تثير فضيحة التحرّش الجنسي بشابّين من الحجّاج الإيرانيين في السعودية عاصفة عامّة في الأسابيع الأخيرة في إيران، والتي تترافق مع عبارات العنصرية تجاه العرب. كان شابان في سنّ الرابعة عشرة والخامسة عشرة، في طريق العودة إلى إيران بعد أن أقاما تعاليم الحجّ في الأماكن المقدّسة في المملكة العربية السعودية. بحسب أفراد أسرتهما، الذين رافقوهما خلال الزيارة، فقد تمّ احتجاز الاثنين عند بوابّة الطيران في المطار الدولي في جدّة في المملكة العربية السعودية، وتمّ فصلُهما عن أسرهما ونُقلا إلى غرفة منفصلة. وهناك نفّذ فيهما شرطيّان سعوديّان، كما يُزعم، أعمالا غير محتشمة خلال التفتيش الجسدي الذي أجرياه لهما.

في أعقاب الحادثة قدّمت إيران شكوى رسمية للسلطات السعودية من أجل معاقبة الشرطيان. وقد تمّ استدعاء المفوّض السعودي في طهران لمحادثة توضيح في وزارة الخارجية الإيرانية، وأعلن وزير الإرشاد الإسلامي في إيران، علي جنتي، الأسبوع الماضي، أنّ منظمة الحجّ والعمرة في إيران أمرت بتعليق العمرة إلى مكة والمدينة حتى يُحاكم ويُعاقب كلا الشرطيّين اللذين مسّا، بحسب كلامه، بكرامة الإيرانيين. وكردّ على الاحتجاج الإيراني اعتذرت السلطات السعودية واعتقلت كلا الشرطيين. والتقى وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، مع السفير الإيرانيّ في السعودية وأخبره أنّ المسؤولين عن الحادثة سيُعاقبان بشدّة.

منظمة الحجّ والعمرة في إيران أمرت بتعليق العمرة إلى مكة والمدينة حتى يُحاكم ويُعاقب كلا الشرطيّين (AFP)

منظمة الحجّ والعمرة في إيران أمرت بتعليق العمرة إلى مكة والمدينة حتى يُحاكم ويُعاقب كلا الشرطيّين (AFP)

وحظيت الحادثة بإدانة أيضًا من قبل أعضاء البرلمان وكبار رجال الدين الإيرانيين وزادت أكثر من حدّة العلاقات المتوتّرة بالفعل بين إيران والمملكة العربية السعودية على خلفية العمليات العسكرية للأخيرة في اليمن. وأدان رجل الدين البارز آية الله ناصر مكارم-شيرازي سلوك الشرطيَّين السعوديَين واتّهم السلطات في المملكة بالمسّ المستمرّ بكرامة وأمن الحجّاج الإيرانيين. بحسب كلامه، إذا استمرّت السلطات السعودية في إهانة الحجاج، فلن يكون بالإمكان استمرار قيام العمرة، التي لا تُعتبر من التعاليم الإلزامية في الإسلام.

وإلى جانب الإدانات الرسمية، أثارت الحادثة في المطار ردود فعل حادّة وخصوصا في أوساط الشعب الإيراني. وتمثّلت تلك الردود بالمظاهرات خارج هيئات التمثيل الدبلوماسي السعودي في إيران وبتعليقات المتصفّحين في مواقع التواصل الاجتماعي. وشارك في المظاهرات التي نُظّمت أمام السفارة السعودية في طهران والقنصلية السعودية في مدينة مشهد آلاف الأشخاص. ورفع المتظاهرون شعارات ضدّ الأسرة السعودية المالكة، مطالبين بالاعتذار السعودي الرسمي وداعين لإغلاق السفارة السعودية وطرد مفوّضها في طهران.

مكة، مناسك الحج (AFP)

مكة، مناسك الحج (AFP)

وظهرت ردود الفعل الأكثر حدّة في مواقع التواصل الاجتماعي مُرفَقةً أيضًا بمظاهر العنصرية تجاه العرب. اكتفى معظم المتصفِّحين بالتعليقات ضدّ الأسرة السعودية المالكة، وطالبوا بمعاقبة الشرطيَين بأقصى حدّ ودعوا إلى مقاطعة الحجّ إلى السعودية. ومع ذلك، فقد تضمّنت الكثير من التعليقات تصريحات مسيئة وعنصرية تجاه العرب، من خلال استخدام الألقاب المشينة، مثل: "الكلاب النجسة"، "أكلة السحالي والجراد"، "العرب القذرون" "والبرابرة". وزعم بعض المتصفِّحين أنّ الحادثة في المطار تعكس طبيعة العرب وعقليّتهم. "اغتصب العرب إيران قبل 1,400 عام"، كما كتب أحد المتصفِّحين مشيرا إلى الاحتلال العربي لإيران في القرن السابع الميلادي. وعبّر متصفّح آخر عن أمله بأن توضّح الحادثة في جدّة للإيرانيين بأنّ العرب قذرون ولا يجوز إعطاؤهم المال.

