دون شك، فإن قيادة حماس خضعت لضغوط اقتصادية هائلة أدت بها إلى الوصول إلى نقطة الانكسار الحالية متمثلة بإشعال القتال ضدّ إسرائيل. أدت ثماني سنوات من الحصار الإسرائيلي، وتدمير المصريين للأنفاق، وعدم القدرة على الحصول والاستعانة بالتمويل القطري أو التركي بسبب التقييدات المصرفية وعدم تشغيل جباية الضرائب لحكومة حماس من المواطنين، الذين يرزحون تحت التقليصات الاقتصادية الثقيلة، إلى أزمة اقتصادية عميقة وحادة جدًا في إدارة القطاع.

نشرت المجلة الاقتصادية الإسرائيلية The Marker آخر الأسبوع الحالي تحليلا مُلفتًا للانتباه عن اقتصاد القطاع وضعف قبضة حكومة حماس في إدارة الاقتصاد الأساسي الذي يُساهم في إعادة بناء القطاع، بعد سنوات من الاستثمار في بناء البنى الإرهابية بدلا من الاستثمارات الاجتماعية والاقتصادية للغزّيّين.

"في السنوات التي سيطرت فيها حماس على غزة، كانت تأخذ الأموال من كل نشاط اقتصادي يتمّ في المقاطعات التي تحت إمرتها"، يوضح إيال عوفر، خبير اقتصادي إسرائيلي قد بحث في السنوات الأخيرة الاقتصاد الغزّيّ لمجلة "The Marker". "إنها حقًا تحصل على الأموال من الخارج، لكن الأساس الاقتصادي لها هو جباية الأموال من كل ما يتحرك. فعلى صاحب عربة الفلافل مثلا، أن يدفع لحماس كي يمكنه أن يوقف عربته في الشارع. وعلى صرافي العملات أن يحوًلوا نسبة ما من أرباحهم لحماس". على النقيض من الحكومات الديموقراطية، التي يمكن للبرلمان أن يعارض الضرائب التي يمكن أن تجبيها الحكومة، ليست لدى سكان القطاع آلية كهذه للمدافعة.

خالد مشعل يلعب الرياضة (صورة من الإنترنت)

خالد مشعل يلعب الرياضة (صورة من الإنترنت)

هناك في قائمة ضرائب حماس رسوم مواصلات مختلفة في قلب مدينة غزة، رسوم لافتات وتزويد بالمياه - في قسم من الأمكان، تبيع حماس المياه للسكان بواسطة السلطات المحلية (وضع شبكة المياه التحتية في القطاع هي الأسوأ عالميًّا). استخدمت أموال هذه الضرائب، إلى جانب الضرائب التي جبتها حماس على العمل في الأنفاق الاقتصادية- حوالي 1,200 نفق كان يعمل، حتى قبل سنة، بين مصر ورفح- هي التفسير لكيفية نجاح حماس في الحفاظ على أداء الحكومة وبالمقابل الاستثمار في إنتاج الصواريخ وبناء شبكة أنفاق متطورة، التي تصل تكلفة كل منها لمئات آلاف الدولارات.

هناك جذور اقتصادية واضحة للصراع الحالي. منذ سنة 2007، ضُرب حصار على قطاع غزة، ولم يتم تصدير المنتجات من القطاع، وعمليًا لا يجري فيها أي تبادل تجاري بمعايير اقتصادية حقيقية، وإنما فقط إدخال بضائع من إسرائيل كي يستطيع السكان البقاء. تشمل طلبات حماس لوقف إطلاق النار مشاكل اقتصادية واضحة: إقامة ميناء بحري وجوي، إلى جانب رفع الحصار عن القطاع وفتح المعابر إلى مصر وإسرائيل. من ناحية حركة حماس، هذه هي الأدوات التي تدير بها اقتصادها الذاتي في قطاع غزة، والتي تريد أن تجعلها ملكها. من ناحية إسرائيل وحلفائها في العالم، يشكل هذا الاتجاه المتاح لتنظيم إرهابي مسلح خطرًا محدقًا وحقيقيًا.

حماس تحرص على مستواها الاقتصادي

خالد مشعل واسماعيل هنية  في غزة (Abed Rahim Khatib / Flash 90)

خالد مشعل واسماعيل هنية في غزة (Abed Rahim Khatib / Flash 90)

حماس، التي تأسست سنة 1987، كانت منذ بداية مسيرتها حركة تدرك كيف تحرص على شؤونها الاقتصادية. في السنوات الأخيرة، قبل أن تُعتبر تنظيمًا إرهابيًّا يُمنع تحويل الأموال إليه، اعتادت على تجنيد الأموال علنًا، وقانونيًا من مسلمين أغنياء في أرجاء العالم، وخاصة في الولايات المتحدة وأوروبا. اليوم، في هذه الدول، هناك قيود ثقيلة على تحويل الأموال لحماس، ولا يمكن للتنظيم أن يحصل على الأموال من جهات مشروعة- حتى لأهداف التبرعات.

