في نهاية جولة محادثات إضافية في جنيف، توصّلت إيران والدول الغربية إلى اتفاق مرحلي تاريخي في الشأن النووي. وفقًا للاتّفاق، تعهّدت إيران بتجميد تخصيب اليورانيوم بأكثر من 5% وبتفكيك الوسائل التقنية المطلوبة للتخصيب بمستوى أعلى من هذا. كذلك، التزمت إيران بإبطال مفعول مخزون اليورانيوم المخصّب بنسبة نحو 20% الموجود لديها، عدم تركيب أجهزة طرد مركزي إضافية من أيّ نوع كان، إيقاف نحو نصف أجهزة الطرد المركزي المركَّبة في منشأة نطنز عن العمل، إضافةً إلى نحو ثلاثة أرباع أجهزة الطرد المركزي في منشأة فوردو، عدم بناء منشآت إضافية للتخصيب، وعدم زيادة مخزون اليورانيوم المخصَّب بنسبة 3.5%.

وينصّ الاتّفاق أيضًا على أن لا تشغّل إيران المُفاعِل في أراك، لا تضع فيه مركِّبات أخرى، ولا تنقل إليه وقودًا ومياهًا ثقيلة. وتعهّدت إيران أيضًا بزيادة وسائل المراقبة لمُراقِبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للبرنامج النووي.

بالمقابل، تعهّدت القوى العظمى بعدم فرض عقوبات إضافيّة على إيران وبتجميد العقوبات على تجارة المنتَجات البتروكيميائية، الذهب، السيارات، وقطع التبديل للطائرات. ويُتيح الاتّفاق أيضًا لإيران أن تواصل تصدير النفط بالمستوى الحاليّ. ويمكن نقل 4.2 مليارات دولار من مبيعات النفط إلى إيران إذا تمّمت التزاماتها.

وتُتيح صيغة الاتّفاق للطرفَين أن يدّعيا تحقيق إنجازات. فالاتّفاق يتيح لإيران مواصلة تخصيب اليورانيوم على أراضيها إذ لا يُطلَب منها إغلاق منشآت التخصيب التي بنتها، كما طلبت إسرائيل، ولا حتّى نقل نتاج تخصيب اليورانيوم إلى خارج أراضيها، كما طلبت القوى الغربية في الماضي. ورغم أنّ الاتّفاق المرحليّ لا يشمل اعترافًا رسميًّا بحقها في تخصيب اليورانيوم، فإنّ فيه اعترافًا ضمنيًّا بهذا الحقّ. بالمقابل، يتيح الاتّفاق لإيران الحصول على تسهيلات اقتصادية هامة جدًّا يمكن أن تجعلها تتنفس الصعداء اقتصاديًّا.

في الواقع، يُطلّب من إيران بشكل أساسيّ أن تجمّد القدرات المرتبطة ببرنامجها النوويّ، لكنّ الاتّفاق لا يُطيل بشكل ملحوظ الجدول الزمني المطلوب لتصل إلى إمكانات نوويّة عسكريّة. ويبقي الاتّفاق بيد إيران المنشآت النووية التي يمكن أن تشكّل في المستقبَل أساسًا لوثبة سريعة ومحميّة نحو الإمكانية العسكرية.

أمّا على المستوى الاقتصادي، فالاتّفاق لا يؤدي إلى انهيار منظومة العقوبات، لأنه لا يشمل رفع العقوبات في القطاعَين المركزيَّين: الصناعة المصرفية والنفط. مع ذلك، يمكن أن يؤدي إلى تآكُل العقوبات وتشجيع دول وشركات على استئناف علاقاتها الاقتصادية مع إيران. ويمكن أن تستغلّ شركات غربيّة التسهيلات لإحكام قبضتها على الاقتصاد الإيراني، وبذلك جعل العقوبات عديمة الجدوى تقريبًا. فليس عبثًا حذّر مؤخرا وزير المالية الإسرائيلي، يائير لبيد، من أنّ رفع جزء من العقوبات يمكن أن يؤدي إلى انهيار السدود دون قدرة على منع فيضان الشركات العالميّة التي ترغب في العودة إلى الأسواق الإيرانية بسبب الإمكانيات الاقتصادية الكبيرة الكامنة فيها.

لا يحسّن الاتّفاق بشكل ملحوظ الاقتصاد الإيرانيّ، لكنه يمكن أن يكبح الميل إلى الانهيار. بشكل أساسيّ، يستجيب الاتّفاق، ولو جزئيًّا، للتوقعات المرتفعة بتحسين الوضع الاقتصادي، التي نمت لدى الشعب الإيراني منذ انتصار الرئيس روحاني.

