لم يمَّحِ اسم مروان البرغوثي من الوعي الجماعي الفلسطيني. فقبل فترة قصيرة، نُشر في الإعلام الفلسطيني عن إمكانيّة استحداث منصب نائب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وتكليف القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي بتولي منصب نائب الرئيس عباس. لكنّ مسؤولي السلطة الذين يحافظون على صلة وثيقة به يعرفون أنّ هذه الأقوال بعيدة عن الواقع ما دام البرغوثي سجينًا. من الجدير بالذّكر أنّ اسمه ذُكر عام 2011 كمرشّح للإفراج عنه ضمن صفقة شاليط، لكنه لم يُحرَّر أخيرًا.

يُعتبَر البرغوثي في إسرائيل مهندس الانتفاضة الثانية والمتّهم المركزي في تحوّلها إلى صراع مسلَح، قاسٍ، ودمويّ. يثني عدد غير قليل من السياسيين الإسرائيليين على مروان البرغوثي. حتى إنّ بعضًا منهم "حجّوا" إلى زنزانته. فيما يرى آخرون أنه ليس سوى بالون منفوخ، ستتضاءل قوته الانتخابية فور خروجه من السجن، ولا ينسَون أنه مجرم تسبب بالكثير من الأذى للفلسطينيين والإسرائيليين، ومكانه السجن.

صورة مروان البرغوثي و ياسر عرفات على لافتة في رام الله (Abed Rahim Khatib  Flash 90)

صورة مروان البرغوثي و ياسر عرفات على لافتة في رام الله (Abed Rahim Khatib Flash 90)

نلسون مانديلا الفلسطيني؟

وُلد مروان البرغوثي في قرية كوبر شمال رام الله عام 1958. في الخامسة عشرة من عُمره، أصبح ناشطًا في حركة فتح. عام 1976، بعمر 18 سنة، اعتَقل الإسرائيليون البرغوثي للمرة الأولى، ليتعلّم اللغة العبرية في السجن. بعد تحريره، عاد إلى الضفة الغربية وأصبح رئيس مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت، حيث حاز على اللقب الأول في التاريخ والعلوم السياسية، واللقب الثاني في العلاقات الدولية.

كان البرغوثي أحد قادة الانتفاضة الأولى عام 1987، وقاد الفلسطينيين في تظاهرات ضخمة ضدّ السلطة الإسرائيلية في الضفة الغربية. خلال الانتفاضة، اعتقلته إسرائيل وطُرد إلى الأردن، حيث مكث سبع سنوات حتّى سُمح بعودته في إطار اتّفاقات أوسلو عام 1994. حين عاد، صرّح ضدّ الفساد في السلطة الفلسطينية، ليدخل في مواجهة مع ياسر عرفات.

عام 1996، انتُخب البرغوثي أمينًا لسرّ اللجنة المركزية لفتح في الضفة الغربية، ودعم من موقعه هذا السلامَ مع إسرائيل. مع بدء الانتفاضة الثانية عام 2000، أصبح البرغوثي قائدًا ذا شعبيّة حين ترأس القوات المسلحة لفتح، "التنظيم"، واعتُبر راعي "كتائب شهداء الأقصى"، التي نفّذت العديد من التفجيرات في إسرائيل.

أدانت محكمة مدنية إسرائيلية البرغوثي عام 2004 بخمس جرائم قتل إسرائيليين ومحاولة قتل واحدة، وكذلك بالتورّط في أربع عمليات إرهابية من أصل 21 نُسبت له في لائحة الاتّهام. وحكمت عليه المحكمة بخمسة مؤبّدات و40 سنة سجن إضافية لمحاولة القتل. أمّا خطّ دفاع البرغوثي فهو أنه لا يعترف بسلطة المحكمة الإسرائيلية لمحاكمته.

قرّر القضاة أنّ البرغوثي قاد الخلايا الإرهابية في "التنظيم" و"كتائب شهداء الأقصى"، ساعد قادة الخلايا في تزويد التمويل والوسائل القتالية، وفي عدد من الحالات صادق مسبقًا على تنفيذ التفجيرات ضدّ إسرائيل.