ورغم كل شيء، تنجح حماس في التغلب على القيود المختلفة. وما زالت لحماس جماعات إسلامية، شبكات الإخوان المسلمين في أوروبا التي تجمع لها الأموال. هذه الجماعات تحوّل الأموال لقطر، التي تتم فيها نشاطات كثيرة لتبييض الأموال، ومن هنالك تصل الأموال للقطاع.

تهريب مواد غذائية عبر الأنفاق بين رفح المصرية وقطاع غزة (AFP)

تهريب مواد غذائية عبر الأنفاق بين رفح المصرية وقطاع غزة (AFP)

في السنوات الأخيرة، وصلت الأموال للقطاع بحقائب نقدية أيضًا، عبر الأنفاق ولكن بطرق أخرى كذلك، مثلا عن طريق رجال الأعمال الذين لهم مصالح في قطاع غزة وفي خارج البلاد. في حالة كهذه، تقوم حماس بشراء مواد خام لرجل الأعمال، ولكنها في الحقيقية صفقة وهمية. بعد ذلك، يحوّل رجل الأعمال المال نقدًا لحماس، ويأخذ على ذلك عمولة ما على الخدمة.

في السنوات السبع التي تسيطر بها حماس على غزة، نشأ خطان متوازيان: من جانب واحد، لم يكن للنشاطات الاقتصادية في غزة أن تتطور، بسبب الحصار التام التي فرضته إسرائيل على دخول وخروج البضائع من قطاع غزة، وتفاقم الوضع الاقتصادي. ومن جانب آخر، ازدهر اقتصاد البضائع التي لا تمر في المعابر الحدودية العادية وإنما بالأنفاق تحت الأرض، الظاهرة التي تؤدي ضرورةً إلى تعزيز اقتصاد المقرّبين ولظواهر سلبية أخرى.

اليوم، يمكن رؤية بوادر في القطاع لتحوّل حماس لتنظيم فاسد. بفضل نشاط الأنفاق، نشأت رتبة من الأثرياء الجدد، ويحظى رجال حماس بذلك تحديدًا. من الصعب تقدير ثروتهم الشخصية، لكن من الواضح أنهم يتمتعون بمستوى حياة عالٍ جدًا، وبالطبع، فالأمور التي ذُكرت عن بعض رؤساء التنظيم المقيمين في قطر صحيحة.

والضحايا: الغزّيّون

من أنت يا غزة؟ (Flash90/Wissam Nasser)

من أنت يا غزة؟ (Flash90/Wissam Nasser)

قدّرت مجلة The Marker أن إحدى المشاكل الأساسية لغزة هي في البنى التحتية المدنية: الصرف الصحي، الماء والكهرباء. تعتمد شبكة المياة بالأساس على الآبار، ويبلغ عددها حوالي 4,000 بئر، وهناك نقص شديد في المياه. حسب أقوال مسؤول رفيع في الجيش، إذا لم تُعالج مشكلة مياه الآبار جدّيّا، ولم تقم شبكات جديدة كلّيّا، ستنفجر حتى 2017 أزمة إنسانية حقيقية في القطاع.

هناك أيضًا مشاكل بنيوية أخرى في غزة وهي التزويد بالكهرباء: ففي السنوات الأخيرة وبمعاناة كبيرة بعد تفجير المحطة الكهربائية المحلية سنة 2006 (بعد خطف جلعاد شليط)، يحصل أغلب سكان القطاع على كهرباء فقط لنصف ساعات اليوم. يصل 125 ميجا واط من إسرائيل، و 40 ميجا واط بإنتاج ذاتي وليس بوسع ذلك أن يفي بكل حاجات السكان. حسبما يقول مسؤولون عسكريون إسرائيليون، كان التزوّد بالكهرباء في المناطق التي كانت فيها قيادات حماس على مدار اليوم.

الأزمة المتعاظمة مقابل مصر

تدمير أنفاق على الحدود المصرية وقطاع غزة (AFP)

تدمير أنفاق على الحدود المصرية وقطاع غزة (AFP)

في غزة حتى قبل سنة ونصف، قام اقتصاد بديل- اقتصاد الأنفاق. أقامت حماس حوالي 1,200 نفق على محور فيلاديلفي بين قطاع غزة وسيناء. بدأ حفرها في الوقت الذي سيطرت فيه إسرائيل على القطاع لصالح تهريب السلاح. لكن، بعد الحصار تحوّلت لعامل اقتصادي مهم لصالح نقل البضائع التي لا يمكن نقلها بأية طريقة أخرى.

يمر في هذه الأنفاق كل شيء: ليس السلاح فقط، بل والطعام والأدوية، السجائر، الحيوانات، السيارات والمخدّرات. في قسم من الأنفاق تم وضع عربات خاصة لنقل البضائع بسرعة، وفي قسم منها أنابيب نقل للوقود. أضف إلى ذلك، نُقل فيها الكثير من الطين ومواد البناء الأخرى، التي استُخدمت لمتطلبات حماس المختلفة وأيضًا في القطاع الشخصي، الذي كانت هذه طريقته الوحيدة للحصول على مواد البناء.