وأدانت بعض وسائل الإعلام في إيران هذه العنصرية. فقد حذّر الموقع المحافظ "ألف" من نشر الآراء المعادية للعرب وأشار إلى أنّه لا يجب استغلال سلوك الشرطيَين السعوديَين لتعميمه على العرب بشكل عام والسعوديين بشكل خاصّ. وأشار الموقع إلى أنّ الإيرانيين الذين يعتبرون أنفسهم شعبا حضاريّا ومبرّأً من كلّ شرّ هم أيضًا يتصرّفون بشكل مهين تجاه اللاجئين الأفغان في بلادهم. يجب على الإيرانيين أن يذكروا بأنّه قد فُرض عليهم العيش إلى جانب العرب، كما أوضح محررو الموقع، وعليهم أن يعزّزوا العلاقات الجيّدة مع جميع جيرانهم، وتجنّب الوصمات والآراء المسبقة وعدم التطرّق إلى جميع العرب كأغبياء، كسالى، مغرمين بالنساء ومتطرّفين.

أثارت الحادثة ردود فعل حادّة وخصوصا في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي في إيران (Facebook)

أثارت الحادثة ردود فعل حادّة وخصوصا في أوساط مواقع التواصل الاجتماعي في إيران (Facebook)

كما ونشرت الصحيفة اليومية الحكومية "إيران" مقالا افتتاحيّا حذرّت فيه من محاولات من قبل مجموعات متطرّفة تنشط في الشبكة لاستغلال الحادثة من أجل نشر آرائهم المتطرّفة والمعادية للعرب. ليس هناك في العصر الحالي أي مجال للحديث عن تفوّق الفرس على العرب، كما جاء في المقال، ويجب أن نعتبر العنصرية مرضًا خطيرا يستلزم العلاج. وتطرّق موقع "انتخاب" إلى التأثير الضارّ لمظاهر العنصرية على أبناء الأقلية العرب الذين يعيشون في إيران. واحتجّ الموقع بأنّ التعامل المهين الذي لحق بالشابَّين الإيرانيَّين لا يبرّر المسّ بعرق أو قومية أخرى، وعلى وجه الخصوص، ليس بالعرب الذين يعيشون في إيران أيضًا والذين أظهروا على مدى التاريخ كلّه، بما في ذلك فترة الحرب الإيرانية - العراقية، الولاء لبلادهم.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تثير فيها الخلافات بين إيران وجيرانها العرب مظاهر العداء والعنصرية تجاه العرب. تظهر مسألة الهوية الإيرانية ورواسب الماضي بين الإيرانيين والعرب بوضوح في الحوار العام الذي يجري في مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا لدى تطرّق المتصفّحين الإيرانيين إلى الأحداث التي يقف فيها الإيرانيين والعرب على طرفي نقيض. فهذا ما حدث، على سبيل المثال، في تشرين الثاني عام 2010، عندما انتشرت في الإنترنت مقاطع من خطاب الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، والذي تطرّق فيه إلى هوية إيران الإسلامية وزعم أنّ جذورها عربية وليست فارسية. زعم نصر الله أنّه ليس هناك في إيران شيء يُدعى "فارسي" أو "حضارة فارسية"، وإنما فقط حضارة إسلامية ودين النبي محمد العربي. وفي أعقاب نشر مقطع الفيديو، غرقت شبكة الفيس بوك بالردود الغاضبة للمتصفّحين الإيرانيين مُدينة نصر الله بشكل خاص والعرب بشكل عامّ، واصفين إيّاهم أنهم "المستغِلّون" أو "أكلة السحالي". وانتشرت تعليقات مماثلة معادية للعرب في أحداث أخرى أثارت التوتّر بين إيران والعرب، مثل: انعقاد مؤتمر في القاهرة لدعم الأقلّية العربية في محافظة خوزستان في كانون الثاني عام 2012، وإعلان اتحاد كرة القدم الفلسطيني عن إلغاء مباراة ودّية كان من المفترض أن تقام بين المنتخب الإيراني والفلسطيني في طهران في كانون الأول عام 2014.

إنّ العداء في أوساط قطاعات من الشعب الإيراني تجاه العرب، والذي يعود ليعلو من حين لآخر، يشكّل خطرا ليس فقط على الجهود التي تبذلها الجمهورية الإسلامية لتحسين علاقاتها مع جيرانها العرب، وإنّما أيضًا على تماسكها الإقليمي كدولة أقليّات ولا عجب أنّ وسائل الإعلام الإيرانية أيضًا تجنّد نفسها لمحاولة إيقاف مظاهر العنصرية في المجتمع الإيراني.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في موقع Can Think