهم من جديد.‎ ‎‏ بعد ذلك عاد العثمانيّون واحتلّوا اليمن.

الهجرة إلى إسرائيل

كلّما تطوّرت الصهيونية، تزايدت في اليمن الرغبة بالوصول إلى فلسطين (أرض إسرائيل). وقد ازدادت هذه الرغبة بشكل خاصّ في نهاية القرن التاسع عشر لدى يهود اليمن، والذين كانوا الأوائل من بين الدول العربيّة الذين وصلوا بأعداد كبيرة إلى فلسطين (أرض إسرائيل). هاجر نحو 2,500 يهودي يمني إلى إسرائيل في سنوات الثمانينات من القرن التاسع عشر.

قدوم يهود اليمن إلى إسرائيل في الخمسينات (Wikipedia)

قدوم يهود اليمن إلى إسرائيل في الخمسينات (Wikipedia)

تزايدت في بداية القرن العشرين القوانين المعادية لليهود في اليمن. حُظر على اليهود أن يركبوا الخيول أو السير في الشوارع المعبّدة. رفضت المحاكم اليمنية سماع شهادات اليهود ضدّ المسلمين. وفي ذروة الموجة المعادية لليهود دخل إلى حيّز التنفيذ قانون قديم يقضي بأنّ كلّ يهودي لم يبلغ 12 عامًا بعد سيُجبرعلى اعتناق الإسلام. في أعقاب هذه القرارات، هاجر نحو 17,000 يهودي يمني إلى إسرائيل في الأعوام بين 1922-1945. حتى تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، تمكّن نحو نصف يهود اليمن من الهجرة إلى إسرائيل.

وكما في جميع الدول العربيّة، فقد زاد قيام دولة إسرائيل من التعرّض لليهود المحلّيين وفرضت عليهم أوضاعًا صعبة. توصّل عشرات الآلاف من اليهود إلى طريق، من خلال عدن، لفلسطين (أرض إسرائيل)، وتبقّى العديد من اللاجئين في عدن في حالة صعبة. هاجر إلى إسرائيل في هذه السنوات 50,000 من يهود اليمن، وأصبحت الجالية اليمنية في إسرائيل هي الأكبر. بقي في اليمن اليوم أقل من 200 يهودي، بحيث إنّ معظمهم قد تجاوز الستّين من عمره.

عائلة حباني اليمنية تحتفل بعيد الفصح للمرة الأولى في إسرائيل (GPO)

عائلة حباني اليمنية تحتفل بعيد الفصح للمرة الأولى في إسرائيل (GPO)

المحنة وحوادث الاختطاف

لم تنته معاناة يهود اليمن مع وصولهم إلى إسرائيل. لم تحرص المؤسسة الإسرائيلية، التي تألفت حكومتها بالأساس من مهاجري أوروبا، على معاملتهم بالمساواة. تمّ إيواؤهم في ظروف من الفقر. أدّت السنوات الطويلة التي مرّت على يهود اليمن باعتبارهم مجتمع مقطوع الصلة عن بقية العالم العربي، إلى تعامل يهود الدول العربيّة باشتباه تجاه يهود اليمن، ولقد استمروا في إسرائيل أيضًا على العيش كمجتمع منعزل.

خيّمت قضية رئيسية على علاقة المجتمع اليمني في إسرائيل مع المؤسسة

أب يمنى يهودي وابنه (Wikipedia)

أب يمنى يهودي وابنه (Wikipedia)

والمجتمع وهي قضية الأطفال المختطفين. كان من المعتاد في مخيّمات استيعاب المهاجرين ألا ينام الأطفال مع والديهم، ففي الوقت الذي عاش فيه الوالدان في الخيام، تمّ نقل الأطفال إلى أكواخ. أُخبر العديد من الآباء الذين جاؤوا لزيارة أبنائهم في الأكواخ بأنّ أطفالهم قد توفّوا ودُفنوا، رغم أنّهم أُخذوا منهم وهم بصحّة وعافية. لم يتمّ عرض شهادة الوفاة في أيّ من الحالات، وفي الكثير من الحالات أيضًا لم يكن هناك قبر.

وجد بعض الآباء صعوبة في تقبّل هذا الخبر القاسي، وبعد أن بكوا، صرخوا واشتكوا لكون الطفل الذي أُخذ منهم كان معافى، تمّت إعادة الطفل إليهم وهو في حالة جيّدة، رغم إخبارهم بأنّه قد توفّي. تقبّل بقية الآباء الأخبار القاسية ولم يجادِلوا. أثارت حقيقة أنّ بعض الأطفال أعيدوا إلى آبائهم الاشتباه في أن يكون الأطفال قد خُطِفوا وأُخذوا لعائلات أخرى.

ووفقًا للاشتباه، فإنّ المؤسسة الإسرائيلية لم تثق بالآباء اليمنيّين بأنّ يربّوا أطفالهم في ظروف مناسبة، ولذلك قامت باختطافهم وتسليمهم إلى أسر أخرى. أقيمت ثلاثة لجان تحقيق في إسرائيل على مدى سنوات من أجل معالجة هذه المزاعم، ونوقش أكثر من 800 حادثة اختطاف.

