يافا اليوم هي مدينة صغيرة يعيش فيها 20 ألف عربي. أوضاعهم الاقتصادية بحسب الوزارات المختلفة هي الأصعب في البلاد على مستوى المجتمع العربي. فقط سكان النقب يعيشون في ضائقة اقتصادية أكبر من تلك التي يعاني منها العرب في يافا. فإذا ما اخذنا مجال الـ "هاي تك"، أي الصناعات ذات التقنيات والتكنولوجيا العالية، وهو المجال الذي تعتبر فيه دولة إسرائيل دولة عظمى، وصلت في السنوات الأخيرة نسبة العرب من مختلف أنحاء البلاد الذين يعملون في هذا المجال إلى 3% من القوى العاملة فيه، وهذه النسبة آخذة بالارتفاع. أما في يافا، ففقط 4 أو 5 شبان عرب يعملون في هذه الشركات من أصل 6 آلاف عربي يعيشون في المدينة، تتراوح أعمارهم بين ال 18 وال 35.

في يافا، لا زال شبح الإخلاء أو الهدم يهدّد مصير قرابة 500 عائلة عربية. الأزواج الشابة العربية لا تستطيع أن تحلم بتملك شقة سكنية لأنها لا تستطيع حتى الوصول إلى قرض الإسكان الذي من شأنه أن يقرب هذه الأزواج من حلم شقتهم الخاصة. المنطقة القريبة من شاطئ البحر تشهد "تبادلا سكانيا" ملحوظا، أو عملية تهجير مبرمجة كما تسميها القوى السياسية والجمعيات الناشطة في يافا، إذ يخرج بموجبها السكان العرب من منطقة الشاطئ إلى شرق المدينة ليأتي مكانهم الأثرياء وغالبيتهم الساحقة هم بطبيعة الحال من اليهود.

في ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة تنشط في يافا حركات سياسية أبرزها الحركة الإسلامية، بشقيها الجنوبي (الممثل في الكنيست في إطار القائمة العربية المشتركة) والشمالي برئاسة الشيخ رائد صلاح، والتي تسعى إلى تعزيز الهوية العربية والفلسطينية للسكان. منذ سنوات تسيّر الحركات الإسلامية عدة حافلات إلى المسجد الأقصى بشكل أسبوعي مما عزّز العلاقة بين أهالي يافا العرب، وبين مدينة القدس، وتحديدا مع المسجد الأقصى. لذلك، لم يكن مفاجئا انضمام أهالي المدنية، لا سيما الشباب منهم، إلى موجة الاحتجاجات العامة، والتي تتصدر فيها قضية الأقصى.

فرغم قرب يافا من تل أبيب، ورغم تأثير هذا القرب، واتباع غالبية أهالي يافا لنمط حياة هو أقرب من تل أبيب من ناحية الشكل منه إلى المناطق الفلسطينية، إلا أن عرب يافا يعتبرون التصعيد في المسجد الأقصى تصعيدا بحق أقدس مكان بالنسبة لهم، وكان لا بد من ناحيتهم أن يعبّروا عن احتجاجهم لما يحصل في القدس، وتحديدا في المسجد الأقصى.

فيوم أول أمس تم اعتقال شابة من يافا جاءت للقدس للرباط في المسجد الأقصى، وسرعان ما سيطر نبأ الاعتقال على مواقع الأخبار المحلية وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ليشعر أهالي المدينة أن عليهم أن يقوموا بخطوة احتجاجية ردا وتماشيا مع حالة التوتر والتصعيد في القدس والمسجد الأقصى. وجراء ما أشرنا إليه من نمو دور الحركات السياسية وتحديدا الإسلامية منها، لم يكن مفاجئا أن يحمل عشرات الشباب الأعلام الفلسطينية وأعلام عليها شعار "لا اله الا الله"، لينزلوا بها إلى الشارع، ولتكون نقطة الاحتكاك الأولى الكنيس اليهودي في حي الجبلية، والذي يعمل كمدرسة توراتية دينية، لتبدأ هناك المناوشات التي تطورت سريعا إلى مواجهات وصلت إلى الشوارع الرئيسية.

هذا الكنيس، الذي كان يُستعمل للصلاة من قبل بعض سكان الحي اليهود القدامى، دون أن يثير ذلك أي مخاوف لدى المواطنين العرب، أصبح وبعد وصول أحد حاخامات مستوطنة "بيت إيل" القريبة من رام الله، ليدير المدرسة الدينية فيه- أصبح هو الشاهد الحي من ناحية أهالي يافا العرب على أن وجودهم في يافا بات في خطر وأن هذا الخطر لم يعد مجرد خوف أو شعار وإنما واقع على الأرض، إذ بدأوا يشعرون أن هذه الفئة جاءت إلى يافا ليس للعيش فيها، وإنما لتغيير ملامح المدينة. وخير دليل على ذلك من ناحية عرب يافا كان مشاركة هذه الجماعة في مناقصات العقارات والأراضي في يافا، وفوزها في إحدى المناقصات لبناء 24 وحدة سكنية على ما كان يعرف ب "أرضي سوق الجبلية" أو السوق التركي الذي هدمته بلدية تل أبيب ودائرة أراضي إسرائيل. وبعد المناقصة قالت الشركة الفائزة فيها إن سكان المشروع سيكونون من اليهود المتدينين القوميين، أي بلا عرب وحتى بلا يهود علمانيين لا يتبعون نمط حياة وثقافة هؤلاء.

فعلى هذا الكنيس، أو لنقل المدرسة الدينية، ألقى أحد مواطني يافا، ويدعى حافظ قندس، وهو سجين أمني سابق أمضى 28 عاما في السجون الإسرائيلية، قنبلة صوتية الشهر الماضي، في حادثة تحركت لها أجهزة الأمن الإسرائيلية بجهد كبير قامت خلاله بمصادرة مئات كاميرات الرقابة من على بيوت يافا التجارية ومصالحها، إيقانا منها أن هذه الحادثة، إذا ما تم احتوائها بسرعة، قد تشكل نقطة مفصلية في علاقات أهالي يافا العرب مع سكان المدينة اليهود، ومع لسلطات المختلفة.

ثمة قناعة لدى جزء كبير من أهالي يافا أن شعار الحركة الإسلامية "الأقصى في خطر" أصبح واقعا، إذ دفعت الضائقة المعيشية والسكنية وعدم وجود أي أفق أو أمل لنسبة كبيرة من الشباب، والنشاط المتزايد لمجموعات يهودية متشددة داخل أحياء المدينة- دفعت بشباب يافا يوم أمس للنزول إلى الشارع. بقاء هؤلاء الشباب على هامش المجتمع بلا أمل، وبلا عمل، وبلا مسكن، يوحي بأن هذه الاحتجاجات الدورية التي تشهدها يافا بين الحين والآخر، ستظل جزءا من المشهد اليافي، خاصة إذا استمر التوتر حول المسجد الأقصى على ما هو عليه.