قُبَيل يوم الاستقلال الإسرائيلي، الذي حلّ هذا العام مطلع شهر أيار (مايو)، نشرت صحيفة "هآرتس" افتتاحيّة استثنائيّة تدعو إلى الاعتراف بالنكبة. جاءت المقالة إثر نشر الرئيس الفلسطيني محمود عباس أسفه وتعازيه للشعب اليهوديّ على المحرقة، وجاء فيها:

"إنّ فرادة المحرقة كأفظع جريمة على الإطلاق لا يجب أن تدفع إسرائيل إلى تجاهُل الجرائم التي حلّت بشعوبٍ أخرى... تنكر دولة إسرائيل كوارثها، خشيةَ أن يحجب اعترافٌ كهذا تميّز المحرقة، يمسّ بعلاقاتها الخارجية (في الحالة الأرمنيّة)، أو يلقي عليها المسؤولية (في الحالة الفلسطينية). لكنّ إسرائيل غير مُخوَّلة إقصاء كارثة الفلسطينيين من الوعي التاريخي لمواطني إسرائيل. إنه الوجه الثاني لعُملة إنشائها".

لا تطلب المقالة من إسرائيل أن تتحمّل مسؤولية "هجرة، تهجير، واقتلاع مئات الآلاف الفلسطينيين من أراضيهم"، بل مجرّد الاعتراف رسميًّا بحقيقة أنّ كارثة وطنيّة وإنسانيّة حلّت بالفلسطينيّين. "إنها كارثة تستوجِب الاعتراف والتدريس، ليس فقط لفهم دوافع القيادة الفلسطينية السياسية والدبلوماسية حين تأتي لمفاوضتنا، بل أيضًا كجزءٍ من واجبٍ حضاريّ وإنسانيّ". لهذا السبب، تدعو المقالة إلى إضافة تدريس النكبة إلى الكتب الدراسيّة الإسرائيلية، وكذلك إلى تنظيم جولات في القُرى الفلسطينية المدمَّرة.

كانت ردود الفعل على المقالة مختلفة ومتنوّعة، من اليمين واليسار. غنيّ عن الذكر أنّ اليمين عارض بشدّة، حتّى إنّ المتطرّفين اتّهموا "هآرتس" بخيانة إسرائيل والصهيونيّة. أمّا من اليسار فجرى دعم الفكرة. ففي أحد الردود على التقرير في موقع الصحيفة على الإنترنت، كتب أحدهم أنّ "هذه مرحلة حاسمة في إزالة الحواجز بيننا وبين عرب إسرائيل والفلسطينيين نحو الانسجام والسلام".

 تظاهُرة خاصّة إحياءً لذكرى النكبة في جامعة تل أبيب (Flash 90)

تظاهُرة خاصّة إحياءً لذكرى النكبة في جامعة تل أبيب (Flash 90)

بعد ذلك بنحو أسبوع، نشرت الصحيفة مقالة ردّ للمؤرِّخ والباحث شلومو أفينيري، الذي شدّد على أنّ "هآرتس" أغفلت في مقالتها كلمة "هروب"، "التي كانت دون شكّ جزءًا من الواقع المعقَّد للحرب"، متّهمًا الصحيفة بالكتابة المرتبكة وغير الجوهريّة.

فضلًا عن ذلك، ينتقد أفينيري صحيفة "هآرتس" لتجاهُلها واقعًا تاريخيًّا هامًّا: "ما يُدعى نكبةً هو نتيجة قرار سياسي اتخذته القيادة الفلسطينية والدول العربية برفض قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، إذ حاولت منع تنفيذه بقوّة الذراع، وهاجمت السكّان اليهود في البلاد، وبعد ذلك دولة إسرائيل. لا حديث عن ذلك أبدًا في المقالة". تستمرّ الانتقادات لتبنّي نظرة "الضحيّة"، واختيار وصف الفلسطينيين كضحايا لا مسؤولية لهم عن أفعالهم أو أفعال قادتهم.

