غطّت مجريات توسّع رقعة انتشار تنظيم "الدولة الإسلامية" والحرب الأخيرة في قطاع غزة على خبر الضربات الجوية التي قامت بها مصر والإمارات العربية المتحدة مؤخراً على ليبيا. ولكن من خلال الوقوف كمن يبدو متفرجاً مشدوهاً، ضيّعت الولايات المتحدة الأميركية على نفسها مرة أخرى فرصة البدء برأب صدع علاقاتها مع الدولة المصرية.

ابتعدت الولايات المتحدة بمسارها عن مصر عندما انطلقت في العام 2011 مظاهرات حاشدة ضدّ الرئيس السابق حسني مبارك. ويروي وزير الدفاع السابق روبرت غيتس أنّ الرئيس الأمريكي باراك أوباما كان من رأي مساعديه الثانويين خلال الانتفاضة، وكلّهم شجّعوا مبارك على التنحّي، سواءً في السرّ أم في العلن. ولكن في المقابل، نصح كبار مساعدي الرئيس أوباما باعتماد موقف أكثر حيادية لا يلفت الأنظار. فبحسب رأيهم، ما كان يجب على واشنطن أن تحثّ مبارك لا على التنحّي ولا على البقاء في سدّة الحكم، كونه كان صديقاً لها لفترة طويلة. وبعد مرور ثلاث سنوات، لم يغب عن ذاكرة الجيش المصري ورعاة مصر في الخليج كيف تخلّت إدارة أوباما عن حليفها (مبارك) عند حاجته إليها.

تلقّت العلاقات الأميركية المصرية ضربةً موجعة أخرى عندما حاولت إدارة أوباما حماية حكومة الإخوان المسلمين من الإطاحة على يد الجيش المصري، مع أنّ الغالبية العظمى من المصريين كانت قد انقلبت على الرئيس المصري السابق محمد مرسي بحلول العام 2013. وبدل مناصرة الإطاحة بمرسي بهدوء والوقوف في صفّ الشعب المصري، قدّمت الولايات المتحدة ملاحظات مبتذلة عن أهمية "العملية الدستورية." أضف إلى ذلك أنّ المساعدة العسكرية الأميركية لمصر ما زالت معلّقة منذ رحيل مرسي عن الحكم، على الرغم من أنّ البلاد بحاجة إلى خوض حرب ضدّ المتمردين في شبه جزيرة سيناء، وللبعض من هؤلاء صلة بتنظيم "الدولة الإسلامية."

وزير الخارجية المصري ووزير الخارجية الأمريكي (Flicker U.S Department)

وزير الخارجية المصري ووزير الخارجية الأمريكي (Flicker U.S Department)

من المفارقة بمكان أنّ الفترة السوداوية هذه تذكّر بالفترة التي التزم فيها الرئيس جورج دبليو بوش بشكل صارم بـ"أجندة الديمقراطية" التي كان من المفترض أن تضع الولايات المتحدة في مصاف "القوى التاريخية" الجديدة، ولكنها بدل ذلك ساهمت في وصول حركة حماس الى سدّة الحكم في قطاع غزة، بالإضافة إلى أمور مشابهة أخرى.

لا شكّ في أنّ أحد الدروس المستفادة من انتفاضة العام 2011 ضدّ مبارك هو أنه في عالمنا المعاصر، لا يمكن لأي زعيم أن يبقى في السلطة لعقود بدون أن ينفد صبر المواطنين في البلاد ويطالبوا في التغيير. وبالتالي، من الأفضل لمصر أن تحترم الفترة المحددة لولاية الرئيس بموجب دستورها الجديد. ونأمل أن تمدّ الحكومة المصرية الجديدة أيضاً يد العون إلى القوى السياسية المعتدلة التي لديها شكاوى مشروعة.

في الوقت عينه، أفسدت إدارة أوباما، وبدون سبب، علاقاتها مع أهم دولة في الشرق الأوسط، من خلال مزيج من قلة الخبرة والسذاجة والغمامات الأيديولوجية. فالسياسة الخارجية ليست مجرد مسابقة لقياس الشعبية والهدف الأساسي منها لا يتلخّص بنيل أصوات أكثر من التي ينالها الخصم. انحاز الرئيس أوباما في عام 2011 للشارع المصري، وفي غضون عامين، راح الشارع عينه يلوم الرئيس الأميركي ويتّهمه بالتواطؤ لإبقاء مرسي والإخوان المسلمين في السلطة. وبدلاً من الاعتماد على اتجاه الأهواء لتحديد مساراتها، حريّ بالإدارة الأميركية اللجوء إلى بوصلة لاتباع سياسات متوازية مع حكومة مصرية ودية بقيادة عبد الفتاح السيسي، والتي يؤمَل أن تكون قد استخلصت العبر من التجربة التي كادت تقتلها.

خفّضت الحكومة المصرية في خلال الأشهر الستة الماضية دعمها للمواد الغذائية والوقود والذي بدا عكسي النتائج، كما لعبت دوراً رئيسياً في إنهاء الجولة الأخيرة في الحرب بين إسرائيل وحركة حماس وتدخّلت لدعم قوات الميليشيا المعتدلة في ليبيا. من المفترض أن يجتمع الرئيس أوباما بالسيسي الأسبوع المقبل أثناء تواجدهما في نيويورك لحضور دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا العام، علماً أن الوقت قد حان، ليس لقلب الصفحة فحسب بل للبدء بكتابة فصل جديد بالكامل في كتاب العلاقات الأميركية- المصرية، وذلك من خلال إعادة تقديم المساعدة العسكرية كاملةً والتعبير عن التقدير – لا بل عن الامتنان – للبلد الذي كان شريكاً لواشنطن مرة، والذي سيكون شريكاً لها في المستقبل.

نشر المقال لأول مرة على موقع "منتدى فكرة"