استمرارا للهجمات الجوية التي نُفّذت خلال العام الماضي في سوريا بهدف اعتراض نقل الأسلحة من إيران إلى حزب الله، اعتُبر الهجوم الذي نُفّذ في 18 كانون الثاني 2015 ضدّ عناصر حزب الله وقادة قوة قدس التابعة للحرس الثوري الإيراني في هضبة الجولان، قرب القنيطرة، والذي نُسب لإسرائيل، من قبل حزب الله، إيران وسوريا تغييرا لقواعد اللعبة من جهة إسرائيل. ليس هناك شكّ بأنّ مثل هذا الانتهاك: اغتيال مستهدف لجهاد مُغنية ومحمد علي الله دادي، الضابط الإيراني المسؤول في قوة قدس، قد مثّل معيارًا جديدا للتوتّر بين إسرائيل وحزب الله وإيران. إنّ ضرب عناصر حزب الله والإيرانيين في الأراضي السورية أعطى الحدث الأخير معنى أوسع من ذلك الذي أُعطيَ للأحداث السابقة في ساحة الصراع بين إسرائيل و"المحور": إيران-سوريا-حزب الله. هناك اهتمام مركّز إذن لمحاولة التنبّؤ بردّة فعل حزب الله، بالتنسيق مع إيران أو بشكل منفرد، وعلى وجه الخصوص في تقييم الاعتبارات التي ستتحكّم بردّة فعل "المحور".

وكما يبدو، بأنّه في نظر إيران وحزب الله تم اجتياز الخطوط الحمراء، ممّا يتطلّب جنيَ ثمن باهظ من إسرائيل. ويُنظر إليها، بأنّها تنتهك قواعد اللعبة في بعض الأحيان، والتي تمّ تصميمها منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية، ممّا يشير إلى أنّ صورة الردع لدى حزب الله، والتي كانت سائدة منذ حرب لبنان الثانية (حرب تموز)، آخذة بالتآكل. هاجمت إسرائيل التنظيم مرّة تلوَ أخرى؛ بدءًا من اغتيال عماد مُغنية عام 2008، مرورا بحسّان اللقيس عام 2013 في بيروت، وصولا إلى الهجوم الأخير. جميع ذلك، بالإضافة إلى عمليات عديدة نُسبتْ لإسرائيل وتمّ تنفيذها ضدّ شحنات السلاح المرسلة لحزب الله على الأراضي السورية وإلى كشف شبكة التجسّس التي عملت داخل التنظيم والتي اشتبه بها بأنّها تعاونت مع إسرائيل.

كانت ردود أفعال حزب الله على تلك الأحداث ضعيفة نسبيًّا، واشتملتْ على ردّة فعل كبيرة واحدة: وهي العملية التي نُفّذت في تموز 2012 في بورغاس في بلغاريا، إلى جانب محاولات فاشلة لتنفيذ هجمات أخرى في الخارج بالإضافة إلى هجمات محدّدة في شمال هضبة الجولان خلال العام 2014. على هذه الخلفية، فمن المرجّح أن يقدّر التنظيم وراعيه - إيران - بأنّ عليهما تجديد الردع إزاء إسرائيل، من أجل عدم التخلّي عن مبدأ الإضرار بإسرائيل، والتي تفهم - بنظرهم - لغة القوة فقط، والعمل بما يتلاءم مع روح المقاومة. بالنسبة لهم، فإنّ استمرار ضبط النفس النسبي تجاه إسرائيل سيشجّعها على مواصلة اتجاه التصعيد وسيعيب موقف حزب الله باعتباره قائد المقاومة. إنّ التقييم بشأن نوايا حزب الله مدعوم من خلال التصريحات الواضحة للأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في الأشهر الأخيرة، وأيضًا من خلال التصريحات التي أدلى بها المتحدّثون باسم التنظيم في أعقاب الهجمة الأخيرة، بهدف الحصول على الشرعية للردّ.