وقد استُمع في اللجان إلى شهادات لمسؤولين كبار كانوا مسؤولين عن عملية استيعاب المهاجرين، حيث قالوا إنّ بعض الأطفال قد نُقلوا لتبنّيهم في الولايات المتحدة. قرّرت لجان التحقيق بأنّه ورغم هذه المزاعم، فإنّ معظم الأطفال الذين اختفوا توفوا فعلا، ولكن لا يزال هناك شعور لدى الكثيرين بأنّ العدالة لم تظهر حتّى الآن.

أصوات العنادل

الشيء الذي يربط المجتمع اليمني في إسرائيل بشكل كبير مع كل الشعب الإسرائيلي، هم أولئك المطربون الرائعون الذين خرجوا من أبناء وبنات هذا المجتمع. ليس الحديث فقط عن المطربين الذين يؤدّون الأغاني بالأسلوب اليمني التقليدي، وإنّما عن مجموعة واسعة من الأساليب التي تمزج بين القديم والجديد.

هل تعلمون، على سبيل المثال، بأنّه في كلّ المرات الثلاث التي فازت فيها إسرائيل بالأوروفيزيون، كان الممثّلون الإسرائيليون من أصول يمنية؟ المطرب يزهر كوهين الذي مثّل إسرائيل عام 1978، المطربة جالي عطري التي مثّلتها عام 1979 والمطربة دانا إنترناشيونال التي مثّلتها عام 1998؛ جميعهم كان من أصول يمنية.

القائمة طويلة وفيها أسماء كثيرة، ولكننا اخترنا للقرّاء خمسة ممثّلين بارزين من أفضل مطربي إسرائيل، والذي قدِم آباؤهم من اليمن:

زوهر أرجوف

هل تم تتويجه بلقب "الملك" عبثًا. أوصلت أغاني زوهر أرجوف، الذي غيّر اسم عائلته حيث كان في الأصل يدعى "عورقبي"، الموسيقى الشرقية لكل بيت في إسرائيل، وأصبح نجمًا بلا منازع. ولكن توهّج نجاح زوهر في حياته، وأصبح مدمنًا على المخدّرات واضطرّ في نهاية المطاف للانتحار في الزنزانة في الشرطة الإسرائيلية.

عوفرا حازا

بكت البلاد جميعها حين توفيت عوفرا حازا عام 2000، فقد كانت تعاني المطربة المحبوبة جدّا في سنّ صغير من مرض الإيدز الذي أصيبت به. ليس هناك شخص لا يعرف صوت الطفلة الصغيرة التي ولدت في حيّ فقير بتل أبيب لأسرة مكوّنة من تسعة أطفال، وأصبحت المطربة الأكثر شهرة في إسرائيل. استمعوا إلى أغنية عوفرا حازا باللغة العربية:

بوعاز شرعبي

المطرب صاحب الاسم اليمني المثالي والذي ولد لأسرة مكوّنة من عشرة أطفال، يمزج بين أسلوب الروك الكلاسيكي والجاز وبين الجذور العميقة في اليمن. وهو يزعم أنّ أخته قد اختطفت خلال قضية عمليات الخطف التي ذكرناها في السابق. تزوّج شرعبي ثلاث مرّات، كان من بينها زواج من امرأة اسمها هالين وكانت مدمنة على المخدّرات وانتحرت في السجن. ولكن لم يؤثّر شيئًا من هذه المآسي الشخصية  على الموسيقى الرائعة التي ينتجها.

مرجليت صنعاني 

ولدت مرجليت صنعاني والتي تعرف أساسًا باسم "مرجول" في اليمن عام 1948، وهاجرت إلى إسرائيل وهي في جيل سنة. تمزج في أغنياتها بين الروك، البلوز والموسيقى اللاتينية، ويُلاحظ في أغنياتها تأثير الروح الأمريكية من أصول إفريقية. وهي تعرف في إسرائيل ليس فقط كمطربة وإنّما كمقدّمة لبرامج تلفزيونية كثيرة. اخترنا أن نعرض لكم إحدى أغانيها اليمنية التقليدية:

شوشانة ذماري

كانت شوشانة ذماري، التي ولدت في اليمن عام 1923 المطربة الأولى التي لم تكن من أصول أوروبية وأصبحت أسطورة إسرائيلية، وكانت مقبولة ومحبوبة بين جميع شرائح الشعب. بل هناك من وصفها بـ "المطربة الوطنية"، في أعقاب 70 عامًا لنشاطها في إسرائيل. رافقت الأغنية العبرية منذ السنوات التي سبقت قيام دولة إسرائيل، ولا يوجد من لا يعرف صوتها العميق والرنّان في إسرائيل. في هذه الأغنية التي تدعى "في كروم اليمن" تعبّر عن شوقها للمكان الذي ولدت فيه.