لم تستطع الحكومة البريطانية اختيار توقيت دبلوماسيّ أسوأ لتأمر شركات الطيران البريطانيّة تأجيل جميع الرحلات الجوية من مطار شرم الشيخ، خشية من أن يكون تحطم الطائرة الروسية قد نجم بسبب عبوة ناسفة. لقد قامت بذلك بعد ساعات من هبوط الرئيس المصري، عبد الفتّاح السيسي، لزيارة رسمية في لندن والتي تتضمن لقاء مع رئيس الحكومة البريطانية، ديفيد كاميرون.

لم يكن السيسي ليتخيل استقبالا أكثر سوءًا من هذا. على مدى خمسة أيام متتالية، قبل وقت طويل من توصل محققي الرحلة الجوية إلى النتائج الأولية، تصرّ الحكومة المصرية على أنه ليس هناك أي سبب للافتراض بأنّ عملية إرهابية تسببت في حادثة التحطم التي قُتل فيها 224 مسافرا وأفراد الطاقم. لم تكن حكومة كاميرون، التي تلقت أيضًا انتقادات قاسية من المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان لكونها تستضيف المستبد السيسي، لتُحرجه ببيان علني كهذا لولا المعلومات الاستخباراتية القوية حول احتمال أن تكون عبوة ناسفة قد أدت إلى تحطم الطائرة.

في الوقت الذي يقضي فيه نحو 2,000 سائح بريطاني إجازتهم في شواطئ البحر الأحمر جنوب سيناء، خرج البيان البريطاني دون إعداد مسبق. في هذه المرحلة من غير الواضح حتى متى سيتم السماح لطائرات الشركات البريطانية الموجودة على الأرض في شرم الشيخ بالعودة إلى لندن. أعلن وزير النقل البريطاني أن خبراء الأمن البريطانيين قد خرجوا إلى مصر من أجل التأكد من أن الطائرات ستستطيع الإقلاع عائدة مع اتخاذ تدابير أمنية خاصة.

حطام الطائرة الروسية من طراز A321 في شبه جزيرة سيناء (AFP)

حطام الطائرة الروسية من طراز A321 في شبه جزيرة سيناء (AFP)

إن احتمال العملية الإرهابية قد نُفي في البداية بسبب التقدير أنّ الصواريخ المضادة للطائرات التي بيد فرع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سيناء ليست قادرة على إصابة الطائرة الروسية. في الأيام الأربعة الأخيرة كثرت العلامات التي تدل على أن احتمال ذلك معقول جدا، تحديدًا، على شكل وضع عبوة ناسفة في الطائرة وهي لا تزال على الأرض. وتشير الحالة المستعجلة التي صدر فيها البيان البريطاني على أنّها كما يبدو معلومات من دولة أخرى. وتنضم إلى ذلك أخبار نُشرت أمس في الولايات المتحدة حول أن الاستخبارات الأمريكية تعتقد بأنّها عبوة ناسفة. هناك علاقات استخباراتية وثيقة بين الولايات المتحدة، بريطانيا وإسرائيل، ولكن في حين أن لدى الأمريكيين وإسرائيل وسائل جمع معلومات متقدمة وموجّهة نحو سيناء (إسرائيل في منطقة الحدود مع مصر والولايات المتحدة بواسطة شبكة من أقمار التجسس)، فإنّ لدى البريطانيين طائرات ركاب تهبط بشكل دائم في شرم الشيخ. لا تهبط طائرات الشركات الأمريكية والإسرائيلية في سيناء.

كانت الإهانة العلنية لحكومة السيسي، التي تفتخر بوعودها بالاستقرار والحرب العنيدة ضدّ الإرهاب الإسلامي، هائلة. في الأيام الماضية، يحاول الناطقون باسم الحكومة في القاهرة تفنيد التلميحات التي صدرت من الجانب الروسي على أنّ هناك "جهة خارجية" كانت وراء تحطّم الطائرة. حتى الآن كان هناك سبب للشك أيضًا في موثوقية الأدلة التي لدى روسيا، التي تحاول التهرب من مسؤوليتها عن الحالة المتردية من صيانة الطائرات في شركات طيرانها. لم تُوقف الحكومة الروسية حتى الآن عشرات الرحلات الجوية التي تنقل كل يوم آلاف السائحين الروس إلى الأماكن السياحية في جنوب سيناء.

حطام الطائرة الروسية التي سقطت في سيناء (AFP)

حطام الطائرة الروسية التي سقطت في سيناء (AFP)

ومع ذلك فإنّ الإعلان البريطاني يشكل تعبيرا عن عدم الثقة الكبير حول قدرة مصر على تأمين طرق الطيران المدني للرحلات الجوية التي تخرج من أراضيها. والأمر ليس مجرد إضرار بهيبة السيسي وإنما أيضًا ضربة قاسية جدا لصناعة السياحة المصرية. منذ الثورة المصرية ونفاد الزوار في الأهرام والمواقع الأثرية في وسط البلاد، اعتمدت السياحة بشكل أساسيّ على السائحين الذين استمروا بالذهاب إلى جنوب سيناء. وقد امتنع فرع داعش، الذي وسع عملياته في الأشهر الأخيرة عبر سلسلة من الهجمات القاسية ضدّ الجيش المصري في شمال سيناء، عن تنفيذ العمليات في جنوب شبه الجزيرة. وذلك بشكل أساسيّ بسبب حقيقة أن الآلاف من أبناء القبائل البدوية في شمال سيناء يساعدون داعش، ويعملون في الفنادق والشركات السياحية في الجنوب.

نشر هذا المقال لأول مرة على صحيفة هآرتس