صحيفة هآرتس: "إن النكبة كارثة تستوجِب الاعتراف والتدريس، ليس فقط لفهم دوافع القيادة الفلسطينية السياسية والدبلوماسية حين تأتي لمفاوضتنا، بل أيضًا كجزءٍ من واجبٍ حضاريّ وإنسانيّ".

في النهاية، يوجز أفينيري: "كما يجب أن يتحرر النقاش العاقل حول الصراع العربي -الإسرائيلي من الشعور بالبرّ الذاتيّ الذي يرافق جزءًا من الأيديولوجية الصهيونية، عليه التحرّر أيضًا من الشعور بالكون ضحيّة وبالعدل المطلق الذي يرافق الوطنيّة الفلسطينية... الواقع معقّد دومًا، ويجب تدريسه في المدارس في إسرائيل، ولكن ليس الرواية الفلسطينية الأحادية الجانب التي تبنتها افتتاحية هآرتس".

هذا النقاش المثير للاهتمام هو مثال حسن على حديث متزايد في السنوات الماضية في إسرائيل حول "النكبة". فمجرّد اعتراف إحدى الصحف الكبرى في إسرائيل بشكلٍ جليّ بالنكبة ودعوتها الحكومة الإسرائيلية إلى فعل ذلك ليس أمرًا مفهومًا ضمنًا، حتّى لو كانت الصحيفة محسوبة على اليسار، وتتوجّه إلى جمهور محدَّد. فحتّى قبل سنوات قليلة، لم يتطرّق إلى "النكبة" سوى الفلسطينيين وحدهم، إذ كان ذلك أشبه بأمرٍ محظور يُمنَع الاقتراب منه.

وليس ذلك غريبًا. فكتمان الواقع هذا، وحتّى إنكاره، هو هروب مفهوم من اعتراف يشكّل تهديدًا للهوية الإسرائيلية بحدّ ذاتها، وحتّى لمُستقبل دولة إسرائيل. فالاعتراف الإسرائيلي بالنكبة من شأنه تحويل المعارضة الشديدة حاليًّا لحقّ العودة الفلسطيني إلى إشكاليّة من الناحيتَين الأخلاقية والقانونيّة وتغيير توازن القوى في المفاوضات، إذا استُؤنِفت.

ربما كان هذا هو السبب الذي يجعل أقلية في الشعب الإسرائيلي تُطالِب بالاعتراف بالنكبة والتضامُن مع معاناة الشعب الإسرائيلي، يقول البعض إنها أقلية متطرفة و"سخيفة". تسعى هذه الأقلية إلى مواجهة النظام الذي تدعوه "فاشيًّا" لكونه غير مستعدّ للاعتراف بمُعاناة الآخَر (سواء الفلسطينيين أو اللاجئين الأفارقة الذين تسلّلوا إلى إسرائيل). وبما أنّ هذه معارضة موجَّهة، فإنّ مستوى الجدية التي يتعامل فيها النظام، وكذلك معظم الشعب، معها ومع مطالبها، منخفض. فأحد أصعب الأمور التي يمكن أن يقوم بها المرء هو التماثُل مع العدوّ.

مظاهرات مشتركة (AFP)

مظاهرات مشتركة (AFP)

لكن فيما لم تكُن تُسمَع هذه الأصوات "المتطرّفة" على الإطلاق في الماضي، سوى في حالات استثنائية (أثارت العنف أو شملت أعمالًا استفزازيّة)، فإنّها غير مُضطرة اليوم إلى دخول صفحات الأخبار "من النافذة". فالمزيد من الناشطين يُجرون، على سبيل المثال لا الحصر باستخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ، نقاشات، أحداثًا، ومراسم، أحيانًا بمشاركة فلسطينيين، بهدف الاعتراف بمُعاناة الآخَر، إحياء النكبة، والسعي إلى إنهاء الصراع.