في ضوء الواقع أنّ الاتّفاق لا يُبعد إيران كليًّا عن الخيار العسكري، فلا عجبَ أنّ إسرائيل تنظر إليه بعين النقد وعدم الارتياح، حيث إنّ مطالبها بسلب إيران أية قدرة على تخصيب اليورانيوم وتحقيق برنامجها النووي جرى تجاهلها. كذلك يُتوقّع أن تتلقى دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، الاتّفاق بمرارة إثر خشيتها من اتّفاق يُبقي قدرات جارتها الشرقية النووية على حالها.

لدى إسرائيل والسعودية خشية كبيرة من عدم التوصّل إلى اتّفاق نهائيّ مع إيران، حتّى بعد انقضاء ستّة أشهر. في وضع كهذا، يمكن أن يقوم الإيرانيون، وهم متحررون إلى حدٍّ ما من ضغط العقوبات، بإيقاف تجميد نشاطهم النووي والعودة إلى العمل بشكل كامل في البرنامج النووي بكافّة أوجهه: تخصيب اليورانيوم، إضافة آلاف أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، تشغيل المُفاعِل في أراك، وحتى المُضيّ قُدُمًا في مكوّنات برنامج التسليح.

ورغم أنّ الاتّفاق المرحليّ لا يتضمّن أيّ حلّ للأزمة الاقتصادية التي تعصف بإيران، يُتوقَّع أن يستقبله معظم الشعب الإيراني بالترحيب، إذ إنه يتمنى أيّ تخفيف لأزماته الاقتصادية. فضلًا عن ذلك، يمكن أن يعرض مديرو المفاوضات الاتّفاق كاعتراف غربيّ بحقّ إيران في تخصيب اليورانيوم، ما يمكن أن يُسهم في إقناع الرأي العام الداخلي بأنه لا يمسّ بحقوق بلاده الشرعيّة.

وفي اليمين المتشدِّد في إيران، من المتوقّع أن يلاقي الاتّفاق نوعًا من الانتقاد. فقد سبق أن حذّرت عناصر في المعسكر الراديكالي في الأسابيع الماضية من اتّفاق تسوية، يكون مماثلًا لذاك الذي جرى التوصّل إليه عام 2003 بين إيران والغرب، وأدّى إلى تعليق تخصيب اليورانيوم. وحذّرت وسائل إعلام محسوبة على هذا الفريق من اتّفاق يعني تنازلات إيرانيّة دون مقابل كافٍ من الغرب، حتى إنها دعت اتّفاقًا محتمَلًا كهذا "معاهدة تُركمنجاي"، نسبةً إلى المعاهدة التي وُقّعت في القرن التاسع عشر بين إيران وروسيا، وتُعتبَر حتى اليوم رمزًا للإذعان الإيرانيّ لإملاءات القوى العظمى. يبدو، مع ذلك، أنّ قدرة هذه العناصر على التأثير في الرأي العام الداخلي ووضع عقبات ملحوظة في طريق حكومة روحاني لمواصلة المسار السياسي مع الغرب تبقى محدودةً في هذه المرحلة. على المدى القريب، يُتوقَّع أن يعزّز الاتّفاق المكانة السياسية والشعبيّة للرئيس.

مع ذلك، يجدُر التشديد على أنّ الاتّفاق الذي جرى إحرازه هو اتفاق مرحلي مؤقّت، وأنّ الطريق لحلّ الأزمة النووية بين إيران والغرب لا تزال طويلة، ويمكن أن تعترضَها صعوباتٌ شتّى. وكانت قدرة الحكومة الإيرانية على التوصّل إلى اتّفاق منوطة إلى حدّ كبير بالدعم الذي منحه المرشد الأعلى، علي خامنئي، للمسار السياسيّ. ويُعتبَر دعم المرشِد لمواصلة المسار حيويًّا لنجاحه في المستقبَل أيضًا، وهو منوط إلى حدٍّ كبير بقدرة إيران على التوصُّل إلى اتّفاق يؤدي إلى رفع تامّ للعقوبات مع الحفاظ على ممتلكات نووية، تبقيها على بُعد معقول عن الخيار النووي العسكري، إذا اتُّخذ في المستقبَل قرار سياسيّ يتطلّب خيارًا كهذا.

ورغم الصعوبات المتوقعة في المستقبل، وحتّى إن كان الحديث عن اتفاق مرحلي جزئي ومؤقت، فلا ريبَ أنّه يشكّل تقدُّمًا هامَّا وتاريخيًّا في العلاقات بين إيران والغرب. فيمكن أن يشقّ تنفيذُه الطريقَ ليس نحو حلّ الأزمة النووية الإيرانية فحسب، بل أيضًا نحو العودة التدريجية لإيران إلى المجتمع الدولي.