لا يزال العنف في القدس محتدمًا قريبًا من السطح منذ عدة شهور. ولكن فقط عملية الدهس التي جرت أمس (الأربعاء)، والتي قُتلت فيها حايا-زيسل براون، ابنة الثلاثة أشهر، هي التي سيتركّز عليها الانتباه العام لما يجري في المدينة. في الواقع، يبدو أنّه لا مناص من تعريف ذلك أنّه انتفاضة مدنية تنتشر في القدس منذ الصيف.

فبينما توقف القتال في قطاع غزة تمامًا في أعقاب وقف إطلاق النار في نهاية شهر آب وعاد الهدوء إلى مناطق أخرى (الضفة الغربية، البلدات العربية في إسرائيل)؛ لم يتوقف العنف في القدس للحظة. وليس المقصود هو قتل المراهق محمد أبو خضير في شعفاط فحسب، من قبل إرهابيين يهود. قام إرهابي فلسطيني - خلال الحرب في غزة - بدهس مواطن إسرائيلي بواسطة جرّار في قلب المدينة. وقد تدهورت الحالة الأمنية مؤخرًا بشكل كبير في الحيّ اليهودي شرقيّ القدس وشمالها وما زالت التوترات حول ترتيبات زيارة اليهود للحرم القدسي تتراكم بشكل تدريجي بالإضافة إلى جهود الاستيطان في الأحياء العربية.

في السنوات الأخيرة، قاد رئيس البلدية نير بركات جهودًا رائعة لاستعادة الشعور بالأمن في القدس، ولإعادة السياحة إليها من إسرائيل والخارج، بعد الأيام الصعبة من الانتفاضة الثانية. ولكن تحديدًا أحد أكثر المشاريع طموحًا في فترة ولايته، وهو مشروع القطار الخفيف، يقع الآن في مركز النضال الشعبي العنيف من الجانب الفلسطيني. فبعد عملية قتل أبو خضير مباشرة تم التقاط صور لملثّمين وهم يقطعون بعض الأعمدة في محطة القطار الخفيف.‎ ‎أصبحت حوادث إلقاء الحجارة على القطار لدى مروره في الأحياء العربية مسألة شبه يومية منذ ذلك الوقت، بل إنّ عملية الدهس أمس وقعت في محطة القطار في جفعات هتحموشت. ينظر الفلسطينيين إلى خطوط القطار الخفيف التي تمرّ عن طريق الأحياء العربية نظرة رمز للسلطات الإسرائيلية يجب تحدّيه، وأيضًا باعتباره هدفًا مريحًا ومتاحًا للهجمات.

الصدامات العنيفة في القدس (Sliman Khader/FLASH90)

الصدامات العنيفة في القدس (Sliman Khader/FLASH90)

وعلى الرغم من أنّ الشرطة تتخذ موقفًا شديدًا ضدّ مثيري الشغب الفلسطينيين في المدينة، فإنّها لا تتمتّع بحرية العمل المتاحة للجيش الإسرائيلي في التعامل مع الاحتجاجات العنيفة داخل الضفة الغربية. إنّ استخدام الأسلحة النارية ووسائل فض المظاهرات قليل وخاضع للرقابة. وهناك بعض التقييدات التي يفرضها القانون الإسرائيلي على الوسائل القانونية المتاحة للشرطة، مثل: إجراءات الاعتقال وخصوصًا معاملة القاصرين. ونادرًا ما تنشط الشرطة أيضًا في الأحياء والقرى الفلسطينية البعيدة عن وسط المدينة. على الرغم من أنّ نشاط الشرطة قد منع حتى الآن من انتشار أوسع للعنف، على النطاق والقوة اللذين كانا في الانتفاضتين السابقتين، لم تكن الشرطة قادرة على إعادة المارد مرة أخرى للزجاجة.

إنّ الخشية الفلسطينية من التحركات التي تقودها منظّمات وأعضاء كنيست من اليمين لتغيير الوضع الراهن في الحرم القدسي، تزيد فقط من الإحباط والعداء، وهي مستمدّة أيضًا من الإهمال الطويل للقدس الشرقية. وبطبيعة الحال فإنّ تصريحات رئيس السلطة محمود عباس (أبو مازن) العدوانية، والذي حذر من محاولات استيلاء اليهود على الحرم القدسي، ساهمت هي أيضًا بتردّي الأوضاع. ستضطر حكومة نتنياهو إلى بذل جهود كبيرة للتهدئة الآن، بدعم حضور الشرطة الأكثر تعزيزًا، لمنع المزيد من التصعيد في القدس. إنّ استمرار العنف في القدس قد يؤدّي أيضًا إلى تدهور الأوضاع في الضفة.

من المتوقع أن تستمرّ الأحداث في الجنوب، على الرغم من بناء الجدار

وقد وقع حادث أمني آخر أمس في قطاع آخر، بعيد عن القدس: الحدود مع مصر. ويظهر من التحقيق الذي أجراه الجيش الإسرائيلي أنّ خلفية إطلاق النار على قوة من كتيبة المشاة "كراكال"، والذي أصيبت فيه قائدة سرية وجندي، هي خلفية جنائية في الأصل. خشي مهرّبو مخدّرات من أن يتم اكتشاف أمرهم من قبل مركبة عسكرية وصلت إلى المكان بالصدفة، فقاموا بإطلاق النار باتجاهها من ثلاثة نقاط مختلفة قرب السياج الحدودي. وفقًا للجيش، فقد ردّ الجيش والقائدة بشكل جيّد، أطلقوا النيران ودعوا قوات إضافية، والتي قتلت بعض المهرّبين.

وليست هذه هي الحادثة الأولى لـ "عملية تهريب عنيفة". فقد أطلق النار في السابق مهرّبون للمخدرات والسلاح من البدو، ممّن قدِموا إلى منطقة الحدود، من أجل إبعاد وردع قوات الجيش الإسرائيلي. وقد كان الحادث هذه المرة أكثر خطورة وكانت قوة الردّ السريعة للقوة فقط، إلى جانب التنسيق الأمني الوثيق بين الجيش الإسرائيلي والجيش المصري، هي التي أدت إلى انتهاء الحادثة دون خسائر في الأرواح في الجانب الإسرائيلي. ومن المتوقع أن يستمرّ تبادل إطلاق النار مع المهرّبين وخلايا التنظيمات الإرهابية من الجهاد العالمي، الفصائل السنية المتطرفة الناشطة في سيناء، وأن يحدث من وقت لآخر على الرغم من استكمال الجدار على طول الحدود المصرية. ولكن الاستعداد الدفاعي الفعّال للجيش الإسرائيلي، والذي يعتمد على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العمليّاتي مع المصريين؛ قادرٌ على تقليص تلك الأضرار أيضًا في المستقبل.

تم نشر المقال لأول مرة على موقع صحيفة هآرتس