دون ريب، أضحى البرغوثي منذ سجنه بطلًا قوميًّا، قائدًا مُوقّرًا، وأحد قلائل يمكن مشاهدة صُورهم مرفوعة في غزة والضفة على حدٍّ سواء. يُعتبَر البرغوثي أحد أهمّ القادة الفلسطينيين، ويصوّره الإعلام الفلسطيني نظيرًا لنلسون مانديلا.

اعتقد البرغوثي، مثل آخرين في الجانب الفلسطيني، أنّ تبني طُرق حزب الله سيؤدي إلى فرار إسرائيل من الأراضي الفلسطينية. لكنّ البرغوثي اعترف في السنوات الأخيرة بالخطأ الكبير الذي ارتكبه الفلسطينيون حين انتهجوا طريق التفجيرات، وقال في مقابَلات لا تُحصى إنه يدعم "المقاومة الشعبية"، أي التظاهرات دون استخدام سلاح ناريّ.

الأسير مروان البرغوثي في محكمة الصلح في القدس، عام 2012 (AFP)

الأسير مروان البرغوثي في محكمة الصلح في القدس، عام 2012 (AFP)

من معسكر السلام إلى التفجيرات

من ناشط سياسي محنّك، دعا قبلًا إلى تطبيق اتّفاقات أوسلو وسار جنبًا إلى جنب في التظاهرات مع يساريين إسرائيليين، انجرّ البرغوثي مع اندلاع الانتفاضة إلى هيجان الإرهاب الذي عصف بالأراضي المحتلّة. وحوّله دوره كزعيم لـ"شهداء الأقصى" إلى مطلوب من الدرجة الأولى في إسرائيل، لكنه استطاع النجاة من محاولة اغتيال عام 2001.

وروى النائب آفي ديختر، الذي كان رئيس الشاباك (الأمن العام) لدى اعتقال البرغوثي، أنّ "البرغوثي بنى قيادته على ظهر قتلى إسرائيليين"، مُردفًا: "لقد فقد من مكانته حين خسر أمام حسين الشيخ في انتخابات التنظيم عام 2000، لكنه رفض تسليم المنصب لخصمه. فحين اندلعت الانتفاضة، أدرك البرغوثي أنّ السبيل الوحيد أمامه لترميم مكانته هو إنتاج الإرهاب والتحوّل إلى قاتل".

وأضاف ديختر: "حتى عملية "السور الواقي" (2002)، كانت التعليمات تقضي بقتله، لأنه لا يمكن اعتقاله وسط رام الله دون تعريض حياة الكثير من الجنود للخطر. حين دخلنا مدن الضفة، تغيّرت الاستراتيجية. فلا يمكن الحصول على معلومات من موتى. منذ اللحظة التي أضحى ممكنًا فيه اعتقاله، لم تعُد الأفضلية للاغتيال".

وهكذا اجتازت فتح، بقيادة البرغوثي، خطَّين أحمرَين شتاء 2002: بدأ زملاؤه بتنفيذ تفجيرات انتحارية (كحركة علمانية، امتنعت فتح عن ذلك في الماضي)، كما عادوا إلى المهاجمة داخل الخط الأخضر، خلافًا للسياسة المعلَنة التي حصرت الصراع في الجيش الإسرائيلي والمستوطِنين فقط. ورغم أنّ البرغوثي ادّعى أنه وعرفات عارضا ذلك، يبدو أنهما لم يتّخذا خطوات لكبح هذا الميل.

كانت نتائج هذه الخطوة كارثية على الفلسطينيين. فقد أدّت موجة تفجيرات "آذار المرعب" (133 قتيلًا إسرائيليًّا، معظمهم مدنيّون) إلى قرار شارون بإعادة احتلال مدن الضفّة في عملية "السور الواقي". حطّمت إسرائيل السلطة بقيادة عرفات، ولم تقُم من أنقاضها إلّا بعد مرور نحو عامَين ونصف، بعد وفاة عرفات وتعيين عباس وريثًا.

في نيسان 2002، خلال عملية "السور الواقي"، ألقي القبض على البرغوثي في حي الطيرة في رام الله من قِبَل قوة تابعة للجيش الإسرائيليّ.

