إنّ إجراء عملية الإجهاض بشكل استباقي ومعلوم هو قرار خطير في حياة المرأة الحامل وزوجها، وتقف وراء ذلك أسباب ليست سهلة، وفي إسرائيل هناك صعوبة باتخاذ القرار بسبب القانون الذي يقيّد النساء وأزواجهنّ في إجراء عملية الإجهاض وإيقاف الحمل غير المرغوب به.

ينصّ القانون الإسرائيلي على الحاجة إلى الحصول على موافقة المرأة لإجراء إيقاف الحمل الاستباقي. وبالطبع يسمح القانون بإيقاف الحمل، حتى وإن لم تبدي المرأة الحامل موافقتها، إذا كان هذا الإجراء مطلوبًا، وضروريًا وطارئًا لإنقاذ حياتها.

تزداد هذه القضية المثيرة للجدل والمعقّدة حدة حين لا تسمح الشريعة اليهودية (وأيضًا الشريعة الإسلامية) بالإجهاض. وتطرق التوراة إلى موضوع الإجهاض وتسمح به فقط عند حدوث شجار يؤدي إلى إصابة الجنين. ويوضح كبار الحاخامات بأنه يجب التعامل مع الجنين على أنه كائن حي حيث إن هناك اعتراض على مشيئة الله في متابعة حياة الجنين.

في إسرائيل، بهدف الموافقة على إيقاف الحمل، يجب المثول أمام لجنة تُعنى بشؤون الحمل. وتتواجد مثل هذه اللجان في كل مستشفى، وتتألف من طاقم يشتمل على طبيب نسائي، وطبيب عام وعاملة اجتماعية، والتي تتخذ القرار فيما إذا كانت ستوافق على الإجهاض. إن قائمة المعايير التي تسمح لأعضاء اللجنة بالموافقة على الإجهاض الاستباقي مقلّصة وصارمة ويسمح به في الحالات التالية : عندما يكون عمر الحامل أقل من 19 عامًا أو أن يزيد عمرها عن 40 عامًا، ليست متزوجة وأصبحت حاملا، حدوث الحمل بعد التعرض إلى عملية اغتصاب، زنا المحارم أو الحمل خارج نطاق الزوجية، عندما يكون الجنين مشوّهًا، أو من شأن استمرار الحمل أن يشكّل خطرًا على حياة الأم أو يسبب لها الأذى الجسدي أو النفسي. اللجنة مقيّدة وتعمل وفقًا لقوانين محددة، ولا يسمح لها بالموافقة على إيقاف الحمل إنْ لم يتحقق على الأقل شرط واحد مما تم ذكره.

حامل (Flash90/Shay Levy)

حامل (Flash90/Shay Levy)

وقد أظهرت دراسة أجرتْها جمعيات لحقوق المرأة أن كثيرًا من النساء يتنازلن عن الإجهاض بسبب تكلفته. فأحيانا تفقد المرأة وقتًا ثمينًا خلال محاولتها للحصول على المبلغ المطلوب لإجراء الإجهاض الطبي (قرابة 600 دولار)، وفي غضون ذلك، تتقدم بالحمل وتجد نفسها مضطرة إلى الخضوع إلى إجهاض جراحي، ذي تكلفة أعلى (قرابة 800 دولار). بالإضافة إلى ذلك، هناك نساء يلدنَ طفلا بعد حمل ليس مرغوبًا ومخططا له، ولكن يتابعن الحمل لأنهن لم يستطعن توفير تكلفة الإجهاض، ومن ثم أجبرنَ على تحمّل تكاليف تربية الطفل خلال السنين، والتي تصل مبالغ كثيرة. وهناك كذلك قضية التكتّم: المرأة التي لا ترغب، لأسبابها المختلفة، بالكشف عن الحمل أمام زوجها أو عائلتها الموسعة ستجد صعوبة بالغة في إخفاء أمر حملها كلما مر الوقت، بل وتجد صعوبة بإنفاق مبالغ كهذه لغرض الإجهاض، دون أن ينكشف الأمر.

ووفقا للبيانات التي نشرتها دائرة الإحصاء المركزية عام 2011، فقد توجه إلى لجنة إنهاء الحمل في المستشفيات المختلفة قرابة 19000 امرأة من بينهن 15000 امرأة يهودية، وقرابة 4000 امرأة عربية (مسيحيات ومسلمات). أكثر بقليل من الـ 51% من أولئك النسوة كنّ عازبات والباقي متزوجات.

