مرّ 19 عامًا منذ اغتيال رئيس حكومة إسرائيل، إسحاق رابين، في ليلة ما غيّرت وجه التاريخ. كلّما مرّ الوقت ظهر أنّ درجة الاتفاق على القضايا التي عصفت بإسرائيل ليلة اغتياله تقلّ. حتّى درجة الاتفاق على حقائق الحادثة نفسها تقلّ من سنة لأخرى.

يؤيّد معظم الشعب في إسرائيل مواصلة عملية السلام مع الجيران الفلسطينيين، ولكن هناك كثيرين في الشعب ممن ينظرون إلى اتفاقية أوسلو التي وقّع عليها رابين باعتبارها خطأ تاريخيّا. إن الاعتراف بمنظّمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثّل الشرعي للشعب الفلسطيني، تأسيس السلطة الفلسطينية والانسحاب مع معظم أراضي قطاع غزة والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية، أثار كلّ ذلك حين حدث جدلا لم يهدأ بعد.

في الشهر الذي سبق عملية الاغتيال، حين ناقش الكنيست الإسرائيلي المرحلة الثانية من اتفاقية أوسلو، عُقد في القدس تجمّع حاشد دعا إلى إلغاء الاتفاقية وإيقاف خطوات الحكومة. ردّد المحتجّون بهتافات قاسية: "بالدم والنارسنطرد رابين"، "رابين الخائن" بل و "الموت لرابين". وحمل بعض المتظاهرين لافتة تُظهر رابين في زيّ جندي نازي. تم تمهيد الأجواء نحو اغتيال سياسي.

المظاهرة ضد حكومة رابين "الخائنة" عام 1995 (Flash90)

المظاهرة ضد حكومة رابين "الخائنة" عام 1995 (Flash90)

وفي توازن مضادّ لهذه المظاهرات نظّمتْ حركات اليسار في إسرائيل مظاهرة كبيرة لدعم الحكومة ورابين، في وسط تل أبيب، تحت عنوان "نعم للسلام، لا للعنف". وقد خشي رابين نفسه من المشاركة في المظاهرة، ليس لكونه اعتقد أنّ هناك خطرًا على حياته، وإنّما لأنّه خشي أن يكون عدد المتظاهرين قليلا، مقابل مظاهرة المعارضين الكبيرة في القدس. وعندما جاء إلى المظاهرة ثبت خطأ مخاوف رابين؛ فقد حضر المظاهرة عشرات الآلاف من الناس وعبّروا عن دعمهم لرابين وحكومته.

في نهاية المظاهرة ألقى رابين خطابا أصبح هو الخطاب الأخير في حياته، وأعلن: "آمنتُ دائمًا بأنّ معظم الشعب يريد السلام، ومستعد لتحمّل المخاطر من أجل السلام. وأنتم هنا، بوقوفكم في هذا التجمّع، تثبتون مع الكثير من غيركم، ممّن لم يأتوا، أنّ الشعب يريد السلام حقّا ويعارض العنف". ولكن في نهاية التجمّع، هزم العنف رابين. أطلق يغئال عمير، وهو طالب جامعي عارض طريق رابين، ثلاث رصاصات عليه.

إغتيال  إسحاق رابين في تل أبيب، 4.11.1995

إغتيال إسحاق رابين في تل أبيب، 4.11.1995

 

سقط رابين، ووُضع في سيارة هُرعت إلى المستشفى. بعد نحو ساعة من إطلاق النار، وبعد فشل محاولات إنقاذ حياته، خرج الإعلان إلى الشعب: رئيس الحكومة توفي متأثّرا بجراحه. في جنازة رابين، التي عُقدت بعد يومين، عرض رئيس مكتبه وثيقة صادمة: ورقة مع كلمات "أغنية للسلام"، وهي أغنية تمّ غناؤها في نهاية التجمّع، الملطّخة بدماء رابين الذي أطلق عليه النار.

كانت الصدمة في إسرائيل كبيرة. على مدى فترة قصيرة، تم وضع الجدل السياسي حول طريق رابين جانبًا، ونعى الشعب وفاة الزعيم. قال زعيم المعارضة آنذاك، بنيامين نتنياهو: "أنت تسأل نفسك: كيف وصلنا إلى وضع أنّه بعد الحظر الصارم الذي اتخذه الشعب اليهودي على نفسه، تأتي نفس الحالات من الاغتيال السياسي، وها قد حدث هذا الأمر الفظيع؟".

ورقة "أغنية للسلام"  ومُلَطَّخة بدم إسحاق رابين

ورقة "أغنية للسلام" ومُلَطَّخة بدم إسحاق رابين

ولا تزال تركة رابين في السلام مثار جدل. لا يزال الشعب الإسرائيلي غير قادر على الاتفاق على مسائل رئيسية مثل: هل السلام أفضل من الحفاظ على أراضي البلاد؟ هل يمكن الوثوق بالفلسطينيين بأن يحترموا اتفاق السلام؟ هل السلام ممكن أصلا؟ ويبدو أنّ هذا الجدل سيستمرّ في الوجود للأبد في أوساط الشعب الإسرائيلي.

