هذا الأسبوع، نشرت المجلة الإلكترونية "تابلت" مقالا استثنائيًّا في طبيعته لماتي فريدمان؛ مراسل ومحرر سابق في وكالة الأنباء أسوشيتد برس  (‏AP‏): يشرح فيها مطوّلا لماذا يميل الإعلام العالمي ضدّ إسرائيل.  وكالة أسوشيتد برس هي واحدة من محطات تقديم الأخبار الأكبر في العالم، وتنتشر تقاريرها لوسائل إعلام كثيرة في العالم وفي إسرائيل. عمل فريدمان كمحرر ومراسل في وكالة الأنباء بين عامي 2006-2011 وهو يحلل لماذا يتجاهل الإعلام الأجنبي تغطية إسرائيل والصراع الإسرائيلي الفلسطيني تمامًا تقريبًا ما يحدث داخل المجتمع الفلسطيني، يتطرق بلا مبالاة إلى سلطة الرعب الخاصة بحماس في غزة وفي نهاية المطاف، يساهم في استمرار الصراع.

على سبيل المثال، يسلّط فريدمان الضوء على نطاق التغطية غير المتناسق والذي تتمتّع به إسرائيل مقارنة مع سائر العالم:

"حين كنت مراسلا في وكالة أسوشيتد برس، كان لدى الوكالة أكثر من 40 عاملا غطّوا إسرائيل والمناطق الفلسطينية. وهذا عدد المراسلين الأكبر ممّا كان لدى وكالة أسوشيتد برس من مراسلين. في الصين، روسيا، أو الهند، وفي البلدان الأفريقية الخمسين الواقعة جنوب الصحراء الكبرى معًا. وهو عدد مراسلين أكبر من العدد الكامل لعمال جلب الأخبار في كلّ الدول التي اندلعت فيها مؤخرًا ثورات "الربيع العربيّ".

الخليل (Miriam Alster / Flash 90)

الخليل (Miriam Alster / Flash 90)

يشرح فريدمان كيف أن التغطية المفرطة للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني تزيد من أهميته عن صراعات أخرى، حتى لو كان العنف في تلك الصراعات من ناحية موضوعية (مثل سوريا) أكثر شدة، مع عدد قتلى أكبر بكثير. ولكن وسائل الإعلام لا تعبّر فقط بمصطلحات كمّية، وإنما أيضًا من حيث طبيعة التقرير:

"المراسل الأجنبي الذي يعمل في إسرائيل يفهم سريعًا أن المهم في الحكاية الإسرائيلية - الفلسطينية هو إسرائيل. إذا كنتم تتبعون تقارير وسائل الإعلام الرئيسية، فلن تجدوا تقريبًا تحليلات حقيقية للمجتمع الفلسطيني أو الإيديولوجيات التي فيه، بروفيلات الجماعات الفلسطينية المسلّحة أو تحقيقات حول الحكومة الفلسطينية. لا يتطرّق أحد بجدّية للفلسطينيين كمسؤولين عن مصيرهم..."

يضيف فريدمان: "الفساد، على سبيل المثال، هو قضية تزعج الكثير من الفلسطينيين الذين يعيشون تحت حكم السلطة الفلسطينية، ولكن حين اقترحت مرة مع مراسل آخر مقالا في الموضوع، تم إعلامنا من قبل رئيس المكتب [أسوشيتد برس] أن الفساد الفلسطيني هو "ليس الموضوع".

كتب فريدمان أيضًا: "يتمّ تحليل تصرّفات إسرائيل وانتقادها، وأي خلل في المجتمع الإسرائيلي يتمّ التقرير عنه بعدوانية. في فترة ذات سبعة أسابيع، من 8 تشرين الثاني حتى 16 كانون الأول، عام 2011، قررت أن أقص القصص التي خرجت من مكتبنا حول الإخفاقات الأخلاقية المختلفة في المجتمع الإسرائيلي، اقتراحات قوانين تهدف إلى قمع وسائل الإعلام، التأثير المتزايد لليهود الأرثوذكس، البؤر الاستيطانية غير القانونية، الفصل بين الجنسين، وهلمّ جرّا. أحصيت 27 مقالا منفصلا، بمعدّل موضوع لكلّ يوم. وفقًا لتقدير أكثر تحفّظا، فإنّ هذا الرقم كان أكبر من العدد الكلي للمقالات النقدية حول الحكومة والمجتمع الفلسطيني، بما في ذلك الشمولية الإسلامية لدى حماس، ممّا نشره مكتبنا خلال السنوات الثلاث التي سبقت هذه الفترة".