تحصل الغالبية العظمى من النساء المتوجهات إلى لجنة إنهاء الحمل على الموافقة المطلوبة: ووفقا للبيانات فإن قرابة 99% منهنّ حصلنَ على الموافقة من قبل اللجان. وكان الحمل خارج إطار الزواج، هو السبب الأكثر انتشارًا (قرابة نصف عدد الموافقات) كما هو معروف، وهو سبب يتطلّب تقديم شهادة خطية موقعة من قبل محام. وقد اتضح من البيانات أن النساء يعرفن ما يصرّحن به أمام اللجنة للحصول على الموافقة، وإذا لزم الأمر الكذب من أجل ذلك، فسيقمن بذلك لعدم وجود خيار آخر. ومع ذلك، فإذا صرحت امرأة بأنها حملت خارج إطار الزواج من أجل الحصول على الموافقة على الإجهاض، فسوف تكتشف، إن طلبت الطلاق، لأن تصريحها سيُستخدم كدليل ضدّها ويصعّب عليها عملية التفاوض على شروط الطلاق.

ولكن هذه هي فقط البيانات الرسمية، ولا يوجد في الواقع متابعة لحالات الإجهاض التي تتم بشكل خاص في العيادات الخاصة. الكثير من النساء اللاتي لا يرغبن بحملهن ويرغبن بالحفاظ على الأمر سريًا، يفضّلن التوجه إلى العيادات الخاصة، والتي غالبًا ما تكون خطرة، لإجراء الإجهاض، ويعرّضن حياتهن للخطر.

حوار مجتمعي حاد

تطمح المنظمات النسوية إلى طرح الإشكاليات للنقاش على المستوى الجماهيري فيما يتعلق بالإجهاض وتخفيف من معاناة النساء الراغبات بذلك (Flash90/Edi Israel)

تطمح المنظمات النسوية إلى طرح الإشكاليات للنقاش على المستوى الجماهيري فيما يتعلق بالإجهاض وتخفيف من معاناة النساء الراغبات بذلك (Flash90/Edi Israel)

أثير مؤخرًا النقاش حول الإجهاض في عناوين الصحف بالتزامن مع إقامة "منظمة إفرات"، والتي تعمل في المستشفيات الإسرائيلية لتشجيع حالات الولادة في الوسط اليهودي. ومن خلال اللوحات الدعائية والدعايات في الإذاعات، فإن معظم النساء يعرفن هذه المنظمة التي لا تخفي هدفها وهو: منع الإجهاض. وتعمل المنظمة على تقديم المساعدة المادية والدعم للنساء اللاتي يتوجهن إليها، بينما يسمي معارضو المنظمة نشاط المتطوعات ابتزازًا عاطفيًا. فعلى سبيل المثال، تقدم المنظمة في موقعها على الإنترنت شرحًا يوضح أنه: "إذا قررت أن تنهي حملك، فمعنى ذلك هو إنهاء حياة طفل هو في الواقع حيّ يرزق، وهو شبيه تقريبًا بالطفل المولود، ولكن هناك فرق واحد، بأنه صغير وأنت لا ترينه ولم تشعري به بعد".

وقد قررت المنظمات النسوية عدم ترك الساحة لمنظمة إفرات. وهي تشغل خطوط مساعدة في قضية إنهاء الحمل خلال السنتين الأخيرتين، وفي الأسابيع الأخيرة سوف تطلق حملة إذاعية، وسيتم خلالها تمرير معلومات للنساء حول تلك الخطوط، وحول وجود طرق مختلفة للتعامل مع الحمل غير المرغوب به. تطمح هذه المنظمات إلى طرح الإشكاليات للنقاش على المستوى الجماهيري فيما يتعلق بالحصول على الموافقة من اللجنة من أجل إجراء الإجهاض والتخفيف من معاناة النساء الراغبات بذلك.

وهناك ادعاء في المنظمات النسوية يقول لو أنّ 99% من الطلبات يتم الموافقة عليها من قبل اللجنة، فلماذا نحتاج للجنة أساسا. من جهة تلك المنظمات، فإن لجان إنهاء الحمل المتوزعة في أنحاء البلاد ليست أكثر من "أختام مطاطية" ينبغي إلغاؤها وتوفير الكثير من ساعات العمل للأطباء والعاملين الاجتماعيين، الذين يمكنهم أن يساهموا أكثر في الوظائف الأخرى. بحسب أقوالها، فإن هدف تلك اللجان هو مراقبة النساء، الاستماع لهنّ وسؤالهنّ أسئلة متطفلة دون أي سبب طبي. هناك الكثير من النساء اللاتي يطلبن السماح بالإجهاض كأي رعاية صحية أخرى، وفي الوقت الذي يكون فيه ذلك مصحوبًا بالتعليم والتوضيح ودعم وسائل منع الحمل، فسيقل عدد حالات الحمل غير المرغوب بها.