حسب تقدير الخبراء في صحيفة The Markerفي الأشهر الستة الأخيرة من عام 2013، أدخِل عبر الأنفاق كل شهر 310 آلاف طن من مواد البناء إلى القطاع. مقابل كل طن من الطين دفع التجار 20 شاقلا كضريبة للحكومة، 10 شواقل على كل طن حصى، و 50 شاقلا على كل طن حديد. أي أن حماس ربحت من نقل مواد البناء 4.2 مليون شاقل في الشهر. حسب التقديرات جبت حماس ضرائب بما يُقدّر بحوالي 50 مليون شاقل شهريًّا، أي 600 مليون شاقل في السنة، وهو دخل لا تملكه اليوم.

يحصل أغلب سكان القطاع على كهرباء فقط لنصف ساعات اليوم (AFP)

يحصل أغلب سكان القطاع على كهرباء فقط لنصف ساعات اليوم (AFP)

إلى جانب الأنفاق التي تملكها حماس، كانت أغلب الأنفاق أملاكا خاصة: أنشأها رجال مقربون من حماس، بدؤوا بحفر نفق من مدخل البيت، المسجد أو الساحة. كذلك انضم أناس من الصف الأول لهذه المبادرات الاقتصادية واستثمروا توفيراتهم في إقامة الأنفاق.

أحد المنتجات التي كانت الأكثر ربحية لحماس في اقتصاد الأنفاق كان الوقود، بفضل فارق الأسعار بين الوقود المصري المدعوم- الذي كان ثمنه إذّاك 1.6 شاقل للتر- مقابل الوقود الإسرائيلي المُغرق بالضرائب، إذ وصلت تكلفته 7.5 شاقل. لقد كان يشتري بعض رجال حماس الوقود في محطات من الجانب المصري على الحدود، وكان يضطر السكان إلى أن يدفعوا مقابله ضريبة 3 شواقل للتر. كان هذا لا يزال سعرًا مقبولا للسكان، وكذلك لأصحاب أعمال المواصلات، مقابل أسعار الوقود الإسرائيلية.

مع عزل مرسي وقيام حكومة السيسي، ازدادت وتيرة هدم الأنفاق في الجانب المصري خشية نفاذ الإرهاب من القطاع إلى شبه جزيرة سيناء. ولذلك تضرر اقتصاد الأنفاق والضرائب لحماس كثيرًا.

المموّلات الرئيسية التي توقفت عن ضخ الأموال

زيارة أمير قطر حمد بن خليفة ال ثاني الى غزة عام 2012 (AFP)

زيارة أمير قطر حمد بن خليفة ال ثاني الى غزة عام 2012 (AFP)

حتى 2011، كانت إيران هي المموّل الرئيسي. حسب التقديرات، 80 % من الإعانة الإيرانية ضُخ مباشرة إلى الذراع العسكرية لحماس وللأعمال الإرهابية و 20% إلى مشاريع مدنية. من مصادر التمويل الأخرى كانت سوريا، لكن في 2011، بعد اندلاع الحرب الأهلية هناك، نشأت أزمة بين حماس وبين حكومة الأسد، على خلفية وقوف حماس في صف القوى السنية التي تمردت على سلطة الدكتاتور. قررت إيران، حليفة الأسد، إيقاف تمويل التنظيم.

في السنوات الثلاث، تحوّلت قطر لقوة اقتصادية مهمة لحماس. في 2012، زار المقاطعة أمير قطر حينذاك، ووعد بتحويل 450 مليون دولار لصالح البناء والتطوير. اليوم هنالك انقسام بين الخبراء إن كانت الأموال تحوّل بكاملها إلى نفس المشاريع، أو أن قسطا من الأموال ومواد البناء التي حوّلتها قطر قد تسربت لحماس نفسها ولأهدافها القتالية.

كذلك تدعم تركيا حماس: في السنوات الأخيرة استثمرت الدولة 350 مليون دولار في مشاريع مختلفة في القطاع، من ضمنها أيضًا بناء المستشفيات. على عكس قطر، ففي الحالة التركية، يمكن المعرفة بالتأكيد إلى أين تحوّل الأموال أو إلى أين يجب أن تحوّل، لأن المشاريع تنفذ على يد منظمات تركية يصل القائمون عليها إلى غزة خصيصًا للمراقبة.

الآن، الآفاق الاقتصادية لحماس ضبابية ولا شك أن قوّاد التنظيم يعملون بكل نشاط من خلف ستارة وقف إطلاق النار من أجل ضمان بقائهم الاقتصادي. كل اتفاق مستقبلي على وقف إطلاق النار لا يشمل بنودًا اقتصادية ذات أهمية، سيُعتبر خضوعًا وخسارة مريرة لحماس أمام إسرائيل.