بعد أن عرض المشاكل الأساسية في تغطية إسرائيل، يفصّل فريدمان أيضًا في موضوع المضايقات التي يتعرّض لها المراسلون الذين يعملون في غزة. لا يشير فريدمان إلى عملية "الجرف الصامد" فحسب، وإنما إلى التغطية الإعلامية بشكل عام:

سكان غزة (Flash90/Wissam Nasser)

سكان غزة (Flash90/Wissam Nasser)

"تضاعف مؤخرًا الخطاب بخصوص محاولات حماس لتهديد الصحفيين. يعلم كل واحد من مخضرمي مجتمع الصحفيين في البلاد أنّ دب الرعب هذا هو حقيقي، وقد شاهدته أنا بنفسي كمحرر في مكتب الأخبار التابع لوكالة أسوشيتد برس. أثناء القتال في غزة بين عامي 2008-2009 قمت شخصيًّا بحذف أمر أساسي، وهو أن مقاتلي حماس كانوا يرتدون لباسًا مدنيًّا وأنّه تمّ اعتبارهم مدنيّين في تعداد القتلى، بسبب التهديد الممارس على مراسلينا في غزة. (كانت السياسة حينذاك، وما زالت نفسها، وهي عدم إخبار القرّاء بأنّ هناك رقابة على الموضوع إلا إذا كانت الرقابة إسرائيلية. في وقت سابق من هذا الشهر، كتب محرر الأخبار في وكالة أسوشيتد برس في القدس وأرسل للنشر موضوعًا حول ترهيب حماس، ولكن تم وضع الموضوع جانبًا من قبل رؤسائه، ولم يُنشر).

ورغم قضية التهديدات، يوضح فريدمان لماذا لا تشكّل تلك التهديدات التفسير الرئيسي للتقرير الانتقائي من غزة. بشكل عام يكون الإعلام مقفلا على رواية معيّنة، ويبحث عن حقائق لتعزيز هذه الرواية، مع تجاهل كلّ ما يشوّش الموضوع الذي تمّ تصميمه مسبقًا:

"الحقيقة هي أنّ تهديدات حماس ليست هي القضية بشكل كبير، لأنّ أفعال الفلسطينيين ليست هي المسألة؛ فيعتقد معظم الصحفيين في غزة  أن وظيفتهم هي توثيق العنف الإسرائيلي ضدّ المدنيين الفلسطينيين. هذا هو جوهر الموضوع حول إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، يتواجد الصحفيون بموجب وقت محدد وفي أحيان كثيرة يكونوا معرّضين للخطر، ولا يتحدث الكثير منهم  اللغة ولديه سيطرة فضفاضة على الأحداث فحسب. إنّهم يعتمدون على زملائهم والمساعدين الفلسطينيين الذين يخافون من حماس، يؤيّدون حماس، أو كلا الأمرين معًا...".

يأتي مثال آخر في هذا الصدد في موضوع من العام 2009، عندما تلقّى مراسلون من أسوشيتد برس معلومات حول خطّة سلام اقترحها رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، على الفلسطينيين. تلقى المراسلون تأكيدًا على الخبر من مصادر فلسطينية وإسرائيلية، ولم ير أحدهم خارطة التقسيم التي اقترحها أولمرت. ولكن رغم ذلك، وبتعليمات من المحررين المسؤولين لم يتمّ نشر الموضوع:

جورج بوش, ايهود اولمرت, ومحمود عباس خلال مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة (AFP)

جورج بوش, ايهود اولمرت, ومحمود عباس خلال مؤتمر أنابوليس في الولايات المتحدة (AFP)

"غضب بعض رجال الفريق، ولكن ذلك لم يساعد. كانت روايتنا أن الفلسطينيين هم المعتدلون والإسرائيليون هم المخالفون وأكثر تطرّفا. أي تقرير عن اقتراح أولمرت، مثل دراسة موضوع حماس، كان سيجعل روايتنا تبدو مثل الحماقة. وهكذا تلقّينا تعليمات بتجاهل الموضوع، وهذا ما فعلناه، على مدى أكثر من عام ونصف".

كرّس فريدمان فقرات أخرى لتحليل التحيز ضدّ إسرائيل في وسائل الإعلام. حسب رأيه، فقد فشل الإعلام العالمي في كونه يفصل الصراع المحلّي بين إسرائيل والفلسطينيين عن سياق واسع من الأحداث والاضطرابات الأيديولوجية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وهكذا فإنّ نقاش الصراع يتجاهل العنصر الحاسم والذي يؤثّر على جميع الفاعلين فيه.