سجّل موت الحاخام عوفاديا يوسف وتشييعه أمس (الاثنين) أحد الأحداث الأكثر تغطية في الإعلام الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، ولم تغب الإثارة عن مواقع التواصل الاجتماعي بطبيعة الحال

ليس مفاجئًا أنّ الجمهور الحاريدي في إسرائيل اهتاج إثر وفاة الحاخام، الذي أثر بشكل مباشر وملحوظ في حياتهم، ليبقوا دون قائد، روحي وسياسي على السواء. ليوم واحد (وربما ينجح ذلك في الاستمرار طيلة أيام الحداد السبعة على الحاخام)، جرى نسيان الخلافات، الانقسامات، والتحريض، وتوحّد الجمهور الحاريدي كله، بما فيه الحاريديون الغربيون وزعماؤهم، الذين زارهم الحاخام مرارًا، مع الجمهور الشرقي حدادًا وإجلالًا للحاخام. ليس أمرًا مُسلَّمًا به أن يشارك في تشييعه نحو 800 ألف شخص، في ما شكّل أكبر تشييع في تاريخ دولة إسرائيل. حتى الصحيفة الحاريدية "ييتِد نئمان"، التي شكّلت معارضة حاريدية ثابتة للحاخام، خصّصت له صباح اليوم (الثلاثاء) عددًا خاصًّا ومليئًا بالتوقير والتمجيد.

لكن ليس الحاريديون فقط، بل أيضًا الإعلام العلماني استنفر إثر موت الحاخام. انتقلت جميع القنوات التلفزيونية إلى بث خاصّ، قامت بتغطية التحضيرات للتشييع، الرثاء، والتشييع نفسه الذي استمر ساعات طويلة، كما بثت برامج خاصّة محضرة مسبقا حول "سيرة حياته وأفعاله"، وألغي بث مسابقات إذاعية وبرامج تسلية احترامًا وتماثلًا مع الحداد. كذلك رأت الصحافة العلمانية نفسَها ملزمة بمقالات افتتاحية وضخمة وطبعات خاصّة احترامًا للحاخام.

وتطرّقت صحيفة "هآرتس" إلى الظاهرة، ونشرت تحت العنوان "موت الحاخام عوفاديا أحرج التلفزيون" تقريرًا حول أنّ "معظم العاملين في هذا المجال هم علمانيون غربيون، يشكّل الحزن على وفاة حاخام كبير أمرًا غريبًا بالنسبة لهم، لكنهم اضطُرّوا أمس إلى التظاهُر والتزام الحذر الشديد في محاولةٍ لاحترام الحدث". والحديث هو عن ظاهرة ليست مفهومةً ضمنًا، إذ يبدو أنها تشهد على القوة السياسية الهائلة التي امتلكها الحاخام، إذ تُكرّر في كل مكان اللازمة بأنه "ليس له بديل"، ليس ثمة رجلٌ آخر يمكن لكلمة واحدة مِن فيه أن تحرّك جمهورًا بأسره وتؤثر إلى هذا الحدّ في العمليّات السياسيّة.

لقطة شاشة القناة الثانية

لقطة شاشة القناة الثانية

لكن فيما تسعى الشبكات الإعلامية الكبرى، التي تحرّكها اعتبارات نسب المشاهدة، والملتزمة بالرسمية والرصانة، إلى إرضاء جماهير الشعب (متدينين، محافظين، وحتى علمانيين يريدون أن يودّعوا الحاخام بشكل لائق)، فإنّ قواعد اللعب في مواقع التواصل الاجتماعي مختلفة. ففور النبأ حول وفاة الحاخام، بدأت نكات سوداء وساخرة تملأ الشبكة العنكبوتية، بعضها خفيف وبعضها لاذع، تسخر بشكل خاصّ من الحاخام وأتباعه. كانت إحدى النكات الشائعة "خرج خارجًا" كإعادة صياغة لتصريح الحاخام الشهير في الماضي، حين طرد صحفيًّا من مؤتمر صحفي آمرًا إيّاه "اخرُج خارجًا".

طبعًا، لم تتأخّر ردود الأفعال، واهتزت الشبكة بالنقاش حول إن كان لائقًا الاستهزاء بموت الحاخام، وفي يوم وفاته تحديدًا، وهل "ثمة قواعد للسخرية". وفيما طلب البعض التزام الاحترام، توجّه آخرون بشتائم وتهديدات لناشري النكات، الذي واصلوا، بل ضاعفوا، من التنكيت على حساب الحاخام عوفاديا. إذا حكمنا ممّا جرى على الإنترنت، يمكن القول إنّ الإعلام الرسمي تحديدًا بالغ بعض الشيء في تغطية موت الحاخام، وأنّ أقسامًا كبيرةً جدًّا من الشعب لا تتماثل مع "يوم الحداد الوطنيّ" المفروض عليها.

مع ذلك، فوسط كل الفوضى الإعلامية، اقتُرف الكثير من الأخطاء المُحرِجة. فالموقع الإخباري "والاه"، أحد أكثر المواقع شعبية في إسرائيل، نشر خطأً خبرًا عن وفاة الحاخام منذ العاشرة صباحًا، فيما كان لا يزال حيًّا ويصارع من أجل الحياة في المستشفى. ونجم الخطأ عن كون التقرير عن وفاته وأعماله قد حُضّر مسبقًا، بحيث يمكن تشر المعلومات بأقصى سرعة ممكنة وقت الضرورة (ظاهرة معروفة ومقبولة في عالم الإعلام)، لكن بدل مجرّد حفظ المعلومات، ارتكب أحد المحررين الخطأ المحرج، ونشرها قبل أوانها.