الجيش الإسرائيلي ينشر قواته على الحدود الإسرائيلية اللبنانية خلال حرب لبنان الثانية (Flash90/Haim Azulay)

الجيش الإسرائيلي ينشر قواته على الحدود الإسرائيلية اللبنانية خلال حرب لبنان الثانية (Flash90/Haim Azulay)

ومع ذلك، فإنّ اتخاذ خطوات ردّ دراماتيكية من قبل حزب الله وإيران ينطوي بالضرورة على مخاطر ملموسة من التدهور للحرب؛ وهو تطوّر لا ترغب به جميع الأطراف مشاركة: حزب الله، إيران، سوريا وإسرائيل. ليس فقط أنّ حزب الله غارق ومغمور حتى العنق في الحرب الميؤوس منها في سوريا، مع التركيز على محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" على الأراضي السورية والعراقية، والتي تمدّد قدراته في عدّة ساحات، فعليه أن يواجه المشاكل المحلّية، أي الوضع الداخلي في لبنان.

إيران وحزب الله يبحثان عن ردّ عنيف ومناسب، لإعادة الردع ولإعطاء إشارة لإسرائيل بأنّهما لن يقبلا التغيير في قواعد اللعبة، والذي تدلّ عليه عمليّاتها، ولكن دون التدهور للحرب. كما ورد في عنوان مقال حول هذا الموضوع في صحيفة "السفير" اللبنانية، والذي نُشر في 19 كانون الثاني 2015: "أكبر من ردّ، وأقلّ من حرب". تقف أمام "المحور" عدّة خيارات للردّ، بدرجات مختلفة من القوة؛ بعضها استُخدم سابقا وبعضها لم يُستخدم بعد. من بينها: عملية جوّية باستخدام طائرات دون طيّار، هجوم في المجال البحري، مهاجمة قوات الجيش الإسرائيلي وقواعده العسكرية في الساحة الشمالية، بما في ذلك إطلاق الصواريخ صوب أراضي إسرائيل، الحرب الإلكترونية، هجوم محدّد على الحدود الإسرائيلية - اللبنانية وتنفيذ هجمة في الساحة الدولية.

يمكن لإسرائيل من جانبها التأثير على ردّ "المحور" بعدّة طرق. بدايةً، تعمل إسرائيل اليوم بالفعل على تحسين حقيقي لمكوّنات الدفاع في الشمال، فضلا عن الحدّ من توقيع تحرّكاتها، من أجل منع حزب الله من الفرص العمليّاتية. يبدو أنّ الهدف الرائد لدى إسرائيل، سوى الهدوء والأمن، كان عدم تمكين إيران وحزب الله من إقامة بؤرة سيطرة وشبكات إرهابية في هضبة الجولان. وفي الوقت ذاته، فقد نشأ في الساحة الشمالية واقع جديد، والذي هناك في إطاره اتصال - لا رجعة فيه من عدة نواح - بين جنوب لبنان وهضبة الجولان. وذلك نظرا لتوسّع قطاع عمليات حزب الله وإحكام اعتماد الأسد على حزب الله. يمكّن هذا التطوّر من إنشاء معادلة تؤدي بحسبها عمليّات حزب الله من الأراضي السورية إلى ردّ إسرائيلي في الأراضي اللبنانية، أو بدلا من ذلك: عمليّات حزب الله من الأراضي اللبنانية ستؤدي إلى ضربة محتملة لممتلكات النظام السوري. قد تؤثر مثل هذه الرسائل على اعتبارات التنظيم وعلى اعتبارات إيران عندما يريدان مهاجمة أهداف إسرائيلية، وأكثر من ذلك عندما يكون الحديث عن محاولة من قبلهما لتحويل ساحة هضبة الجولان إلى ساحة مواجهة معزولة وغير مرتبطة بجنوب لبنان.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى في معهد أبحاث الأمن القومي ‏‏INSS‏