هكذا مثلًا، في يوم الذكرى الإسرائيلي، أحد الأيّام الأكثر وطنية (وقوميّة) في إسرائيل، أقامت حركة "مقاتِلون للسلام"، التي ينشط فيها ناشطون إسرائيليون وفلسطينيون كانوا جزءًا في الماضي من دائرة العُنف في المنطقة ويدينونها اليوم، مراسم لذكرى ضحايا النزاع في كلٍّ من الجانبَين، الإسرائيلي والفلسطيني.

كذلك، في عدّة أماكن في أرجاء إسرائيل، يجري إحياء يوم النكبة بمراسم وتظاهُرات يُشارك فيها مواطنون إسرائيليون، معظمهم عرب، ولكن في حالات كثيرة يهود أيضًا. فيوم الأحد الماضي، على سبيل المثال، أٌقيمت في جامعة تل أبيب تظاهُرة خاصّة إحياءً لذكرى النكبة، شارك فيها نحو 300 طالب عربيّ ويهوديّ. وقد رفعوا صورًا لأقرباء لهم، وقرؤوا شهادات لفلسطينيين هُجّروا من بيوتهم أو اقتُلعوا من قُراهم خلال حرب 1948. وأكّدوا: "بدأت كارثة الشعب الفلسطيني عام 1948، ولا تزال مستمرّة حتى اليوم".

قالت إحدى المتظاهرات، طالبة عربيّة في الإعلام والحقوق في الجامعة: "من أجل أن نتمكن من العيش حياةً مشتركة كعربٍ ويهود، يجب الاعتراف بمأساة شعبنا، بالاضطهاد، بالتهجير. لا يمكن تجاهُل ذلك. لهذا اليوم أهمية أكبر أيضًا إثر جرائم الكراهية التي نشهدها". وأضاف أحد منظّمي التظاهُرة أنّ الهدف هو "رفع الوعي لإحياء يوم النكبة في النقاش العامّ في البلاد. نحن نشكّل نسبة غير قليلة من سكّان الدولة، وليس هناك سببٌ لتجاهُلنا. لا تزال النكبة مستمرّة".

للمؤرِّخ والباحث شلومو أفينيري: "ما يُدعى نكبةً هو نتيجة قرار سياسي اتخذته القيادة الفلسطينية والدول العربية برفض قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، إذ حاولت منع تنفيذه بقوّة الذراع"

من الجانب الآخَر من الشارع، تظاهر مقابلَهم طلّاب جامعيّون يهود ضدّ إحياء ذكرى النكبة. وقد رفعوا أعلام إسرائيل، وصرخوا "نكبة - خرطة" و"العار". وقال أحد منظّمي التظاهرة المضادّة من قادة حركة "إم ترتسو" (إن أردتُم) إنهم يعارضون إحياء النكبة "لأنهم ينوحون على إنشاء دولة إسرائيل. دعونا نذكُر الوقائع: العرب هم الذين رفضوا خطّة التقسيم، هم الذين بدأوا الحرب، ولا يزالون يسعَون إلى إبادتنا. نحن هنا لنحارب من أجل الحقّ".

"إم ترتسو" هي منظّمة إسرائيلية يمينيّة تعمل، وفق تعريفها، "على تعزيز قِيَم الصهيونية في إسرائيل". تعمل المنظّمة منذ سنوات ضدّ الاعتراف بالنكبة الفلسطينية، حتّى إنها أصدرت كتيّبًا إعلاميًّا يحمل العنوان المهين "النكبة - خرطة". يدّعي الكُتيِّب، المؤلف من 75 صفحة، أنّ "النكبة" هي تلفيق فلسطيني، جالبًا شهادات تاريخيّة على مغادرة الفلسطينيين طوعًا وبشكل منظَّم بين عامَي 1947 و1949، متّهمًا الفلسطينيين وقادتَهم بالتسبّب بما يدعونه "نكبة"، ومشدّدًا على التعاوُن بين الفلسطينيين والنازيين إبّان الحرب العالمية الثانية، وكذلك على طرد اليهود من الدول العربية (بما فيها سوريّة، العراق، دول شمال إفريقية، وغيرها).