ولكن من جهة أخرى، هناك في إسرائيل من يرفض تماما الاعتراف بحقيقة أنّ رابين قد اغتيل فعلا على يد قاتل عارض طريقه السياسي، وطوّروا مجموعة متنوّعة من النظريّات التي كان للشاباك يدًا فاعلة في اغتيال رابين. وتجدر الإشارة إلى أنّ أيّا من هذه الروايات لم تحظ بأيّ توثيق، ولا تزال غير مثبتة.

هناك من يدّعي أن اغتيال رابين كان محاولة لتمثيل اغتياله بهدف كسب تعاطف شعبي مع العملية السياسية التي بادرت إليها الحكومة. وفقا لهذا الادعاء، كان الشاباك هو من جنّد القاتل عمير، وأراد تسليحه برصاصات فارغة ليستخدمها في محاول الاغتيال.

بحسب هذه الرواية، كان هذا هو سبب إبقاء عمير على قيد الحياة وعدم قتله من قبل الحرّاس. ولكن حدث خطأ ما، وتمّ وضع ذخيرة حيّة في مسدّس عمير. بل وادعى أصحاب الخيال المفرط بشكل خاصّ أنّه كان لوزير الخارجية حينذاك، شمعون بيريس، يدٌ بتعبئة الرصاصات الحيّة في مسدّس عمير.

القاتل عمير بعد إعتقاله (ANDRE BRUTMANN / AFP)

القاتل عمير بعد إعتقاله (ANDRE BRUTMANN / AFP)

 

هناك من ادعى أنّه قبل شهرين من عملية الاغتيال، قال رئيس الشاباك حينذاك، كرمي غيلون، إنّه من المحتمل أن يؤذي رابين "طالب يمني من هرتسليا يدرس الحقوق في جامعة بار إيلان". إذا كانت تلك الأمور صحيحة فعلا، فإنّ الوصف مناسب تماما ليغئال عمير، الذي كان طالبا للحقوق، أقام في هرتسليا وكان ابن لوالدين من أصول يمنية - يهودية. هذه الأمور تعزّز الاعتقاد بأنّ عمير كان على الأقل معروفا لدى الشاباك، بل وربما كان عميلا له.

ولكن من بين المؤمنين بنظريات المؤامرة، هناك من خيالهم مفرط بشكل أكبر: فهم يدّعون أنّ عمير لم يكن هو أصلا من أطلق النار على رابين، حيث كانت الرصاصات في مسدّسه فارغة، وأنّ رابين في الواقع اغتيل من قبل حرّاسه في الطريق إلى المستشفى. ويستند هؤلاء المدّعون على حقيقة أنّ السفر إلى المستشفى استغرق 20 دقيقة، رغم أن المستشفى كان على مسافة بضعة مئات من الأمتار فقط.

هناك بعض الأدلة، لا شكّ بأنّها حقيقية، تغذّي نظريّات المؤامرة هذه. بدايةً، حين أطلق عمير النار على رابين، صرخ أحد الحضور في المكان قائلا: "إنّها فارغة، فارغة، ليست حقيقية". ومن غير الواضح حتى اليوم من الذي صرخ تحديدًا، وهل كان هو القاتل أم شخصا آخر. والافتراض أنّه أحد رجال الشاباك، الذي اعتقد أنّه تمرين.

كانت هناك أدلة أخرى لدى زوجة رابين، ليئا، التي قالت إنّه بعد إطلاق النار قال لها رجال الشاباك إنّ "هذا غير حقيقي"، ودفعوها إلى السيارة. وتقول ابنة رابين أيضًا، داليا، إنّها اتصلت بعد إطلاق النار بوالدتها وقالت لها "أطلقوا النار على أبي، ولكن هذا غير حقيقي". لا شكّ أن هذه الأمور قد قيلت لليئا رابين، ولكن ليس هناك أيّ إثبات للسبب الذي قيلت من أجله. يبدو أنّ رجال الشاباك قد اعتقدوا بالخطأ أنّه تمرين، ويبدو أنّهم وجدوا صعوبة في أن يصدّقوا بأنّ القاتل نجح في إصابة رابين.

على أية حال، لم تلق أيّ من نظريات المؤامرة هذه تأييدًا من لجنة التحقيق التي حقّقت في عملية الاغتيال. حتى شقيق القاتل، حاجي عمير، الذي اتّهم بالمساعدة في القتل وقضى عقوبة عدّة سنوات في السجون الإسرائيلية، قال إنّ هذه النظريات غير حقيقية، وإنّ القاتل سعى فعلا لقتل رابين.

بشكل أو بآخر، فإنّ نظريات المؤامرة - النمطية لكلّ حادثة قتل شهيرة تحدث في التاريخ - لن تختفي أبدًا. وليس من المتوقع  أيضًا أن يختفي قريبًا الجدل حول طريق رابين السياسي.