متظاهرون فلسطينين  في رام الله ينادون لتحرير البرغوثي (AFP)

متظاهرون فلسطينين في رام الله ينادون لتحرير البرغوثي (AFP)

وريث "أبو مازن"

طُرح اسم البرغوثي كمرشّح لقيادة الفلسطينيين مرتَين منذ سجنه. المرة الأولى في أيلول – تشرين الأول 2002، حيث ذكرت اسمَه كتائب شهداء الأقصى كشخص سيُحرِج تعيينُه رئيسًا للحكومة إسرائيل؛ والمرة الثانية في كانون الأول 2004 – كانون الثاني 2005، حين ذكره التنظيم كمرشّح ضدّ أبي مازن في انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية، في حال عدم الاستجابة لطلبات التنظيم.

في كانون الأوّل 2005، أعلن البرغوثي عن استقالته من فتح وإقامة حزب جديد اسمه "المستقبل"، لكنه عاد وترشّح في النهاية في إطار قائمة فتح، بعد أن فاز في الانتخابات التمهيديّة لتحديد القائمة.

منذ أسره، استخدم البرغوثي عدة مرات مكانته الجماهيرية لدفع مبادرات شتّى لوقف إطلاق النار، سواء مع إسرائيل أو في الساحة الفلسطينية الداخلية. عام 2006، حين تفاقم التوتر بين حماس وفتح وانعكس في شغَب عنيف، بادر البرغوثي إلى "وثيقة الأسرى"، التي هدفت إلى تعزيز إجماع داخليّ فلسطينيّ. في الوثيقة الأصلية التي خطّها، شُمل الاعتراف بإسرائيل، لكنّ صياغتها تبدّلت بهدف حيازة إجماع واسع حولها.

في الانتخابات التي جرت في آب 2009، انتُخب البرغوثي عضوًا في اللجنة المركزية في فتح. ويُذكَر اسمُه دائمًا ليشغل منصب رئيس السلطة الفلسطينية القادم أو نائب رئيس السلطة الحالي محمود عباس.

يدّعي محللون في إسرائيل أنّ البرغوثي يقضي عقوبات بالسجن في إسرائيل، واحتمال شغله منصبًا رفيعًا في السلطة غير واقعي، ولا يفهمون لمَ تبثّ السلطة الفلسطينية رسائلَ كهذه للشعب.

العلاقات مع الإسرائيليين

يبلغ مروان البرغوثي نحو 55 عامًا من العُمر، وكما ذُكر آنفًا، يُعدّ الرجل الوحيد في فتح المخوّل وراثة أبي مازن كرئيس للسلطة الفلسطينية حين يحين الأوان. لهذا السبب، سُمعت دعوات عديدة من سياسيّين إسرائيليّين لإطلاق سراحه.

قال عضو الكنيست والوزير السابق، بنيامين بن إليعزر، في الماضي: "سيكون مروان البرغوثي وفقا لتقديراتي الزعيم الفلسطيني القادم. أعتقد أنه لا داعي للفزع ويمكن إطلاق صراحه. كنت لأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار. أعتقد أن هذه المسألة  مقبولة على الرغم من أنني لا أتجاهل شدة أعماله".

ويحظى البرغوثي أيضًا بدعم شخصيات إسرائيلية ترى فيه زعيمًا فلسطينيًّا وتساند إطلاق سراحه، حتى إنّ بعضها يقيم معه علاقات متنوعة ويزوره في السّجن. وبين هؤلاء الأشخاص نذكر: حاييم أورون، عاموس عوز، رون بونداك، وغيرهم.

يدّعي عدد من المحلّلين الإسرائيليين أنَّ على إسرائيل التحدّث مع البرغوثي وعدم التغاضي عن القوة والمكانة اللتَين يملكهما بين الفلسطينيين. ويعتقد هؤلاء أنّ بديل "أبي القسّام" في المستقبل بالنسبة لإسرائيل سيكون حماس، لأنه لا يبدو في الأفق حتى الآن أي وريث آخر لأبي مازن في قيادة فتح.