تظاهُرة "إم ترتسو" ضد إحياء يوم النكبة (Flash 90)

تظاهُرة "إم ترتسو" ضد إحياء يوم النكبة (Flash 90)

الخُلاصة هي أنهم يعارضون الاعتراف بالنكبة، بكلّ وضوح. وهم يدّعون أيضًا أنّ الاعتراف بالنكبة يُناقض الصهيونية وأسس الهوية الإسرائيلية، ويهدّد وجود دولة إسرائيل، ولذلك، فإنّ الاعتراف بالنكبة، حسب رأيهم، ليس أقلّ من خِيانة.

من الجليّ إذًا أنّ الوضع ليس بسيطًا أبدًا، والشعب الإسرائيلي بعيد عن الإجماع. فكيف ينظر الفلسطينيون والعرب في إسرائيل إلى ذلك؟ ثمّة مَن يُثني على انضمام قسمٍ من الإسرائيليين إلى صراعهم على حقّ إحياء ذكرى المعاناة التي مرّ بها شعبهم والكارثة التاريخية التي حلّت بهم، وثمّة مَن يرفض تعاونًا كهذا، بادّعاء أنّ الإسرائيليين من اليسار "يستولون على النكبة"، ويدفعون "ضريبة شفاه" لإراحة ضميرهم. بالمقابل، يواصل فلسطينيون كثيرون صراعهم على الوجود ولقمة العيش، مفضّلين الانشغال بالحياة اليومية وبما هو "هنا والآن"، على الانشغال بصراعات تاريخية وفلسفيّة. في المدى المنظور، بالنسبة للفلسطينيّ الذي يُصارِع لإحضار لقمة العيش إلى أبنائه، لا يهمّ إطلاقًا إن كانت إسرائيل تعترف بالكارثة التاريخية التي حلّت بشعبه.

بالتباين، تواصل السلطة الفلسطينية غرس رواية الطرد والتهجير بشكل مكثّف منذ سنّ الروضة. وتحتلّ النكبة، وتأثيراتها على مصير الفلسطينيين إلى يومنا هذا، مكانةً مركزية في كُتب التاريخ. طبعًا، لا يمكن القول إنّ التاريخ يُدرَّس بشكلٍ مُتَّزِن، أو يعرض تغطية مركّبة لحرب العام 1948، كما يشير بعض الباحثين إلى وجود تحريض على إسرائيل في هذه الكُتب، التي يتشرّب فحواها الأطفال والشبّان الفلسطينيون في المدارس. وهذا سببٌ إضافيّ يصعّب على أجزاء كثيرة من الشعب الإسرائيلي قبول النكبة.

أيًّا كان الأمر، يبدو أنّه قبل ذهاب الإسرائيليين للتفاوُض مع الفلسطينيين، عليهم حلّ الصراع الجوهريّ بينهم، وتبنّي الخيار الأخلاقي، الذي ينجح بالاعتراف بمعاناة الشعب الجار من جهة، سواء كان ذلك ذنب قيادة ذاك الشعب أم لا، وإتاحة استمرار الصهيونية واستمرار وجود دولة إسرائيل دون أن "تُغمَر" بلاجئين فلسطينيين يُهدّدون وجود أكثرية يهودية من الجهة الأخرى. ربّما كان يمكن أن تكون الخطوة الأولى تربية على التسامُح وتدريس التاريخ بشكلٍ مركّب أكثر، لا أحاديّ الجانب كما يجري اليوم، في إسرائيل وفي السلطة الفلسطينية على حدٍّ سواء.