أصّر الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، مثله مثل قادة غربيين آخرين ممن عانت بلادهم مباشرة من الإرهاب، بأن الهجمات الأخيرة، في باريس، ليست نتيجة الإسلام. شدد هولاند، خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد فترة قصيرة من جريمة القتل المروّعة التي طالت مكاتب المجلة الأسبوعية "شارلي ايبدو"، بأنه لا علاقة للإسلام بالهجمات الإرهابية تلك". قال الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن كلامًا شبيهًا. فقد قال بوش، بعد أسبوع من هجمات 11 أيلول؛ في الولايات المتحدة، أمام حشد من المواطنين المُسلمين الأمريكيين إن "الإسلام هو السلام". هذا ما فعله رئيس الحكومة البريطاني، طوني بلير، عام 2005،عندما صرّح بأنه على الرغم من شبكة المواصلات العامة في عاصمة بلاده التي تعرضت لهجمات مُنظمة من قبل جهات إرهابية إسلامية، "ليس هناك شك أبدًا بالنسبة للنموذج الحقيقي والسلمي للإسلام".

يبدو من النظرة الأولى أن ذلك ليس إلا كلامًا فارغًا يجر على أولئك القادة وأشباههم وابلاً من الانتقادات. حيث إنهم ليسوا مُسلمين ولا باحثين في الإسلام، وليس لديهم أي مسوغ يتيح لهم التحدث بأمور تتعلق بالدين. فضلاً عن ذلك، يعلن الإرهابيون الذين يعملون ضد أهداف غربية بصراحة بأن العنف الوحشي الذي ينتهجونه ضد الأهداف غير المُسلمة يستلهم أعماله - دون التطرق لمسألة الواجب الديني والتضحية - من الإسلام. ينطبق هذا الأمر على العديد من الحركات الإرهابية - بداية من "بوكو حرام"، مرورًا بالدولة الإسلامية وصولاً إلى طالبان الأفغانية والباكستانية - التي تتعامل بعنف لا يوصف ضد المسلمين الذين خرجوا عن "الطريق القويم". وفي القرآن والسيرة النبوية والحديث هناك الكثير من النصوص التي تدعم هذا الإيمان، التي يتشارك فيها عدد لا يُحصى من المُسلمين الذين يجيزون ويدعمون الأعمال الإرهابية ومنفذيها ويتعاطفون معهم، وإن كانوا هم لم يتورطوا يومًا في أعمال إرهابية.

لا يوجد، على الرغم من ذلك، في الكفة المقابلة أي إثبات لعدم النزاهة الفكرية أو حتى الجهل، حيث أن هذه حقيقة قائمة، بأن هناك مصادر إسلامية على نطاق واسع، ترفض، وتشكك وتشجب مثل هذه التصرفات، وبأن مناصرين آخرين للإسلام يمكنهم أن يوجهون الأنظار إلى العديد من الوصايا التي تُلزم المُسلمين بالتعامل بتسامح وكرم ورفض كل أشكال الإكراه الديني. وجود مثل هذه المصادر الكثيرة المتناقضة يُشير إلى أن تعريف الإسلام "الصحيح"، هو أمر محط خلاف وجدل. هنالك أربعة مذاهب رسمية، على الأقل، للشريعة الإسلامية والتي تختلف الواحدة عن الأخرى من ناحية التشدد والاعتدال فيما يخص مبنى الشريعة، إلا أنه بغياب مرجعية دينية عالمية مُعترف بها - مكانة في الإسلام موازية للبابوية القبطية أو الكاثوليكية - لا شك أن هذه الفجوات لن تتم تسويتها بشكل تام. لذا، كل الجهود التي تُبذل لفهم الربط القائم ربما بين الإرهاب والإسلام سيكون أكثر نجاعة إذا ركزت بشكل أقل بما تنص عليه النصوص والمصادر الدينية وركزت أكثر بالمقابل على ما يقوله المسلمون ويفعلونه.

مظاهرة إسلامية ضد الإرهاب (AFP)

مظاهرة إسلامية ضد الإرهاب (AFP)

هنا نجد أن الاستنتاجات لها وجهان. حيث إنه دون انتخابات أو استفتاءات شعبية، التي تطال كل المُسلمين أو استطلاعات رأي حقيقية في العالم الإسلامي، ستبقى الاستنتاجات المبنية على تصريحات وتصرفات المُسلمين في إطار الانطباع العام فقط. تُشير الاستطلاعات، أنه بينما أن الإرهابيين (وضحايا الإرهاب) هم من المسلمين، غالبية المُسلمين لا دخل لهم ولا يدعمون الإرهاب. لا يمكن أبدًا، عدا عن ذلك، قول أمر ذي قيمة، وخاصة في مسألة الافتراضات بخصوص الحجم النسبي لمجموعات الأقلية والأكثرية بهذا الخصوص.

بما أن الجدل الحاصل بخصوص العلاقة "الحقيقية" بين الإرهاب والإسلام ليس حاسمًا، من الأفضل للقادة الغربيين، على الأقل من أجل نزاهتهم الفكرية، أن يبتعدوا عن حقل الألغام اللاهوتي/الأيديولوجي هذا.

على الرغم من ذلك، هنالك اعتبار آخر ذي صلة بالأداء المتوقع من القيادات السياسية، وهو الحذر السياسي. على القادة السياسيين - أكثر من الأفراد - النظر في تبعيات أقوالهم وتصريحاتهم. ليس هناك للادعاء القائل إنه ليست هناك علاقة وثيقة بين الإسلام والإرهاب أي عيب استراتيجي أو عسكري. بالمقابل، يستوجب الادعاء المعاكس، ردًا عنيفًا لما يُشكل بالنهاية كلامًا عقيمًا. إن كان ذلك هو الاعتبار الوحيد، فهناك مكان للادعاء (والكثير من النقاد ادعوا ذلك)، بأن رفض الاعتراف بالحقيقة خوفًا، فقط، من ردة الفعل، هو فعل انهزامي لا يمكن قبوله. إلا أن الإصرار على حقيقة غير مفهومة قد تؤدي هي أيضًا إلى تحوّل الكثير من المسلمين، الذين لا يزالوا حتى هذه اللحظة يعارضون الإرهاب، أو على الأقل ينفضون أيديهم منه، إلى داعمين للإرهاب وناشطين فيه وهكذا يتم تقويض الجدل الإسلامي الداخلي. وأيضًا أولئك الذين سيدعون بأن هناك علاقة وطيدة بين الإسلام والإرهاب سيصمتون عندما يُطرح السؤال الذي لا بد منه: "إذًا ماذا تقترحون أن نفعل بخصوص ذلك؟" هناك بالنهاية العديد من الطرق لمحاربة الإرهاب لكن ليست هناك أية طريقة لمحاربة الإسلام.

المسلمون وحدهم قادرون على أن يحددوا قوة أو هشاشة العلاقة بين الإسلام والإرهاب. إلا أنه بإمكان قادة سياسيين غربيين التأثير على هذا الجدال. مهما كانت "الحقيقة" المراوغة المتعلقة بعلاقة الإرهاب بالإسلام فإنه بإنكار وجود هذه العلاقة بشكل علني - يكون القادة الغربيين يفعلون الشيء الصحيح.

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى في موقع INSS ‏‏